إصداراتحدث ورؤيا

عملية “ردع العدوان”: قراءة في التحولات العسكرية ومآلات الصراع في سوريا

مقدمة
في 27 نوفمبر، أطلقت غرفة “إدارة العمليات العسكرية” التابعة لفصائل الثورة السورية في إدلب عملية “ردع العدوان”، مستهدفة مواقع استراتيجية للنظام السوري من عدة محاور، وقد أثبتت العملية قدرتها على زعزعة خطوط الدفاع الأمامية للنظام، حيث تمكنت فصائل المعارضة من تحقيق مكاسب ميدانية متسارعة وصلت حتى الآن إلى تخوم مدينة حماة.
مما لا شك فيه أن انتصارات الثوار في حلب تُعد تطورًا سياسيا كبيرا يفتح آفاقًا جديدة نحو مستقبل أفضل لأهل سوريا، فمن ذا الذي لا يرجو تحرير أرضٍ اغتصبتها آلة القمع لنظام طائفي دموي، تفنَّن في استباحة الأرواح، وتدمير المدن، وتشريد الملايين؟
ومما يُضاعف هذا الرجاء هو التسارع المذهل الذي تُحرز فيه فصائل الثورة تقدمًا ملموسًا، حيث تتبدل خريطة السيطرة على الأرض بسرعة مدهشة، إذ يتحقق التغيير في ساعات معدودة، لينسف بذلك ما ظنه النظام ومن يقف خلفه مستقرًا.
ورغم هذه الإنجازات الواعدة الجديدة، إلا أن الأمر يظل محاطًا بالقلق والحذر، وهو قلق له أسبابه الموضوعية التي لا يمكن تجاهلها، لعل من أبرزها الموقف الروسي، الذي وإن بدا في اللحظة الراهنة أقل اندفاعًا في دعمه للنظام السوري، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة بقاء الأمور على حالها.
والتاريخ القريب شاهد على عدوان الروس وقلبهم للموازين العسكرية عقب تقدم الثوار وذلك من خلال قصفهم الجوي المدمر، الذي طالما استهدف كل مقومات الحياة في المناطق المحررة، ومع انسحاب قوات النظام من حلب، يُخشى أن تُعيد روسيا السيناريوهات السابقة، مستخدمةً قوتها الجوية لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 27 نوفمبر.
الفرص المتاحة أمام الثوار
تتزايد الفرص أمام الثوار السوريين لتعزيز مكاسبهم الميدانية في ظل مجموعة من العوامل الإقليمية والدولية التي تصب في صالحهم، أبرزها:

  1. ضعف النظام السوري:
    إن الإنهاك الذي أصاب النظام السوري وحلفاءه، سواء روسيا أو إيران، جراء الحروب الممتدة والخسائر المتراكمة، فتح المجال أمام الثوار للتحرك بفاعلية أكبر، ومع تراجع قدرة النظام على ملء الفراغ العسكري في المناطق التي يخسرها، تتبدل موازين القوى لصالح الثورة، مما يتيح للثوار التوسع بشكل أقوى، ومع تقدم الثوار في دخول المدن واحدة تلو أخرى، يتجلى أفقٌ مبشر بإعادة ترتيب الخارطة المحلية والانطلاق نحو مناطق جديدة، بتعزيز دورهم كقوة مركزية لها ثقل وازن على الأرض.
  2. تعنت النظام وتصلبه:
    تمنُّع رأس النظام بشار الأسد عن الدخول في أي تفاهمات مع الرئيس التركي أردوغان رغم عروض التفاهم التركية، عكس أزمة عميقة في إدارة النظام لمعاركه السياسية، هذا التصلب منح الثوار فرص إضافية لمواصلة تصعيدهم، مستفيدين من الدعم التركي المقدم لهم.
  3. الظرف الدولي المواتي:
    إن الانشغال الدولي الحالي، خاصة مع تصاعد الحرب الروسية في أوكرانيا وعدم قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات حاسمة في هذه الفترة الانتقالية، شكل فرصة كبيرة للثوار في استثمار هذه الفجوة لتوسيع نطاق سيطرتهم في المناطق الاستراتيجية وتعزيز مواقعهم الميدانية.
    نجاحات استراتيجية حققها الثوار
    حقق الثوار حتى الآن تقدمًا نوعيًا باستهداف نقاط استراتيجية للنظام، وعلى رأسها المطارات العسكرية، ومن أبرز الإنجازات السيطرة على مطار أبو الضهور العسكري، الذي يُعد قاعدة رئيسية للعمليات الجوية، كما تمكنوا من مطار كويرس في ريف حلب، وهو ما أفقد النظام نقطة لوجستية مهمة كانت تُستخدم لتعزيز قواته، كما تحرر مطار النيرب العسكري ليصبح عدد المطارات التي تم تحريرها خلال المعارك الأخيرة 4 مطارات عسكرية “النيرب، كويرس، منغ ، أبو الضهور” بالإضافة إلى مطار حلب الدولي، إلى جانب ذلك أظهرت كتائب “شاهين”، التابعة لغرفة العمليات، كفاءة في استخدام الطيران المُسير لضرب أهداف النظام بدقة، مستندة إلى تخطيط استخباري متقدم وتنسيق عالي المستوى مع الوحدات الميدانية المقاتلة.
    ومن النجاحات التي حققها الثوار كذلك خلال العملية، السيطرة على سجن حلب المركزي، أحد أكبر وأشهر معتقلات النظام، وتحرير الأسرى والأسيرات المحتجزين داخله، بجانب التوسع الميداني والسيطرة على كامل الحدود الإدارية لمحافظة إدلب، وصولًا إلى تخوم محافظة حماة، ما يعزز موقعها الاستراتيجي ويضيق الخناق على قوات النظام.
    ختامًا
    إن التطورات الحالية في المشهد الأمني السوري تدلل بوضوح على الانتقال إلى مرحلة جديدة تتسم بتغييرات استراتيجية في الصراع، وبتوافر هذه الفرص الحالية للثوار يمكنهم استعادة زمام المبادرة في الشمال السوري، وتعزيز مكاسبهم على المستويين الميداني والسياسي، مما يمكن الفصائل الثورية من استثمار هذا الزخم عن طريق تعزيز وحدتهم، والتخطيط لبناء نموذج إدارة ذي كفاءة في المناطق المحررة.
    لكن مما يجدر التنبيه عليه، أنه رغم هذا النجاح الميداني تبقى التحديات قائمة، لا سيما مع إمكانية تصعيد القصف الروسي واستقدام تعزيزات جديدة من قبل النظام، لكن وحدة الصف الثوري، وتكامل الجهود العسكرية والسياسية، قد تكون العامل الحاسم في تثبيت هذه المكاسب وتحويلها إلى إنجازات دائمة، ويظل الأمل معقودًا على استمرار العمليات بروح من العزيمة والإصرار، حتى تتجسد آمال الشعب السوري في التحرير والكرامة.
زر الذهاب إلى الأعلى