عن صفقة الغاز الإسرائيلية المصرية!

المتابع للتنافس المتصاعد بين أمريكا والصين سيجد أن هناك لافتة كبيرة تستحوذ خلال الفترة الحالية على اهتمام صانعي القرار في الجانبين، هذه اللافتة مكتوب عليها عنوان وحيد فقط، وهو المعادن الحرجة.
ولأن المعادن الحرجة مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس إلخ، هي عناصر أساسية في كل الصناعات التي ترسم مستقبل العالم، وتحدد تمركز القوى الكبرى في العقود القادمة؛ فإنها تحولت من مجرد سلع استهلاكية يتم تداولها في الأسواق المفتوحة، إلى سلع إستراتيجية تتنافس القوى الدولية على امتلاكها والاستحواذ عليها، ومن ثم تأمين سلاسل إمداد تكنولوجيا المستقبل.
من هذه النقطة سيمكن أن نفهم بشكل واضح أن غالبية السياسة الأمريكية منذ وصول ترامب للبيت الأبيض تتداخل بشكل رئيسي مع المعادن الحرجة وتأمينها وقطع الهيمنة الصينية عليها، ولا أريد المبالغة إذا تصورنا أن غالبية اتفاقيات السلام التي يروج لها ترامب ستجد في خلفيتها المعادن الحرجة؛ مثل اتفاق روسيا أوكرانيا، واتفاق الكونغو الديمقراطية، ورواندا، واتفاق أذربيجان وأرمينيا، وغيرها من الاتفاقات، وربما لا يخلو أسبوع من تصريحات لترامب ومسؤولين أمريكيين عن المعادن الحرجة، وإستراتيجية أمريكا في الحصول على احتياجاتها من تلك المعادن.
على الجانب الآخر فإن البنتاجون الأمريكي قرر أن يدخل بنفسه في هذا المضمار، ويأخذ خطوات هائلة ومتسارعة في استثمارات التعدين والمعالجة في المعادن الحرجة، وربما حجم الصفقات المعلنة فقط في الشهور الأخيرة مع شركات أمريكية وأستراليا والسعودية وكوريا الجنوبية بمليارات الدولارات، كاشفة عن حجم الاهتمام للبنتاجون بالمعادن الحرجة.
مصر تعاني منذ عامين من تراجع كبير في إنتاج الغاز، مع استمرار تزايد الاستهلاك؛ مما أدى إلى تحول مصر إلى دولة مستوردة للغاز؛ لتسد هذه الفجوة، وتعوض السوق المحلي باحتياجاته.
والوضع الحالي هو أن أمريكا ليس أمامها بديل عن المعادن الحرجة الصينية -هذا لأنه لا يوجد أي مصدر بديل بالفعل- ولكن في الوقت نفسه فإن واشنطن تنفق المليارات لتطوير هذه الصناعة، وعلى استعداد أن تنفق مليارات الدولارات لأي مسار يوفر بديل للمعادن الحرجة الصينية!
هذه المقدمة الطويلة قد تبدو بعيدة عن صفقة الغاز الإسرائيلية المصرية، ولكن في الواقع كان الهدف منها هو تسليط الضوء على ماذا تعني السلع الإستراتيجية في سياسات الدول وأمنها القومي.
نموذج المعادن الحرجة يعطينا صورة واضحة عن كيف تتعامل الدول مع السلع الإستراتيجية؛ حيث تنظر إليها من منظور الأمن القومي والأبعاد الجيوسياسية، ولا تتعامل معها أبدًا من المنظور الاقتصادي إلا في أضيق الحدود.
باختصار وبمعنى أكثر دقة إذا كانت الدولة تعتمد على أحد السلع بشكل رئيسي في قطاعات حيوية مثل الطاقة أو الصناعات الدفاعية؛ فإن هذه السلعة تتحول إلى سلعة إستراتيجية، يتم صياغة سياساتها على أساس الأمن القومي قبل أي شيء آخر.
نعود إلى صفقة الغاز التي أعلن نتنياهو عنها..
لا شك أن الغاز الطبيعي هو سلعة إستراتيجية لمصر؛ فهو المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء (أكثر من 76% من توليد الكهرباء في مصر من الغاز الطبيعي) إلى جانب استخدامه بشكل رئيسي في الصناعات الثقيلة (الأسمدة والصلب والأسمنت.. إلخ).
مصر تعاني منذ عامين من تراجع كبير في إنتاج الغاز، مع استمرار تزايد الاستهلاك؛ مما أدى إلى تحول مصر إلى دولة مستوردة للغاز؛ لتسد هذه الفجوة، وتعوض السوق المحلي باحتياجاته.
في هذا الإطار أصبحت مصر تعتمد بشكل رئيسي على الغاز القادم من إسرائيل لسد احتياجات السوق المحلية، وأصبح الغاز الإسرائيلي الذي كان من المفترض أن يتم تسييله فقط في مصر، وتصديره بعد ذلك إلى الأسواق الأوروبية، استنادًا لصفقة 2019 أصبح كل هذا الغاز يضخ إلى الشبكة المحلية المصرية، وبذلك أصبح الغاز الإسرائيلي يمثل تقريبًا من 17 إلى 20% من احتياجات السوق المصرية!!
هذا الاعتماد المُفرِط على الغاز الإسرائيلي يحمل مخاطر أمنية كبيرة، ومع ذلك فإن هذه المخاطر ظل يتردَّد صداها لدى المحلِّلين المتابعين عن كثب لملف الغاز الطبيعي، ولكنها لم تتحول إلى مخاطر واضحة وجلية يراها ويفهمها الجميع، إلا بعد حرب الطوفان، التي كشفت ماذا يعني اعتماد مصر على الغاز القادم من إسرائيل، وفي منطقة لا تتوقف فيها التوترات الجيوسياسية!
كشفت الحرب عن أمرين جوهريين:
(1) صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل أدت إلى ربط أمن الطاقة المصري بأمن الطاقة الإسرائيلي؛ بمعنى أن أي تهديد أو أضرار للحقول ومنصات إنتاج الغاز الطبيعي في إسرائيل فإن المتضرر الأكبر ليس إسرائيل فقط، ولكن مصر أيضًا! حيث ستتوقف تدفقات الغاز الإسرائيلي، وتفقد مصر حصة كبيرة من احتياجاتها اليومية، وهذا هو ما كشفته حرب الطوفان في أكثر من موقف مع توقف منصات إنتاج حقلي تمار وليفايثان، وفي المقابل خفض أو قطع صادرات الغاز الإسرائيلي عن مصر!
عودة إلى المربع صفر! هكذا قررت مصر فجأة أن تحول إستراتيجيتها الجديدة بتنويع مصادر الغاز، وتقليل الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، إلى زيادة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي خلال العقود القادمة، وحتى عام 2040، من خلال صفقة هي الأضخم في تاريخ إسرائيل!
هذه المعادلة السلبية لربط أمن الطاقة المصري بالإسرائيلي؛ تعني ببساطة أن دولة الاحتلال التي تعتمد بشكل رئيسي على استخدام القوة في تحقيق أهدافها السياسية، والتي لا تتوقف عن الدخول في صراعات وحروب مع أطراف مختلفة؛ وبالتالي فإن منصات إنتاج الغاز الإسرائيلية هي بالتأكيد في قلب هذه الصراعات؛ ولذلك فإن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي يجعل أمن الطاقة المصري مرتبطًا بشكل دائم بالتوترات الجيوسياسية وصراعات إسرائيل في المنطقة!!
(2) استخدمت إسرائيل الغاز كورقة ضغط وأداة سياسية للتأثير على مصر خلال حرب الطوفان. ربما كانت هذه الفكرة محلَّ جدال قبل حرب الطوفان، ومحل خلاف بين من يرى أن إسرائيل ملتزمة بعقود، ولا يمكنها عدم الالتزام بإمدادات الغاز إلى مصر، ولكن حرب الطوفان، وقبلها الحرب الروسية الأوكرانية قد وضعت الغاز الطبيعي في قلب المعادلات الجيوسياسية، وأصبح استخدام الغاز كسلاح أمرًا متوقعًا في ظل توترات إقليمية ودولية متزايدة!
والواقع أن حرب الطوفان قبل أن تهدم الثقة التي تعززت بين مصر وإسرائيل في سنوات ما قبل الطوفان؛ فإنها أدت إلى كشف حقيقة إستراتيجية تصدير الغاز الإسرائيلية، والتي تتخطى مزاعم المكاسب الاقتصادية والتكامل الإقليمي إلى ما هو أهم من ذلك، وهو تعزيز نفوذها الإقليمي، وامتلاك أدوات الضغط والتأثير على مصر بشكل مباشر.
أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز إلى مصر في أكثر من مرة خلال حرب الطوفان تحت مزاعم متعددة؛ منها الأمني، ومنها التقني، ومنها تلبية الاحتياج المحلي، ولكن بالتأكيد فإن غالبية مواقف قطع الإمدادات كانت مرتبطة بالأساس بالضغط على مصر خلال مسار المفاوضات الطويل، والواقع أن نتنياهو قبل أن تنتهي الحرب أعطى الإثبات والدليل العملي على الممارسات الإسرائيلية في استخدام الغاز كورقة مساومة؛ حيث ربط بشكل صريح بين صفقة الغاز الجديدة وبين تصاعد التوترات مع مصر.
انتبهت مصر أخيرًا خلال الحرب بمخاطر الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، وأصبح ما كان تحليلًا وتقديرَ موقف بمخاطر صفقة 2019 أمرًا واقعيًّا لا شك فيه، فاندفعت مصر في تحول لافت لإستراتيجيتها نحو تنويع مصادر الغاز، وتقليل الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، وخلال عام تقريبًا كثَّفت مصر جهودها في تعزيز البنية التحتية لاستيراد الغاز المسال؛ (استئجار عدة سفن تغويز، وتمركزها في البحر الأحمر والبحر المتوسط)، وانخرطت في عقود شراء غاز مسال بعقود متوسطة الأجل مع أطراف مختلفة.
بطبيعة الحال كان هذا التحول اللافت في الموقف المصري هو نتاج نظرة أمنية للغاز الإسرائيلي، وبالرغم من أن تكلفة الغاز المسال أكبر من الغاز الإسرائيلي؛ فإن القرار المصري بتكثيف الاعتماد على الغاز المسال كان لا بديل عنه لحماية أمن الطاقة المصري.
عودة إلى المربع صفر! هكذا قررت مصر فجأة أن تحول إستراتيجيتها الجديدة بتنويع مصادر الغاز، وتقليل الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، إلى زيادة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي خلال العقود القادمة، وحتى عام 2040، من خلال صفقة هي الأضخم في تاريخ إسرائيل!
وكما يبدو فإن هذه الصفقة تعني مرة أخرى عودة لارتباط أقوى بين أمن الطاقة المصري وأمن الطاقة الإسرائيلي، وارتهان مصر للتوترات الإقليمية وسياسة إسرائيل العدوانية مع جيرانها، وكذلك استمرار هيمنة إسرائيل على قطاع الغاز المحلي في مصر، وبمعنى آخر: امتلاك إسرائيل لأداة ضغط دائمة للتأثير على السلوك السياسي المصري في القضايا الثنائية، وتطورات الإقليم والقضية الفلسطينية، والأهم من ذلك هو تعزيز نفوذ إسرائيل في الإقليم كلاعب رئيسي في إمدادات الطاقة.
مرة أخرى لا يجب أبدًا التعامل مع الغاز الطبيعي باعتباره سلعة استهلاكية من المنظور الاقتصادي، وتحقيق مكاسب من توفير النفقات؛ عبر شراء غاز إسرائيلي أرخص من الغاز المسال؛ فهذا لا يساوي أي شيء أمام تهديدات مستمرة بقطع الغاز! سواء لأسباب التوترات الجيوسياسية في الإقليم، أو لأسباب ترتبط بتلاعب إسرائيل بالغاز كورقة مقايضة مع مصر!
يبدو أمامي أن هذه الصفقات لا تمثل أي خير لبلادنا في المستقبل، غير مزيد من التبعية والارتهان لإسرائيل! ومزيد من تراجع نفوذنا الإقليمي، مقابل منح إسرائيل نفوذًا علينا وعلى المنطقة كلها!
مرة أخرى لا يمكن أن توفر بنية الغاز المسال التي أنشأتها مصر خلال العام الماضي ضامنًا للحماية من التهديدات الإسرائيلية المحتملة؛ فلا تستطيع هذه البنية أن توفر أحجام الغاز الضخمة التي ستصل إلى مصر من الصفقة الجديدة، كما أن قطع إمدادات الغاز الإسرائيلية الذي يمكن أن يتم في ساعات قليلة، يقابله أيام وربما أسابيع لحصول مصر على شحنات غاز مسال جديدة بالعقود الفورية، تعوض القطع الإسرائيلي؛ وهنا نتحدث عن أيام أو أسابيع، تبقى فيها مصر تحت أزمة كهرباء عنيفة، ولنا أن نتخيل حجم الخسائر المادية والاقتصادية التي يمكن أن تحدث في بلد مثل مصر جراء أزمة كهرباء تستمر عدة أيام!
منذ عام 2019 وصفقة الغاز الإسرائيلية تحمل مخاطر كبيرة على الأمن القومي المصري وأمن الطاقة تحديدًا، ومع ذلك فإنه كعادة كل شيء في مصر تصور على أنها إنجاز غير مسبوق!
تثبت الأيام والأحدث وآخرها حرب الطوفان مدى خطورة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، ليصبح ما كان إنجازًا في عام 2019 هو عين الخسارة والتهديد والمخاطر! ومع ذلك يستمر السيسي في رهانه على صفقات الغاز الإسرائيلية، والتي لا أجد لها سببًا عقلانيًّا خاصة بعد ما مرت به مصر من مواقف مع إسرائيل، ولا يبدو أمامي أن هذه الصفقات لا تمثل أي خير لبلادنا في المستقبل، غير مزيد من التبعية والارتهان لإسرائيل! ومزيد من تراجع نفوذنا الإقليمي، مقابل منح إسرائيل نفوذًا علينا وعلى المنطقة كلها!






