إصداراتحدث ورؤيا

إلى أين تتجه إيران بعد مصرع خامنئي؟

الحرب الحالية التي اندلعت بشكل عنيف صباح 28 فبراير (10 رمضان) لم تكن حرب ضرورة لأمريكا وإسرائيل، بل حرب اختيار. لم يكن هناك تهديد وشيك بحصول إيران على أسلحة نووية أو شنِّها أي هجمات محتملة على الولايات المتحدة. لكن من الواضح أن كلًّا من الولايات المتحدة وإسرائيل رأت نافذة فرصة سانحة لاستغلال ضعف أحد ألدِّ خصومهما؛ فإيران لا تسيطر على مجالها الجوي نتيجة حرب يونيو الماضي، ووكلاؤها الإقليميون مُنهكون، وتشعر بقلق كبير نتيجة المظاهرات الشعبية المعارضة مؤخرًا.

أعلنت إيران رسميًّا مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في قصف جوي لمجمع إقامته في طهران في الساعة الأولى لبدء الحرب، وقتل معه عدد كبير من كبار القادة العسكريين بمن فيهم وزير الدفاع وقائد أركان الجيش وقائد الحرس الثوري. كانت تلك الساعة الأولى تكرارًا مطابقًا لما حدث في حرب يونيو 2025، لكن على نطاق أوسع وأكثر شراسة.

لا شك أننا أمام وضع استثنائي، لا انتقال عادي، لأن مقتل خامنئي كان نتيجة عمل عسكري وفي غمرة أحداث عسكرية متلاحقة. مقتل خامنئي يعني:

  • ضربة مباشرة لرأس النظام.
  • كسرًا لخط أحمر سيادي.
  • انتقالًا في الحرب من مستوى ردع متبادل إلى مستوى مختلف قابل للتدحرج.

وهذا يضع إيران أمام خيارين استراتيجيين لا ثالث لهما:

  • الردُّ لتثبيت الردع.
  • الامتصاص لمنع الانهيار.

ولا يمكن الجمع بينهما بسهولة.

  1. التاريخ يقول: إن الأنظمة ذات البنية الأيديولوجية الصلبة تميل إلى تأطير الحدث كاستشهاد مؤسس، بحيث يتم تحويل القائد إلى: رمز تعبئة، وعنصر توحيد، ولحظة إعادة شحن معنوي، وذلك بالأساس لمنع الانقسام الداخلي.
  2. يتم نقل السلطة بسرعة خاطفة، ليس عبر نقاش طويل، بل عبر قرار جاهز مُعدٌّ مسبقًا، خاصًّة بعد تهديدات ترامب المتكررة باستهداف خامنئي.

المؤكد حتى الساعة: مقتل خامنئي وشامخاني وعدد كبير من القادة العسكريين، وتسريبات عن وفاة أو اختفاء مجتبى خامنئي، مع الإعلان عن تشكيل مجلس قيادة مؤقت يضم الرئيس بزشكيان، ورئيس القضاء، وضُم إليه رجل الدين علي رضا أعرافي. هذا ربما يعني أن إيران دخلت مرحلة إعادة ضبط عميقة وليست انتقالًا روتينيًّا.

هو رجل مؤسسة دينية. له حضور في الحوزة وقم. مهتم بملف “القوة الناعمة” والتأثير الثقافي وأقل ارتباطًا بالتيار العسكري المباشر مقارنة بأسماء أخرى.

اختياره في مجلس قيادة مؤقت في ظرف حرب له دلالات مهمة جدًّا.

القيادة الإيرانية (أو ما بقي منها) قد تكون اختارت رسالة مزدوجة:

1. للداخل: النظام مستمر بغطاء ديني–دستوري، وليس انقلابًا عسكريًّا.

2. للخارج: إيران لا تنزلق فورًا إلى حكم عسكري متشدد.

وهذا يخفف احتمال انقسام داخلي.

ولكن ماذا يعني “التركيز على القوة الناعمة” في زمن حرب؟

هذا بدوره قد يُفهم بطريقتين:

قراءة “متفائلة”: أن القيادة الجديدة تريد خفض التصعيد، وإعادة بناء صورة إيران؛ استخدام الدبلوماسية الإقليمية بدل المواجهة المفتوحة.

قراءة استراتيجية أعمق: القوة الناعمة هنا لا تعني ليونة، بل: إعادة تنظيم المجال الإعلامي، تعبئة عقائدية، إدارة سردية “الاستشهاد” مع تحصين الداخل من التفكك.

وفي أوقات الصدمة، قد تكون السيطرة على السرد أهم من الردِّ العسكري. وقد يساعد وجود بزشكيان في المجلس على مثل هذا التوجه، فالرجل أقل صدامية، ولديه قابلية للتواصل مع تيارات مختلفة.

هل هذا مؤشر تهدئة أم إعادة ترتيب صفوف؟

التقدير الأكثر واقعية الآن أن إيران لن تندفع إلى مواجهة شاملة فورًا، لكنها لن تظهر ضعفًا أيضًا. أولويات النظام الطارئة هي:

1. تثبيت القيادة.

2. ضبط الشارع.

3. ردود غير مباشرة ومدروسة.

4. مراقبة رد الفعل الأمريكي والإسرائيلي.

سؤال آخر عالق: هل المجلس المؤقت مرحلة انتقال قصيرة قبل اختيار مرشد جديد؟ أم بداية تحوُّل تدريجي نحو نموذج أكثر مؤسسية؟

إذا طال أمد المجلس، فهذا يعني إعادة تعريف شكل القيادة العليا في إيران.

خلاصة التقدير في هذه اللحظة، أن اختيار أعرافي رسالة توازن لا رسالة تصعيد.

في كل الأحوال فإن المجلس المؤقت أمامه تحديات عاجلة، على رأسها مستوى ونوع الرد العسكري على قتل خامنئي. السقف الأعلى سيكون ضرب قواعد أمريكية بشكل واسع. المشكلة في هذا الخيار أن الرد الكبير قد يستدعي ردًّا أكبر، والقيادة الجديدة لا تريد أن تبدأ عهدها بحرب وجودية. الأكثر ترجيحًا هو ردٌّ متدرج، وقد يشمل:

  • ضربات مستمرة للداخل الإسرائيلي.
  • هجمات سيبرانية. استهداف مصالح بطريقة غير معلنة.
  • تحريك وكلاء (في العراق ولبنان وربما اليمن) بشكل محسوب.
  • خطوات نووية مدروسة (رفع التخصيب، طرد مراقبين).

هذا يحفظ ماء الوجه دون فتح حرب شاملة.

والأهم من ذلك كله قد يكون الخيار الإيراني تسريع “خيار الردع النهائي”، أي: الاقتراب جدًّا من عتبة السلاح النووي. في هذا السياق، قد يُعاد تعريف العقيدة: “الردع هو الضامن الوحيد لبقاء النظام.” وهنا تدخل المنطقة أخطر مرحلة منذ 2003.

من الصعب تصور مسار “النظام الجديد” بدقة بطبيعة الحال، لكن المتغيرات التي ستحدد المسار هي:

  • تأثير الخسائر الضخمة في صفوف القيادات العسكرية العليا في الجيش والحرس الثوري.
  • هل الشارع الإيراني صامت أم متحرك؟
  • هل روسيا والصين أعطتا إشارات دعم واضحة؟

بصراحة تحليلية باردة:

الأنظمة التي تُبنى على مؤسسة أمنية قوية، شبكة عقائدية، وطبقة حاكمة متماسكة، لا تنهار عادة بمقتل قائدها (أو حتى قادتها) أثناء حرب. بل قد تصبح أكثر تشددًا، وأكثر مركزية، وأقل قابلية للتفاوض.

أخطر احتمال الآن ليس الانهيار، بل أن تصبح القيادة الجديدة أقل حذرًا وأقل ارتباطًا بحسابات “الجيل القديم”. خامنئي كان رجل توازن بارد طويل النفس. خَلَفه — إن جاء من الجيل الأمني — قد يكون أقصر نفسًا وأكثر اندفاعًا. وهنا تصبح الحرب أكثر قابلية للانزلاق.

الخلاصة:

النظام لن يسقط فورًا، الانتقال سيكون سريعًا ومغلقًا. الرد سيكون متدرجًا وغير مندفع، لكن العتبة النووية سترتفع خطرًا. والمنطقة قد تدخل مرحلة ردع هشٍّ عالي التوتر.

تسريع ما بقي من البرنامج النووي:

في هذا السياق “الساخن” —اغتيال القيادة + حرب مفتوحة + ضربات على منشآت وبنية القيادة— يصبح احتمال تسريع المسار النووي مرتفعا جدًّا، لكن غالبًا ليس بالشكل الذي يتخيله الناس (قفزة فورية إلى قنبلة معلنة)، بل عبر قفزات عتبة محسوبة: تقليل القيود، زيادة الغموض، ورفع كلفة أي هجوم لاحق.

عندما تُستهدف القيادة العليا ويصبح بقاء النظام محل اختبار، تميل الأنظمة إلى اعتبار الردع النهائي (الاقتراب من العتبة النووية) هو “بوليصة التأمين” الأكثر إقناعًا للخصوم—خصوصًا إذا كانت الضربات المعلنة تستهدف أيضًا البنية النووية والعسكرية.

تقوية التماسك الداخلي عبر “رمزية السيادة”، وحتى لو كان التنفيذ التقني بطيئًا، فإن القرار السياسي بالتصعيد النووي (أو تخفيف التعاون مع الرقابة) يُستخدم كرسالة تعبئة: “لن نخضع، وسنستعيد الردع”.

منطق “النافذة” للطرفين:

إذا كانت واشنطن/تل أبيب تتحركان بمنطق نافذة فرصة لضرب القدرات، فطهران قد تتحرك بمنطق نافذة الفرصة المقابلة: تفريق الأصول، تعميق السرية، وإعادة بناء القدرة في مواقع أقل تعرضًا.

التقدير الأرجح: “تسريع عتبة” لا “إعلان سلاح” (في المدى القريب).

الاحتمال الأكبر في المستقبل القريب (أشهر قليلة) هو خطوات تُرفع فيها العتبة تدريجيًّا وتزيد الضبابية مع تضييق التعاون الرقابي/التفتيشي، أو وضعه تحت شروط سياسية مشددة.

وإذا استمرت الحرب/الضربات أو شعر النظام أن الردع التقليدي انهار، يرتفع احتمال خطوات أقسى (تقترب من “عتبة السلاح”)، لكن حتى هنا قد يظل الهدف هو القدرة لا الإعلان، لأن الإعلان يفتح باب ردٍّ عسكري أعنف وعزلة أوسع.

علامات يمكن ملاحظتها لنعرف أو نرجح عملية التسريع بقوة إن وجدت:

  • قرارات علنية تخص التعاون مع الوكالة الدولية/التفتيش.
  • تغيُّر خطاب القيادة المؤقتة من “الانتقام” إلى عبارات “الردع الوجودي/الخيارات كلها مفتوحة” بنبرة نووية واضحة.
  • توسيع الاستهداف المتبادل لمنشآت/بُنَى حساسة، بما يخلق دافع “لا خيار إلا ردع أعلى”.

إذا أخذت القيادة الجديدة خيار التسريع، فإن هذا سيعني للمنطقة:

  • خطر سوء الحسابات يرتفع: لأن كل طرف يقرأ خطوات الآخر كإشارة عتبة.
  • ضغط كبير على الخليج والممرات: أي تدهور إضافي ينعكس على الطاقة/الشحن، وقد رأينا بالفعل حساسية الأسواق ومخاوف اتساع الحرب.

قتل خامنئي ينبغي أن يُقرأ عربيًّا على أنه تصعيد كبير، وأن إيران ستجد الخليج هو المنطقة الرخوة لإظهار قوتها الجريحة والمُهانة. مع الأسف لا توجد أي “استراتيجية عربية” للتعامل مع هذه الأحداث المتسارعة، لكن بشكل عام فإن كسر إيران لا يصب في الصالح العربي، لأنه سيؤدي بالضرورة لتغول إسرائيلي في المنطقة وبلا خطوط حمراء.

أي خطوات عربية ينبغي أن تكون تحت مظلة الإبقاء على التوازن الإيراني الإسرائيلي قائمًا، والمسارعة في بناء القدرات الدفاعية الذاتية، لا الاكتفاء بالاعتماد على حماية خارجية. تحتاج الدول العربية إلى رؤى استراتيجية حقيقية لتعزيز أمنها في ظل تداعي (وانهيار) النظام العالمي الذي عرفه العالم منذ الحرب العالمية الثانية، ولعل أداء المقاومة الفلسطينية في أكثر من عامين من حرب غزة أن يعطيها ثقة في النفس وفي القدرات الذاتية الممكنة. وإنه لأمر لافت أن تكون إيران بقوتها الإقليمية بهذا القدر من الاختراق الاستخباراتي الذي أدى إلى مصرع عشرات من قادتها العسكريين في ساعة من نهار، بينما ظلت المقاومة الفلسطينية عصية على الاختراق لأكثر من عامين، لم تستطع خلالهما إسرائيل ولا حلفاؤها الوصول للأسرى ولا لقادة المقاومة.

د. محمد هشام راغب

زر الذهاب إلى الأعلى