تقدير موقفحدث ورؤيا

أبعاد العملية العسكرية السورية ضد “قسد”…

الأسباب والتداعيات والمواقف الدولية

شهدت الساحة السورية منذ السادس من يناير الجاري تطورًا نوعيًّا في مسار الأوضاع الداخلية، مع إطلاق وزارة الدفاع السورية عملية عسكرية مركَّزة في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، استهدفت إخراج المسلحين التابعين لقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

ولم تلبث هذه العملية أن تجاوزت إطارها، لتتحول إلى مسار عسكري–سياسي واسع شمل مناطق غرب نهر الفرات، قبل أن يمتد إلى شرقه، مستهدفًا مراكز الثقل الجغرافي والاقتصادي لقسد في دير الزور والرقة، وصولًا إلى محيط الحسكة والقامشلي حيث تدور اليوم معركة الحسم.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بوصفها مجرد تحرك عسكري محدود، بل هي تعبير عن تحوّل إستراتيجي في مقاربة الدولة السورية لملف السيادة ووحدة الأراضي، له دلالته على تغيرات أعمق في البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بالملف السوري.

وهذه وقفات مع خلفيات إطلاق العملية العسكرية، وأسباب الانهيارات المتتالية في صفوف قسد، وطبيعة الاتفاقية السياسية التي نتجت عن العملية، إضافة إلى قراءة الموقفين الأمريكي والفرنسي، وانعكاسات هذه التطورات على مستقبل الدولة السورية.

تعود الجذور التنظيمية لقسد إلى حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي تأسس عام 2003 بوصفه امتدادًا سوريًّا لحزب العمال الكردستاني.

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، استفاد هذا التيار من انسحاب قوات النظام السابق من مناطق واسعة في الشمال، ليؤسس جناحين عسكريين هما وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة.

في عام 2015، ومع صعود تنظيم الدولة ودخول التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على خط الصراع، أعيد تشكيل هذه الوحدات ضمن إطار أوسع حمل اسم “قوات سوريا الديمقراطية“، مع ضم فصائل عربية وسريانية.

هذا التشكيل أتاح لقسد أن تتحول إلى الذراع البرية الأساسية للتحالف في محاربة تنظيم الدولة، مستفيدة من دعمه العسكري والمالي والاستخباراتي الواسع.

خلال سنوات قليلة، تمددت قسد لتسيطر على ما يقارب ثلث مساحة سوريا، بما في ذلك دير الزور والرقة، وهي مناطق ذات غالبية عربية وتشكِّل القلب الاقتصادي للبلاد، غير أن هذا التمدد ترافق مع انتقال قسد من دور أمني وظيفي إلى مشروع سياسي يسعى لفرض نموذج حكم ذاتي، ما خلق تناقضات داخلية حادة في هذه المنطقة، وأدى إلى تآكل شرعيتها الاجتماعية مع الوقت، خاصة في الأوساط العشائرية العربية.

جاءت العملية العسكرية بعد عام تقريبًا من سقوط نظام بشار الأسد وتشكُّل قيادة سورية جديدة في دمشق وخلال هذه الفترة، برز ملف قسد بوصفه التحدي الأكبر أمام مشروع إعادة بناء الدولة المركزية، نظرًا لما تمثله من كيان عسكري–سياسي يسيطر على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية الغنية بالموارد.

في العاشر من مارس من العام الماضي، أُعلن عن اتفاق نص على دمج مكونات قسد ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، على أن يُستكمل هذا الدمج قبل نهاية عام 2025.
غير أن هذا الاتفاق بقي دون تنفيذ فعلي، مع انتهاء العام ودون اتخاذ أي خطوات عملية على الأرض.

وبدا واضحًا أن قسد تعاملت مع الاتفاق بوصفه أداة لكسب الوقت، بانتظار تغيُّر الظروف السياسية أو الحصول دعم دولي يمكنها من فرض شروط تفاوضية أعلى.

في المقابل، رأت القيادة السورية أن استمرار هذا الوضع يشكل تهديدًا مباشرًا، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الانفصالي داخل أوساط قسد، ومحاولاتها تثبيت أمر واقع سياسي وإداري في شمال وشرق سوريا.

ومع تكرار الاشتباكات في حلب، واستمرار عمليات القنص والاستهداف من قبل قوات قسد، توفرت الذريعة السياسية والأمنية لإطلاق عملية عسكرية والتي تحولت سريعًا إلى إستراتيجية شاملة.

يمكن تفسير الانهيار السريع لقسد أمام تقدم القوات السورية من خلال أربعة مستويات مترابطة:
1. رفع الغطاء الدولي:

بخلاف محطات سابقة، لم تبادر الولايات المتحدة أو حلفاؤها إلى التدخل لوقف التقدم العسكري، هذا الصمت مثَّل رسالة واضحة بأن قسد لم تعد أولوية إستراتيجية، وأن وظيفتها السابقة في الحرب على تنظيم الدولة قد استُنفدت.

ويبدو أن هناك تحولًا واضحًا في الموقف الأمريكي تجاه قسد، انعكس مباشرة في التطورات الميدانية الجارية في الرقة ودير الزور والحسكة.

وقد سبقت هذه التطورات عدة مؤشرات دالة على هذا التحول، من أبرزها أن التحالف الدولي أبلغ قسد رسميًّا، خلال عملية حلب، بعدم السماح باستخدام الأسلحة والمعدات الأمريكية في أي عمليات هجومية ضد الجيش السوري.

كما أن التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي توم براك عكست تأييدًا صريحًا لتصور الحكومة السورية بشأن دمج قسد، إذ استخدم صيغة الماضي عند حديثه عن الدعم الأمريكي لقسد في محاربة تنظيم الدولة، في إشارة سياسية محسوبة إلى انحسار هذا الدور أو اقترابه من نهايته.

2.تفكك الحاضنة الاجتماعية:

تزامن التقدم العسكري السريع للجيش السوري في شمال شرق البلاد مع انتفاضات عشائرية واسعة النطاق في محافظتي دير الزور والرقة، ما كشف عن عمق الاحتقان الشعبي المتراكم ضد سياسات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الأمنية القمعية والاقتصادية غير العادلة، التي شملت اعتقالات واسعة، وانتهاكات حقوقية، وسيطرة على الموارد النفطية والزراعية، دون توزيع عادل للإيرادات، أو تحسين الخدمات الأساسية في المناطق ذات الغالبية العربية الساحقة.

ومع انطلاق العملية سيطرت العشائر في دير الزور  خاصة قبائل الشعيطات، والبقارة، على مناطق واسعة شرق وغرب الفرات، بما في ذلك حقول نفط رئيسة مثل حقل العمر، مع انسحاب جماعي لقسد نحو الحسكة، وإعلان كثير من قادة العشائر عن رفض أي وجود مسلح خارج إطار الدولة السورية، ودعوة أبنائها في صفوف قسد للانشقاق.

أما في الرقة، فقد اندلعت اشتباكات داخل المدينة أدت إلى سيطرة العشائر على أحياء حيوية مثل المشلب، وسط تقدم الجيش من محاور متعددة، مع تعبير الأهالي عن معاناة متراكمة وترحيبهم بالحل الذي يعيد سيطرة الدولة الكاملة.

في المقابل، تبنت القيادة السورية برئاسة أحمد الشرع خطابًا تصالحيًّا تجاه المكون الكردي، تجسد في المرسوم الرئاسي الذي صدر في 16 يناير 2026، الذي يمثل اعترافًا رسميًّا بالمظالم التاريخية للأكراد، معتبرًا الكرد جزءًا أساسيًّا وأصيلًا من الشعب السوري، وهويتهم الثقافية واللغوية جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية المتعددة والموحدة، ويعتبر اللغة الكردية لغة وطنية مع السماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الكثافة الكردية.

جاء هذا المرسوم متزامنًا مع اتفاق وقف إطلاق النار وتسلم دير الزور والرقة إداريًّا وعسكريًّا للحكومة، واستلام حقول النفط والمعابر الحدودية.

ويعكس هذا التزامن إستراتيجية السلطة السورية في فصل الملف الكردي عن سيطرة قسد العسكرية، عبر تصدير خطاب عن معالجة المظالم التاريخية دون السماح بأي شكل من أشكال الانفصال أو التقسيم.

3. الانكشاف العسكري لقسد:

يمثل هذا العامل أحد العوامل الرئيسة في تسارع انهيار سيطرتها على مناطق واسعة في شمال شرق سوريا خلال العملية، حيث اعتمدت قسد بشكل شبه كامل على الإسناد الجوي الأمريكي لتوفير الغطاء الجوي، والدعم اللوجستي الخارجي للإمدادات والاستخبارات، مما جعلها غير مصممة أو مجهزة لخوض معارك تقليدية واسعة النطاق أو الدفاع عن جبهات مفتوحة لفترات طويلة أمام قوة نظامية منظمة.

ومع غياب سلاح جو مستقل، وضعف القدرات المدفعية الثقيلة_حيث اعتمدت بشكل أساسي على أسلحة خفيفة ومتوسطة، مع بعض المدفعية المحدودة في الرد الدفاعي_وجدت قسد نفسها مكشوفة عسكريًّا بشكل كبير عند مواجهة الجيش السوري الذي يتحرك وفق خطة عمليات متكاملة، مدعومة بمناورة سريعة، ضغط متواصل، وقدرات مدفعية وجوية.

أسهم هذا الخلل البنيوي في تسارع انهيار خطوطها الدفاعية، حيث أدى التقدم السريع للجيش السوري، مدعومًا بانتفاضات عشائرية عربية في المناطق ذات الغالبية العربية، إلى انسحابات جماعية من دير الزور والرقة خلال أيام قليلة، مع خسارة نحو 42% من أراضي سيطرتها (حوالي 21,500 كم)، بما في ذلك حقول نفط رئيسة مثل حقل العمر والحقول المحيطة به، وسد الفرات، والمدن الرئيسة كالطبقة والرقة.

كما أبرزت التقارير انشقاقات داخلية بين العناصر العربية في قسد، مما زاد من هشاشتها أمام الضغط المزدوج العسكري والشعبي، ودفع إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 18 يناير 2026، الذي قضى بانسحاب قسد من دير الزور والرقة، وتسليم المناطق إداريًّا وعسكريًّا للحكومة السورية، مع اندماج عناصرها بشكل فردي في مؤسسات الدولة بعد إخضاعهم لإجراءات تدقيق أمني.

ويعكس هذا الانكشاف البنيوي حدود نموذج “القوة الوكيلة” الذي اعتمدته قسد، والذي نجح في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية بفضل دعم خارجي مكثف، لكنه أثبت عدم قدرته على الصمود في مواجهة نظامية مباشرة دون غطاء عسكري مستمر أو دعم لوجستي خارجي

4. الدعم التركي للعملية:

شكَّل هذا الدعم أحد العناصر المؤثرة في تسارع انهيار قسد، وقد شمل هذا الدعم تقديم إسناد عسكري وتوجيهي للحكومة السورية، إلى جانب مساندة فصائل الجيش الوطني السوري في هجمات متزامنة ضد مواقع قسد.

 ولم يقتصر الدور التركي على الجوانب اللوجستية، بل امتد إلى تزويد القوات السورية بأنظمة تسليح ومعدات ميدانية متطورة، إضافة إلى دعم عمليات الاستطلاع والضربات الدقيقة عبر الطائرات المسيَّرة، وتقديم إسناد استخباراتي ومراقبة جوية شرق الفرات.

وقد أسهم هذا الدور في تسهيل تقدم القوات السورية في مناطق حساسة مثل حلب والرقة، بالتوازي مع مؤشرات على نقل أنقرة حصولها على ضوء أخضر أمريكي للعملية.

أُعلن في 18 يناير الجاري عن اتفاق جديد بين دمشق وممثلي قسد، إلا أن توقيعه من قبل قائدها إلكترونيًّا بسبب تعذُّر سفره إلى دمشق بسبب سوء الأحوال الجوية، جعل الاتفاق إطارًا أوليًّا ، وباتت دمشق عمليًّا تفاوض من موقع فرض الوقائع الميدانية، بينما تراجع سقف مطالب قسد من الفيدرالية إلى البحث عن ضمانات للاندماج وتسوية الأوضاع.

 وفي 19 يناير 2026، توجَّه مظلوم عبدي إلى دمشق لاستكمال التوقيع النهائي ومناقشة آليات التنفيذ، غير أن الاجتماع تعثَّر بعد محاولته إدخال تعديلات على بعض البنود، ما أدى إلى خلافات حادة وانسحاب الوفد الكردي.

 ورغم ما أفرزته العملية العسكرية من تحولات ميدانية وسياسية حاسمة، ما تزال تبرز مخاطر حقيقية من الانزلاق لاحقًا نحو منطق المحاصصة داخل بعض مفاصل الدولة، ولا سيما في المواقع العسكرية والأمنية والإدارية العليا.

ويزداد هذا القلق في ضوء أحد بنود اتفاق 18 يناير الذي نصَّ صراحة على تقديم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قائمة بأسماء قيادات مرشحة لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية عليا في الدولة، بما في ذلك اقتراح مرشح لمنصب نائب وزير الدفاع.

ورغم أن هذا البند قُدِّم في سياق تسهيل الاندماج وتخفيف الاحتقان، إلا أنه يحمل قابلية خطرة للتحول من مسار دمج، إلى مدخل لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والعسكري لقسد داخل بنية الدولة نفسها، ولكن بغطاء رسمي.

في ختام المسار السياسي، جرى التوافق على تمديد وقف إطلاق النار لمدة خمسة عشر يومًا إضافية بوساطة دولية، مع الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة بين الطرفين.
 وأوضحت وزارة الدفاع السورية أن هذا التمديد يأتي في إطار تسهيل نقل السجناء من المرافق التي كانت خاضعة لسيطرة قسد، فيما أعلنت الأخيرة دعمها للخطوة.

اتَّسم الموقف الأمريكي بثبات في السلوك العملي بعدم عرقلة التقدم العسكري للجيش السوري، أو تقديم دعم فعَّال لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أثناء انهيار خطوطها.

وفي هذا السياق أكد المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك في تصريحات متكررة أن “الغرض الأصلي لقسد كقوة رئيسة مضادة لداعش قد انتهى.

كما أعلن باراك أن الولايات المتحدة “تراقب بقلق شديد” التطورات، لكنها لم تتدخل عسكريًّا لمنع سقوط الرقة ودير الزور، مما أسهم بتسارع التقدم السوري وإبرام اتفاق وقف إطلاق النار في 18 يناير 2026 الذي يمهد لاندماج قسد في مؤسسات الدولة.

وهذا النهج يعكس إعادة ترتيب أولويات واشنطن نحو دعم حكومة الشرعكشريك في مكافحة الإرهاب، مع تجنُّب مواجهة مباشرة مع دمشق أو تعزيز انفصال كردي طويل الأمد.

أما فرنسا، فقد بدأت بمواقف متشددة لفظيًّا، حيث أعرب إيمانويل ماكرون في اتصال هاتفي مع الشرع عن “قلق عميق إزاء التصعيد والاستمرار في الهجوم الذي تقوم به السلطات السورية”، مطالبًا بـ”وقف إطلاق نار دائم” واندماج قوات قسد في الهيكل السوري وفق اتفاق مارس 2025.

لكن باريس سرعان ما تكيَّفت مع الواقع الجديد، إذ رحبت وزارة الخارجية الفرنسية باتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة “الولاء لمن قاتلوا إلى جانبنا ضد داعش” (أي الكرد)، مع التأكيد على دعم “وحدة وسيادة سوريا” و”الالتزام بالحلفاء”، دون أي إجراء عملي يعيق الاندماج أو يدعم استمرار السيطرة الكردية المستقلة.

وهذا التكيف يظهر انتقالًا من الخطاب الداعم لقسد إلى قبول حالي بالواقع الميداني الذي يعيد توحيد السيطرة تحت يد حكومة دمشق.

في المقابل، شكّل تراجع قسد وضياع سيطرتها على مناطق واسعة (بما فيها الرقة ودير الزور وحقول النفط الرئيسة) ضربة مباشرة للرؤية الإسرائيلية التي راهنت على إبقاء سوريا منشغلة ومفككة عبر بؤر انفصالية كردية، مما يحد من قدرتها على تهديد إسرائيل.

ورغم ذلك لم تصدر أية تصريحات رسمية إسرائيلية مباشرة حول هذا الانهيار، المؤثر على المقاربة الإسرائيلية في سوريا والتي دلت عليها اتصالات سابقة بين مسؤولين كرديين وإسرائيليين، ومن أبرزها إعلان مسؤولة كردية علنيًّا أن “هناك شخصيات من الجانب الإسرائيلي على تواصل معنا… ونحن منفتحون على الدعم من أي مصدر”.

عقب هذه العملية العسكرية ثم توقيع اتفاق 18 يناير، دخل المشهد السوري مرحلة دقيقة إذ يكمن التهديد الحقيقي لنجاح الاتفاق في سلوك بعض التشكيلات المرتبطة تنظيميًّا وعقائديًّا بحزب العمال الكردستاني خارج الإطار السوري، والتي أبدت نزعة واضحة لخرق التفاهمات القائمة وعرقلة مسارات الدمج.

ومع حرص الحكومة السورية على استثمار اللحظة السياسية والتحرك السريع، تبرز إشكالات عملية، أبرزها ملف السجون ومراكز الاحتجاز.

لكن إذا ما جرى تحييد هذه المجموعات ونزع قدرتها على التعطيل، فإن الاتفاق يعد ركيزة للتحول إلى استقرار طويل الأمد، أما في حال استمرار التمرد الفصائلي، فإن ذلك ينذر بإبقاء الاتفاق قابلًا للانهيار.

كما لا يمكن فصل ما جرى في شرق الفرات عن السياق الإقليمي الأوسع، الذي يشهد بدوره إعادة تشكيل عميقة في موازين القوى والتحالفات.

فنجاح العملية ضد قسد لا يمثل فقط استعادة لجزء حيوي من جغرافية وسيادة الدولة على مواردها الإستراتيجية، بل تعكس كذلك تحولًا إقليميًّا أوسع في موازين القوة واتجاهات الصراع به، إذ إن تفكيك الكيان المسلح شرق الفرات ينعكس مباشرة على معادلات الأمن القومي لكل من تركيا وإسرائيل.

إن انهيار مشروع “الإدارة الذاتية” يوجِّه ضربة لمشروع التفكيك الإقليمي الذي استند، خلال العقد الماضي، إلى خلق كيانات وظيفية على أسس إثنية أو طائفية.

وفي هذا السياق، تتقاطع نتائج ما يجري في شرق سوريا مع تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل، حيث ترى أنقرة في تفكيك قسد إنجازًا أمنيًّا إستراتيجيًّا يحدُّ من نفوذ حزب العمال الكردستاني، ويعيد ضبط الشمال السوري، بينما تنظر إسرائيل إلى هذا المسار باعتباره تهديدًا غير مباشر لإستراتيجيتها القائمة على إضعاف الدول المركزية المحيطة بها.

ويظهر هذا الواقع التباين بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج الدولة المركزية المتماسكة، ومشروع يؤسس لاستمرار التفكك والفوضى بها.

وفي هذا الإطار، فإن استعادة دمشق لشرق الفرات تُقلِّص وتُضعِف مشروع إسرائيل في الداخل السوري، وقد تدفعها إلى إعادة تركيز ضغوطها في الجنوب السوري الدرزي، في محاولة لتعويض خسارتها الإستراتيجية في الشرق.

وخلاصة القول، إن ما تشهده سوريا اليوم لا يعبِّر عن نهاية الصراع بقدر ما يشير إلى انتقاله إلى طور جديد، تتراجع فيه الكيانات الوظيفية.

ويبقى نجاح الدولة السورية في استثمار هذا التحول مرهونًا بقدرتها على تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع سياسي جامع، يمنع إعادة إنتاج أسباب الانقسام، ويؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا في قلب إقليم لا يزال مضطربًا.

زر الذهاب إلى الأعلى