
مقدمة:
أثار مشروع (قانون الأسرة) الجديد في مصر، الذي أُحيل إلى البرلمان مؤخراً، جدلاً واسعاً يعكس حالة من الصراع بين دعوات التحديث ذات الطابع التغريبي والعلماني، وبين التمسك بمقاصد وأحكام الشريعة الإسلامية.
يتكون مشروع القانون من 355 مادة، ويحتوي على مسائل تمس أحكام الشريعة، خاصة في قضايا الطلاق، والحضانة، والفسخ، وتقييد حق الزوج في الطلاق، وتغيير ترتيب الحضانة، مما يُنظر إليه من كثير من المراقبين على أنه محاولة لإعادة صياغة الأسرة المصرية وفق نموذج غربي.
وتثور حول صياغة القانون تساؤلات كثيرة ومشروعة: لماذا تمت صياغته بعيداً عن الأزهر الشريف؟! وكيف يُمرر قانون يمس جوهر حياة الملايين من الأسر المصرية دون عرضه على هيئة كبار العلماء للمراجعة الشرعية؟!
ولماذا لم يُطرح لنقاش مجتمعي حقيقي وواسع يشمل علماء الدين والمختصين والأسر والقوى المجتمعية المعنية، في أمر يتعلق بأساس المجتمع واستقراره؟!
ومن جهة أخرى، يرى مراقبون أن الدفع بالمشروع داخل البرلمان يحظى بدعم واضح من تيار نسوي برلماني يتبنى خطاباً قائماً على توسيع شعار “تمكين المرأة” في ملفات الطلاق والفسخ والحضانة، وترتبط بعض رموزه بالمجلس القومي للمرأة ومؤسسات لها هذا التوجه.
ويبدو أن هذا المشروع، في جوهره، يمثل حلقة جديدة في سلسلة محاولات تغريب الأسرة المصرية، استكمالًا لسوابق أخرى مثل مؤتمر القاهرة للسكان 1994، ومؤتمر بكين 1995، وأجندة 2030 للتنمية المستدامة 2015، وغيرها من الخطوات المماثلة.
ولا يخفى أن هذا التوجه تحركه ضغوط دولية مكثفة تمارسها منظمات غربية ومؤسسات أممية، في مقدمتها لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، المسؤولة عن تطبيق اتفاقية سيداو (CEDAW) وهيئة الأمم المتحدة للمرأةوUN Women، مدعومة بضغوط اقتصادية من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، تربط التمويل بمؤشرات «تمكين المرأة» «والمساواة الجندرية» ومواءمة التشريعات المحلية مع المعايير الدولية.
وقد أثار مشروع القانون ردود فعل غاضبة ورافضة من قوى دينية معتبرة واسعة، منها جماعة الإخوان المسلمين وكبار الرموز من التيار السلفي، معتبرين إياه تهديداً مباشراً لاستقرار الأسرة المسلمة وثوابت الأحكام الخاصة بها.
بنود تمس الشريعة الإسلامية:
وقد أثارت عدة بنود في مشروع القانون إشكالًا باعتبار ما فيها من مساس بأحكام الشريعة الإسلامية لا سيما في الأحكام المنظمة لإنهاء العلاقة الزوجية، والتي تعلقت ببعض الضوابط الشرعية الراسخة في الفقه الإسلامي.
فمنح الزوجة حق فسخ العقد خلال ستة أشهر دون اشتراط أسباب شرعية محددة يُعد ثغرة تُفسح المجال أمام التأويلات الواسعة والاستخدام التعسفي، في حين أن الأصول الفقهية تجيز الفسخ حال تحقق العلة المعتبرة شرعاً دون توسع ودون تقييد زمني مصطنع، حفاظاً على عدالة العقد واستقراره.
وقد تسرب في بعض وسائل الإعلام نص المادة كالتالي” يحق للزوجة طلب فسخ عقد زواجها قضاء، خلال مدة لا تزيد على ستة أشهر من تاريخ العقد، إذا تبين لها أن الزوج ادعى لنفسه ما ليس فيه“.
وبالمقابل، يفرض المشروع قيوداً إجرائية معقدة على حق الطلاق خلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج، عبر اشتراط اللجوء إلى القضاء وإخضاع الطرفين لآليات صلح إلزامية مطولة، مما يحول الطلاق من حق شرعي مُنظم يراعي استحالة العشرة إلى إجراء يُطيل أمد المعاناة ويُجبر الأطراف على الاستمرار في بيئة زوجية متآكلة.
بالإضافة لذلك توجد مادة تتعلق بوثيقة التأمين الإجبارية جاء فيها بحسب ما تسرب إعلاميًا “يجب على كل مقبل على الزواج، وقبل توثيق العقد أن يقدم لمن انتوى الزواج بها وثيقة تأمين تضمن لها الحصول على مبلغ مالي أو نفقة شهرية محددة المدة حال حدوث الطلاق بائنا أو التطليق بحكم نهائي”، والمادة تُلزم الزوج قبل الزواج بشراء وثيقة تأمين مالي تضمن للزوجة تعويضاً حال وقوع الطلاق أو التطليق، مما يُحوّل عقد الزواج من ميثاق شرعي قائم على المودة والرحمة إلى عقد تجاري تأميني، وهو ما يتعارض مع مقاصد الزواج الشرعية التي تبني على الدوام والاستقرار لا على الاستعداد المالي للفراق.
وفي مسائل الحضانة والولاية، يُعطي المشروع الأولوية شبه المطلقة للأم في حضانة الأولاد، ويُضعف بشكل ملحوظ الولاية التربوية والتعليمية للأب، مما يخل بالتوازن الشرعي الذي يراعي مصلحة الطفل حسب مراحله العمرية.
وما ظهر من المواد المثيرة للجدل لا يمثل سوى جزء محدود مما يتضمنه مشروع القانون، في إطار ما يبدو أنه اختبار أولي لردود الفعل المجتمعية تجاه بعض البنود الحساسة.
فحتى مع التراجع عن بعض هذه المواد المثيرة للجدل أو حذفها تحت ضغط الرأي العام، سيبقى التوجس والتخوف قائمًا من التوجهات العامة التي تحكم فلسفة التشريع، وما قد تحمله من تغييرات تمس البنية الشرعية والقيمية للأسرة المصرية.
ومن ثم، فإن جوهر التخوف لا يتعلق ببند بعينه، بقدر ما يرتبط بالتصور الكامن خلف القانون، وما قد يترتب عليه من آثار تمس الهوية والثوابت المستقرة في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية.
موقف الأزهر والحركات الإسلامية من القانون:
تاريخياً، تُعرض مشاريع قوانين الأسرة والأحوال الشخصية على الأزهر لمراجعتها شرعياً، وقد نص الدستور المصري على أن ” الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على شؤونه كافة، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية“.
هذا النص يجعل الأزهر المرجع الأساسي (وليس الوحيد المطلق) في الشؤون الإسلامية، مما يدعم العرف السائد بإحالة مشاريع قوانين الأسرة والأحوال الشخصية إليه لإبداء الرأي الشرعي قبل الإقرار، ومع ذلك يبقى رأيه استشاريًّا غير ملزم لمجلس النواب، الذي يحتفظ في الواقع بالسلطة التشريعية الحصرية.
لكن المفاجأة أن الأزهر أعلن رسميًّا أنه لم يشارك في صياغة هذا المشروع، ولم يُعرض عليه حتى الآن، وهذا الغياب يثير شكوكاً عميقة: كيف يُصاغ قانون يمس جوهر الأسرة المسلمة دون الرجوع إلى هيئة كبار العلماء؟ مما يفتح الباب لتشريعات تتجاوز الشريعة تحت ستار التحديث بعيدًا عن ضوابط الشريعة الإسلامية.
من جانبها أعربت جماعة الإخوان المسلمين عن رفضها الشديد لمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، معتبرة إياه تجاوزاً خطيراً للثوابت الشرعية ومحاولة لتفتيت الأسرة المصرية، وقال د. محمود حسين القائم بأعمال المرشد العام:
“إن التعديلات الجديدة على قانون الأسرة والتي لم تمر على مؤسسات شرعية متخصصة أو تخضع حتى لنقاش اجتماعي صحيح من العلماء والاختصاصيين، تسعى بشكل واضح لصناعة الاختلافات داخل الأسرة بدلًا من تجفيف منابع الشقاق والخلاف فيها ورأب الصدع داخلها، فيتحول الزواج من ميثاق غليظ تحكمه الرحمة والمحبة، إلى ساحة من الصـراع بين الزوجين”.
بدوره أعرب د. محمد يسري إبراهيم أحد كبار رموز التيار السلفي، ورئيس مجلس شورى الدعوة السلفية السابق، وعضو مجلس شورى العلماء، وأمين عام الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، أعرب عن رفضه الشديد لمشروع قانون الأسرة الجديد، معتبراً إياه جزءاً من مخطط أجنبي يستهدف تفكيك المجتمعات الإسلامية.
وأكد أن هذا المشروع يثبت أن الجهات الاستعمارية والصهيونية لا تتوقف عن محاولات إفساد الحياة بكل أشكالها في العالم العربي والإسلامي، مشيراً إلى تطابق مواد هذا القانون مع مواد قانون الأسرة الذي نُوقش مؤخراً في المغرب مما يدل على أن الجهة التي تقف خلف تلك التشريعات في مختلف البلدان الإسلامية هي جهة صهيونية وماسونية.
وشدد على أن الهدف الرئيس من ورائها هو اغتيال الفضيلة، وإشاعة الرذيلة، وتفكيك الأسرة، ومحاربة العفاف، ودفن الطهر في المجتمعات المسلمة، ويعكس هذا الموقف الرؤية السلفية الرافضة جذرياً لأي تعديلات تمثل تدخلًا خارجيًا في منظومة قوانين وتشريعات الأسرة الإسلامية.
وبذلك يتضح أن موقف التيار الإسلامي، والمؤسسة الأزهرية، كان رافضًا أو متحفظًا على مشروع قانون الأسرة الأخير، مع التركيز على أن المشروع لم يُعرض على الأزهر بصيغته النهائية ولم يُشركوا في صياغته كما ينبغي، كما شدد الأزهر على أن المسار التشريعي يجب أن يمر عبر التشاور مع الجهات الدينية المختصة قبل الإقرار.
من يقف خلف مشروع قانون الأسرة في البرلمان؟!
يرى بعض المراقبين أن مشروع قانون الأسرة 2026 المطروح داخل مجلس النواب المصري يعكس وجود تيار نسوي نشط داخل المؤسسة التشريعية، تقوده عدد من النائبات اللاتي يسعين لتمرير تعديلات خطيرة في قانون الأسرة الجديد، تدفع باتجاه تحويل القانون إلى قانون مدني لا ديني، وتُوسع حالات الطلاق والفسخ وتُغير قواعد الحضانة تحت شعار “تمكين المرأة”.
وتبرز ضمن هذا التيار أسماء برلمانية معروفة، من بينها النائبة عبلة الهواري، التي شغلت سابقاً منصباً في المجلس القومي للمرأة بمحافظة سوهاج، وتُعد من الداعمين البارزين للقانون، إلى جانب نائبات أخريات ممن يعملن كذراع برلماني للمجلس القومي للمرأة صاحب التوجه النسوي، الذي يدفع باتجاه تغريبي للأحوال الشخصية بما يتوافق مع الأجندات الدولية، أكثر مما يتوافق مع الشريعة أو الواقع المجتمعي المصري.
وفي السياق ذاته، يُشار إلى أن النقاش حول قانون الأحوال الشخصية لا ينفصل عن إطار أوسع من الضغوط الدولية، التي تطالب مصر برفع تحفظاتها على مواد تتعارض مع الشريعة الإسلامية، خاصة في مسائل الزواج والطلاق والحضانة والميراث، مع ربط بعض برامج الدعم والتمويل الاقتصادي بقضايا ما يُعرف بالتمكين النسوي وتطوير التشريعات ذات الصلة.
الذاكرة التاريخية للتدخلات بقوانين الأسرة المصرية:
يُذكر هذا المشروع بتاريخ طويل من التدخلات في شؤون الأسرة المصرية، ففي عام 1994، استضافت القاهرة مؤتمر الأمم المتحدة للسكان والتنمية، الذي روج لأجندات غربية حول “قضايا المرأة”، الإنجاب، والعلاقات الأسرية، متجاوزاً الشريعة في مسائل مثل الحرية الجنسية خارج الزواج والمساواة الجندرية المطلقة، التي تشمل التساوي المطلق بين الرجل والمرأة كما تشمل حقوق الشواذ جنسيًّا.
ثم جاءت “قوانين سوزان” في عصر مبارك، خاصة تعديلات الأحوال الشخصية في 2000 و2004 وما بعدها، التي سُميت نسبة إلى سوزان مبارك، فركزت على تسهيل الطلاق للمرأة (الخلع)، حضانة الأم، والنفقة، تحت تأثير ضغوط نسوية ودولية، وقد اعتبرها كثير من المراقبين امتداداً لأجندة غربية تهدف إلى إضعاف الكيان الأسري الطبيعي.
كما برز ما عُرف إعلاميًا بـ “قانون سندس” عام 2000، وهو قانون الخلع الذي ارتبط باسم سندس، المرأة التي قيل إنها كانت على صلة بــ فتحي سرور.
وتداولت روايات آنذاك تفيد بأن القانون جاء لتسهيل حصولها على الطلاق من زوجها الضابط بعد رفضه تطليقها، حيث ذُكر أنها كانت من أوائل الحالات التي استفادت من التعديلات الجديدة. وقد أثار القانون جدلًا واسعًا باعتباره منح الزوجة حق طلب الخلع دون اشتراط الحصول على موافقة الزوج.
وهكذا تبقى الذاكرة التاريخية شاهدة على تحولات عميقة في بنية الأسرة المصرية وتداخل العوامل الداخلية والخارجية في صياغة قوانينها، مما يزيد المخاوف من أن يكون مشروع قانون الأسرة الجديد امتداداً للمسار نفسه، أو حلقة جديدة في سلسلة تغييرات تشريعية لا تنسجم مع المرجعية الإسلامية.
خاتمة:
يُعد مشروع قانون الأسرة الجديد المطروح على البرلمان المصري من أبرز القضايا المثارة في الساحة المجتمعية، لما يمثله من محاولة لإعادة صياغة عدد من الأحكام المرتبطة بالأحوال الشخصية والأسرة المسلمة خاصة وأن بعض مواده تسربت عبر الإعلام المقرب من النظام، وأثارت الجدل وقد يكون تسريبها مجرد اختبار لنبض الشارع، وليست هي أسوء ما يتصور النص عليه في القانون، لأنه حتى لو أُسقطت تلك المواد تحت الضغط الشعبي، سيبقى التوجس قائماً من الفلسفة العامة للتشريع التي تهدد الأسس الشرعية والقيمية للأسرة المصرية.
وفي هذا السياق، يلاحظ كثير من المتابعين أن المشروع يحمل ملامح توجه تشريعي تغريبي في معالجة قضايا الأسرة، في مقابل تراجع واضح لدور الأزهر الشريف بوصفه المرجعية الدينية والعلمية الأبرز في مصر.
ومما يزيد الريبة ترأس عضو مجلس القضاء الأعلى السابق المستشار عبد الرحمن محمد لجنة صياغة مشروع قانون الأسرة، والذي اختير لهذا المنصب بتوجيه رئاسي مباشر، وقد عُرف عنه في الأوساط القضائية والإعلامية أنه قاضٍ موالٍ لتوجهات النظام الحالي، وقد برز كمدافع شرس عن المشروع في العديد من البرامج التليفزيونية المقربة من السلطة.
في ضوء هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى موقف واعٍ وحازم يرفض أي نص أو توجه يتعارض مع ثوابت الشريعة ومقاصدها، مع توجيه الجهود نحو تعزيز الاستقرار الأسري عبر التوعية الرشيدة، والتربية القائمة على القيم الدينية الأصيلة، وترسيخ الالتزام بأحكام الفقه الإسلامي، بما يحفظ تماسك الأسرة، ويصون النسيج المجتمعي، ويحمي هوية الأمة من تأثير النماذج الوافدة والأفكار الدخيلة.
في الختام، يجب القول بأن أي تعديل لقانون الأسرة ينبغي أن يخضع خضوعًا كاملًا لأحكام الشريعة الإسلامية، باعتبار أن قضايا الأسرة من صميم أبواب الدين وأحكامه الأساسية المنظمة لحياة المجتمع المسلم، وإن تجاوز المرجعية الشرعية أو التعامل معها بصورة انتقائية قد يفتح الباب أمام مسار تدريجي من العلمنة الناعمة التي تنزع عن التشريعات الأسرية هويتها الإسلامية.
ومن الأهمية بمكان التأكيد على ضرورة احترام مرجعية الأزهر، وهيئة كبار العلماء، في مثل هذه القضايا وغيرها من القوانين التي لا يجوز أن تصادم الشريعة الإسلامية، وهي المرجعية التي ينص عليها صراحة الدستور المصري.






