إصداراتالولايات المتحدة إلى أينتقدير موقفملفات

هل نحن أمام نظام عالمي جديد؟

📖
ملخص المقال — اضغط للقراءة والاستماع
يشهد النظام العالمي القائم بعد الحرب العالمية الثانية تصدعًا وتراجعًا في الثقة، خاصة مع استعداد الولايات المتحدة للانسحاب من بعض مكوناته، مما…

يشهد النظام العالمي القائم بعد الحرب العالمية الثانية تصدعًا وتراجعًا في الثقة، خاصة مع استعداد الولايات المتحدة للانسحاب من بعض مكوناته، مما يثير تساؤلات حول البدائل الممكنة وملامح النظام الجديد. يرى البعض أن النظام الحالي وفر ثمانية عقود من الاستقرار والنمو الاقتصادي غير المسبوق، لكن تراجع القيادة الأمريكية يطرح تحديات أكبر. يتصاعد الجدل الأمريكي حول جدوى استمرار الولايات المتحدة في تحمل أعباء النظام الدولي، حيث يرى تيار يميني متنامٍ أن الحلفاء يستغلون المظلة الأمنية الأمريكية، وأن الاقتصاد الأمريكي تعرض للاستغلال التجاري، وأن دور "شرطي العالم" استنزف الموارد. في المقابل، يرى تيار آخر أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك الاقتصاد الأكبر عالميًا بفارق واسع، وتتفوق في الإنفاق العسكري والتكنولوجيا المتقدمة، بينما تواجه الصين وروسيا تحديات متزايدة.

يعكس هذا الانقسام العميق داخل الولايات المتحدة شكوكًا متنامية لدى الحلفاء والخصوم بشأن استدامة الالتزام الأمريكي، مما أدى إلى تآكل الثقة العالمية بالمؤسسات الدولية. لا يشير "الانسحاب الأمريكي التدريجي" بالضرورة إلى تراجع في القوة الأمريكية، بل إلى تراجع الثقة في الإرادة السياسية الأمريكية لقيادة النظام الدولي، وهو ما لن يكون من السهل إعادة بنائه. اتخذت إدارة ترامب في ولايتها الأولى قرارات مثيرة للجدل مثل نقل السفارة الأمريكية للقدس، والانسحاب من اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني، والتشكيك في حلف الناتو، وحجب التمويل عن منظمة الصحة العالمية. وفي ولايته الثانية، تبنى ترامب سياسة التعريفات الجمركية الشاملة وقدم "مجلس السلام العالمي" كبديل للأمم المتحدة، مما أظهر عجز هياكل الحوكمة العالمية عن تقديم استجابات فعالة.

في المقابل، تستفيد الصين من هذا التحول بتقديم نفسها كمدافع عن التعددية الدولية، وتطرح مبادرات اقتصادية وأمنية وتنموية مثل مبادرة الحزام والطريق. لا يهدف المشروع الصيني إلى استنساخ النموذج الأمريكي، بل إلى تقليص الاحتكار الغربي لمؤسسات صنع القرار الدولي وتوسيع نفوذ القوى الصاعدة. تستند بكين إلى خطاب يحظى بقبول في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، يقوم على احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. ومع ذلك، تواجه الصين تحديات في بناء نظام عالمي بديل، حيث تفتقر إلى شبكة التحالفات العسكرية والسياسية العالمية التي بنتها الولايات المتحدة، ولم يقترب اليوان من مكانة الدولار.

لا يكمن التحدي الأبرز للنظام الدولي في صعود الصين فحسب، بل في الانقسامات المتزايدة داخل المعسكر الغربي، خاصة حول مستقبل حلف الناتو، حيث ترى أوروبا أنه الضامن الأساسي لأمنها، بينما يراه اليمين الأمريكي عبئًا. كما يوجد انقسام حول الخطر الروسي، حيث تعتبره أوروبا تهديدًا وجوديًا، بينما تراه قطاعات أمريكية قوة إقليمية متراجعة. لم يعد الشرق الأوسط يحتل الأولوية نفسها في السياسة الأمريكية، بينما لا تزال تطوراته تؤثر مباشرة على الأمن الأوروبي. تنامت الشكوك الأوروبية بشأن استدامة الالتزام الأمريكي بأمن القارة، مما دفع أوروبا للبحث عن بدائل جزئية.

تفرض الحرب الإيرانية نفسها على جدول أعمال الإدارة الأمريكية، مما يجبرها على إعادة تخصيص جزء من اهتمامها بعيدًا عن الساحة الآسيوية، التي تعد التحدي الاستراتيجي الأهم. لا تغير الحروب الإقليمية النظام الدولي عادةً بسبب نتائجها العسكرية المباشرة، بل بسبب الطريقة التي تعيد بها توزيع انتباه وموارد القوى الكبرى. يدخل العالم العربي مرحلة التحول في النظام الدولي وهو يعاني من انقسامات عميقة وهشاشة في العلاقة بين النظم الحاكمة وشعوبها، وقد اعتمدت معظم دوله على المظلة الأمريكية.

تتيح التحولات الجارية فرصًا للعالم العربي، منها هامش أوسع للمناورة في عالم متعدد الأقطاب، مما يمنح الدول العربية مرونة أكبر لتنويع شراكاتها. كما يمكن للمنطقة أن تتحول من ساحات صراع إلى مراكز عبور وتأثير لوجستية واقتصادية، نظرًا لموقعها الجغرافي الحيوي. تتيح السيولة الدولية أيضًا فرصة أمام بعض الدول العربية لتعزيز أدوارها الإقليمية والمساهمة في إدارة الأزمات وصياغة الترتيبات الأمنية والاقتصادية. أظهرت الأزمات الأخيرة أهمية بناء قدرات دفاعية وأمنية وطنية وإقليمية أكثر استدامة واستقلالًا، مما يمنح الدول العربية هامشًا أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار. أخيرًا، يمكن للعالم العربي استثمار التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العميقة لتسريع جهود التنويع الاقتصادي والاستثمار في التعليم والتكنولوجيا، ليصبح شريكًا فاعلًا في صياغة ملامح النظام الدولي الجديد.

النظام العالمي القائم بعد الحرب العالمية الثانية يتصدع، وتتراجع الثقة به، وتهتز الحاجة إليه بعد تخلي الولايات المتحدة عن دورها القيادي فيه، واستعدادها المعلن للانسحاب من بعض أركانه ومكوناته وتحالفاته. ليس من الواضح البدائل الممكنة ولا حتى ملامح النظام البديل. ليس حتميًّا أن تمضي الولايات المتحدة قُدمًا في سياسات ترامب بهذا الشأن، بل من الوارد أن تسعى إدارة قادمة لإصلاح النظام القائم بما يزيل الشكوك العنيفة عند اليمين الأمريكي المنكفئ على الداخل.

يجادل البعض بأن النظام القائم – رغم اشتماله على حروب ومظالم واختلالات – قد وفَّر للبشرية ثمانية عقود من الاستقرار النسبي بلا حروب بين القوى الكبرى، ونموًّا اقتصاديًّا عالميًّا غير مسبوق، لكن أن يأتي التراجع من قيادة النظام العالمي نفسها، فإن هذا لا يترك مجالًا لعقد مثل هذه المقارنات أو المقاربات، بل يطرح السؤال الأصعب:

بدأت مظاهر التآكل تظهر في الثقة العالمية بالمؤسسات الدولية، وفي قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار بوصفها الضامن النهائي للنظام الدولي القائم.

ماذا بعد مأزق النظام العالمي القائم؟ وما موازين القوى الجديدة؟

ثم كيف يمكن للدول العربية التكيف والتموضع مع هذا الواقع الجديد الآخذ في التشكُّل؟

يشهد الجدل الأمريكي حول مستقبل الدور الدولي للولايات المتحدة تصاعدًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد الخلاف مقتصرًا على وسائل إدارة النفوذ الأمريكي، بل امتد إلى التساؤل أصلًا حول جدوى استمرار الولايات المتحدة في تحمُّل أعباء النظام الدولي الذي أسَّسته وقادته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويعبِّر تيارٌ متنامٍ داخل اليمين الأمريكي، برز بوضوح مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في أواخر عام 2024، عن قناعة مفادها أن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة يبتزونها، وأنهم استفادوا لعقود من المظلة الأمنية الأمريكية دون تحمل نصيب عادل من تكاليفها، وأن الاقتصاد الأمريكي تعرض لاستغلال تجاري من قبل شركاء ومنافسين على السواء، وأن دور “شرطي العالم” استنزف الموارد الأمريكية وأضعف قدرتها على التركيز على أولوياتها الداخلية، وتجديد بناها التحتية المنهكة.

في المقابل، يرى تيار آخر داخل النخبة السياسية والأكاديمية والاستراتيجية الأمريكية أن هذه القراءة تتجاهل حقائق القوة الأمريكية الفعلية. فمع نهاية عام 2024 كانت الولايات المتحدة لا تزال تمتلك الاقتصاد الأكبر عالميًّا بفارق واسع، إذ تجاوز حجم اقتصادها اقتصاد الاتحاد الأوروبي بنحو مرة ونصف تقريبًا، وبلغ سبعة أضعاف الاقتصاد الياباني، بينما كانت الصين تواجه تحديات متزايدة ناجمة عن تباطؤ النمو وضعف الاستهلاك الداخلي وأزمة القطاع العقاري، وفي حين كانت روسيا تتحمل أعباء حرب طويلة الأمد في أوكرانيا وما رافقها من ضغوط اقتصادية وعقوبات غربية. كما استمرت الولايات المتحدة في الإنفاق العسكري بمستويات تفوق بكثير منافسيها الرئيسين، مع احتفاظها بتفوق واضح في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والاقتصاد الرقمي، حيث تواصل الشركات الأمريكية تصدر المشهد العالمي بفارق ملحوظ.

غير أن أهمية هذا الجدل لا تكمن في ترجيح أحد الموقفين بقدر ما تكمن في كونه يعكس انقسامًا عميقًا داخل الدولة الأكثر تأثيرًا في النظام الدولي المعاصر. فقد أدى تزايد الأصوات الداعية إلى تقليص الالتزامات الخارجية وإعادة النظر في التحالفات والمؤسسات الدولية إلى إثارة شكوك متنامية لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء بشأن مدى استدامة الالتزام الأمريكي طويل الأمد بالقواعد والمؤسسات التي قامت عليها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

بداية، من المهم تجنب تصوير الصين باعتبارها وريثًا جاهزًا للولايات المتحدة، لأن الخطاب الصيني نفسه أكثر تعقيدًا من ذلك.

ونتيجة لذلك، بدأت مظاهر التآكل تظهر في الثقة العالمية بالمؤسسات الدولية، وفي قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار بوصفها الضامن النهائي للنظام الدولي القائم.

ومن ثَمَّ، فإن الحديث عن “الانسحاب الأمريكي التدريجي” لا يعني بالضرورة تراجعًا موضوعيًّا في عناصر القوة الأمريكية، بقدر ما يشير إلى تراجع الثقة الدولية في الإرادة السياسية الأمريكية اللازمة لتوظيف هذه القوة في قيادة النظام الدولي. ولعل هذه النقطة هي الأكثر تأثيرًا على مستقبل النظام العالمي؛ إذ إن إعادة بناء الثقة، حتى في حال عودة الإدارات الديمقراطية إلى الحكم مستقبلًا أو حتى لو أدت انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026 لتحولات داخلية، لن تكون عملية سهلة أو سريعة، لأن الحلفاء والخصوم باتوا يدركون أن التحولات الجارية لا ترتبط فقط بإدارة ترامب العابرة، بل تعكس اتجاهات فكرية وسياسية متجذرة داخل المجتمع الأمريكي نفسه، بما يجعل أي التزام أمريكي مستقبلي موضع اختبار دائم وحسابات أكثر حذرًا من السابق!

وفي الحقيقة، لم تنتبه كثير من دول العالم أثناء ولاية ترامب الأولى لما هو قادم، مع أن قرارات مثيرة كان ترامب قد أقدم عليها سريعًا بعد توليه، تشير بوضوح إلى عدم الاكتراث بالنظام العالمي، واعتباره عبئًا، وكانت من قراراته الأولى:

  • نقل السفارة الأمريكية للقدس.
  • الانسحاب من معاهدة باريس الدولية للمناخ.
  • تمزيق الاتفاق النووي مع إيران (الذي وقعته القوى الكبرى في العالم، وصدق عليه مجلس الأمن بالإجماع).
  • التشكيك في قيمة حلف الناتو، ووصفه بأنه منتهي الصلاحية.
  • حجب الحصة المالية للولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية (وفي ولايته الثانية قام بالانسحاب تمامًا من المنظمة، وقطع جميع التمويلات لها (حوالي 1.7 مليار دولار سنويًّا، ما يعادل 18% من ميزانية المنظمة).

وفي ولايته الثانية، شنَّ ترامب إجراءات عدوانية صريحة على النظام العالمي “القديم”، فتبنى سياسة التعريفات الجمركية الشاملة بنسب متفاوتة على كل دول العالم تقريبًا، وقدَّم ما سماه “مجلس السلام العالمي” وكأنه بديل عملي لبعض مهام الأمم المتحدة، وقد أظهرت الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، واغتيال أعداد من قيادته، عجز هياكل الحوكمة العالمية القديمة والراسخة عن تقديم استجابات فعَّالة تعكس رأيًا عالميًّا موحدًا. لقد أسهمت الإجراءات المتسارعة التي انتهجتها إدارة ترامب في تراجع النفوذ الأخلاقي والعملي الذي ميَّز مكانتها الرائدة في المؤسسات متعددة الأطراف منذ عام 1945.

الانطباع الذي يُخلفه كلُّ هذا هو: عجز هياكل الحوكمة العالمية القديمة والراسخة عن تقديم استجابات فعَّالة تعكس موقفًا دوليًّا أو رأيًا عالميًّا موحَّدًا.

بداية، من المهم تجنب تصوير الصين باعتبارها وريثًا جاهزًا للولايات المتحدة، لأن الخطاب الصيني نفسه أكثر تعقيدًا من ذلك.

في الوقت الذي تتزايد فيه مؤشرات التردد الأمريكي في تحمل أعباء القيادة العالمية، تبدو الصين الأكثر استعدادًا للاستفادة من هذا التحول. فمنذ سنوات تُقدِّم بكين نفسها بوصفها المدافع عن التعددية الدولية، وتطرح مبادرات اقتصادية وأمنية وتنموية عابرة للحدود، مثل مبادرة الحزام والطريق ومبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي. وقد بلغ هذا التوجه درجة أوضح عندما أعلن الرئيس الصيني شي جين بينج بصراحة، خلال اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون في أغسطس 2025، أن بلاده “تسعى إلى بناء نظام حوكمة عالمي أكثر عدلًا وإنصافًا“، في إشارة إلى رغبة صينية متزايدة في إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي بما يعكس التحولات التي شهدها ميزان القوى العالمي خلال العقود الأخيرة.

جوهر المرحلة الراهنة يتمثل في إدارة عملية انتقال القوة بين النظام الذي تشكل بعد الحرب الباردة ونظام دولي جديد لم تتضح ملامحه النهائية بعد.

لقد تجلت رؤى متباينة بشكل صارخ للنظام العالمي والحوكمة العالمية بوضوح في اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون بلس الذي حضره عشرون زعيمًا عالميًّا (من غير العالم الغربي).

غير أن المشروع الصيني لا يستهدف – على الأقل في المدى المنظور – استنساخ النموذج الأمريكي أو الحلول محل الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة الوحيدة، بل يركز على تقليص الاحتكار الغربي لمؤسسات صنع القرار الدولي، وتوسيع نفوذ القوى الصاعدة تدريجيًّا داخل المنظمات الاقتصادية والسياسية العالمية.

إن مستقبل النظام العالمي لن يتحدَّد فقط بميزان القوى بين واشنطن وبكين، بل كذلك بقدرة المعسكر الغربي على الحفاظ على تماسكه الداخلي في مواجهة التحولات الجارية، وهو التماسك الذي تتزايد الشكوك الأوروبية في استدامته.

وتستند بكين في ذلك إلى خطاب يحظى بقبول وجاذبية متزايدة في أجزاء من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، يقوم على احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض ما تصفه بالمعايير المزدوجة التي حكمت النظام الدولي خلال العقود الماضية. ومع ذلك، فإن قدرة الصين على بناء نظام عالمي بديل ما تزال تواجه تحديات كبيرة. فالصين تمتلك ثقلًا اقتصاديًّا هائلًا، لكنها لا تزال تفتقر إلى شبكة التحالفات العسكرية والسياسية العالمية التي بنتها الولايات المتحدة على مدى ثمانية عقود، كما أن اليوان لم يقترب بعد من المكانة التي يحتلها الدولار في النظام المالي الدولي، فضلًا عن استمرار الشكوك لدى عدد من الدول تجاه النوايا الاستراتيجية الصينية، والمعاملة الصينية الشرسة لأقليات إثنية ودينية صينية. لذلك يبدو أن الهدف الصيني الأكثر واقعية خلال العقد القادم ليس استبدال النظام الدولي القائم بالكامل، وإنما تحويله تدريجيًّا من نظام تهيمن عليه قوة واحدة إلى نظام أكثر تعددية تتوزع فيه مراكز النفوذ بين عدة قوى كبرى، بما يمنح بكين دورًا أكبر في صياغة قواعده ومؤسساته.

المسألة ليست أن الصين أصبحت أقوى من الولايات المتحدة، بل أن الشكوك المتزايدة حول استمرارية القيادة الأمريكية تدفع كثيرًا من الدول إلى البحث عن بدائل وشراكات موازية، وهو ما يمنح الصين فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها حتى قبل أن تمتلك مقومات الهيمنة الشاملة.

إن الفراغات الجيوسياسية تُملأ عادةً بتراجع الإرادة السياسية للقوة المهيمنة أكثر مما تُملأ بتفوق القوة الصاعدة.

ففي الوقت الذي تتزايد فيه مؤشرات الانكفاء الأمريكي النسبي عن بعض التزاماتها الدولية، لا تبدو الصين مكتفية بالاستفادة السياسية والاقتصادية من هذا التحول فحسب، بل تسعى أيضًا إلى ترسيخ مكانتها بوصفها القوة الرئيسة المرشحة لقيادة مرحلة جديدة من التنافس الدولي.

وقد عكس العرض العسكري الضخم الذي نظمته بكين عقب اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون، بمشاركة الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو والكوري الشمالي كيم كونج إيل، رسالة تتجاوز مجرد إحياء الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، لتؤكد تنامي الثقة الصينية بقدراتها العسكرية ورغبتها في إظهار استعدادها لحماية مصالحها الاستراتيجية في بيئة دولية آخذة في التحول. الغرب أصبح على قناعة أكبر بأن الصين ليست الاتحاد السوفيتي الذي تغلب عليه الغرب في الحرب الباردة.

وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة إعادة توجيه جزء متزايد من اهتمامها الاستراتيجي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، باعتبارها الساحة الرئيسة للتنافس مع الصين خلال العقود المقبلة. ويظهر ذلك في محاولات تخفيف بعض الأعباء الأمنية في مناطق أخرى، بما في ذلك تشجيع الحلفاء الأوروبيين على تحمل مسؤوليات أكبر في مواجهة روسيا، بما يسمح لواشنطن بتركيز مواردها العسكرية والسياسية على التحدي الصيني المتصاعد.

تشير كل هذه التطورات إلى أن العالم لا يتجه نحو فراغ استراتيجي كامل بقدر ما يتجه نحو مرحلة انتقالية تتراجع فيها الهيمنة الأمريكية المنفردة دون أن تظهر قوة قادرة على وراثتها بصورة كاملة. ومن ثم فإن جوهر المرحلة الراهنة يتمثل في إدارة عملية انتقال القوة بين النظام الذي تشكل بعد الحرب الباردة ونظام دولي جديد لم تتضح ملامحه النهائية بعد.

إذا كان صعود الصين يمثل التحدي الخارجي الأبرز للنظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإن الانقسامات المتزايدة داخل المعسكر الغربي تمثل التحدي الداخلي الأكثر خطورة على تماسك هذا النظام القديم واستمراريته.

أولاً: مستقبل حلف الناتو بين الضرورة والعبء:

أوروبا ترى الناتو الضامن الأساسي لأمن القارة العجوز، بينما قطاعات واسعة داخل اليمين الأمريكي باتت تنظر إليه باعتباره استغلالًا وترتيبًا غير متوازن تتحمل واشنطن الجزء الأكبر من تكاليفه. أدى هذا إلى عودة الجدل حول المادة الخامسة لنظام الحلف (الدفاع الجماعي)، وازدياد الحديث الأوروبي عن “الاستقلالية الاستراتيجية” والقدرات الدفاعية الأوروبية الذاتية.

عمومًا، الحروب الإقليمية لا تغير النظام الدولي عادةً بسبب نتائجها العسكرية المباشرة، وإنما بسبب الطريقة التي تعيد بها توزيع انتباه وموارد القوى الكبرى.

لم يعد السؤال داخل الغرب يدور حول أهمية حلف الناتو، وإنما حول من يتحمل أعباء استمراره ومن يقود أولوياته الاستراتيجية في العقود المقبلة.

ثانيًا: الخطر الروسي بين التهوين والتهويل:

وهنا يوجد انقسام حقيقي بين ضفتي الأطلسي، فالرؤية الأوروبية ترى أن روسيا تمثل تهديدًا وجوديًّا، وأن حرب أوكرانيا أثبتت استعداد موسكو لاستخدام القوة العسكرية، وبالتالي فإن الردع الأوروبي يجب أن يستمر لعقود.

على الجهة الأخرى، فإن الرؤية المنتشرة داخل قطاعات أمريكية متزايدة ترى روسيا قوة إقليمية متراجعة، وأن اقتصادها محدود مقارنة بالغرب والصين، وأن تضخيم الخطر الروسي يصرف الانتباه عن التحدي الصيني الأهم والأكبر.

ثالثًا: الشرق الأوسط واختلاف الأولويات:

لم يعد الشرق الأوسط يحتل الموقع نفسه في سُلَّم الأولويات الأمريكية الذي احتله خلال العقود السابقة، في حين لا تزال التطورات الإقليمية تنعكس بصورة مباشرة على الأمن الأوروبي من خلال الطاقة والهجرة والاستقرار السياسي، والموقف من إسرائيل.

رابعًا: أزمة الثقة الأوروبية في الحليف الأمريكي:

ربما يكون التطور الأكثر أهمية داخل المعسكر الغربي هو تنامي الشكوك الأوروبية بشأن استدامة الالتزام الأمريكي بأمن القارة على المدى الطويل. فالتغيرات السياسية المتكررة في واشنطن، وتزايد الخطاب الداعي إلى تقليص الالتزامات الخارجية، دفعت العديد من العواصم الأوروبية إلى التساؤل عما إذا كانت الضمانات الأمنية الأمريكية ستظل ثابتة خلال العقود المقبلة.

ولا يتعلق الأمر هنا بإدارة أمريكية بعينها، بل بإدراك متزايد بأن جزءًا معتبرًا من الرأي العام والنخبة السياسية الأمريكية بات أقل اقتناعًا بالدور التقليدي للولايات المتحدة بوصفها الضامن النهائي للأمن الأوروبي.

ونتيجة لذلك، بدأت أوروبا في البحث عن بدائل جزئية، سواء عبر زيادة الإنفاق الدفاعي، أو تطوير صناعاتها العسكرية، أو طرح أفكار تتعلق بالاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية.

إن الفترات التي تشهد إعادة توزيع للقوة على المستوى الدولي تفتح في الوقت نفسه فرصًا غير مسبوقة أمام الدول القادرة على التكيف السريع وإعادة التموضع الذكي.

إذن، لا يواجه التحالف الغربي الراهن تحديًا خارجيًّا يتمثل فقط في صعود الصين والقوى المنافسة، بل يواجه أيضًا تحديًا داخليًّا يتمثل في تراجع التوافق الاستراتيجي داخل التحالف الغربي نفسه. فكلما اتسعت الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن طبيعة التهديدات وأولويات المواجهة وتقاسم الأعباء، ازدادت صعوبة الحفاظ على البنية السياسية والأمنية التي شكَّلت العمود الفقري للنظام الدولي طوال العقود الثمانية الماضية. ومِن ثَمَّ فإن مستقبل النظام العالمي لن يتحدَّد فقط بميزان القوى بين واشنطن وبكين، بل كذلك بقدرة المعسكر الغربي على الحفاظ على تماسكه الداخلي في مواجهة التحولات الجارية، وهو التماسك الذي تتزايد الشكوك الأوروبية في استدامته.

في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تسعى إلى تركيز مواردها السياسية والعسكرية على التنافس طويل الأمد مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، جاءت الحرب الإيرانية وما تبعها من تداعيات إقليمية وأمنية لتفرض نفسها على جدول أعمال الإدارة الأمريكية. فالأزمات في الشرق الأوسط، مهما بدا وزنها الاستراتيجي أقل من التحدي الصيني، تظل قادرة على استنزاف قدر معتبر من اهتمام صناع القرار الأمريكيين ومواردهم الدبلوماسية والعسكرية. ومِن ثَمَّ فإن الحرب الإيرانية لا يمكن النظر إليها بوصفها أزمة إقليمية معزولة، بل باعتبارها عاملًا مؤثرًا في إيقاع عملية الانتقال الجارية داخل النظام الدولي؛ إذ أجبرت واشنطن على إعادة تخصيص جزء من اهتمامها بعيدًا عن الساحة الآسيوية التي تعدها التحدي الاستراتيجي الأهم خلال العقود المقبلة.

ومع ذلك، فإن التأثير النهائي للحرب لا يزال رهينًا بمسار تطوراتها ومدة استمرارها. لقد ساعد الإعلان عن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في إشاعة أجواء من الارتياح وتخفيض التوتر، ولكن من غير الواضح كيف ستسير المفاوضات المزمع عقدها خلال الستين يوما الأولى من الاتفاق الحالي. فإذا ساد السلام، أو حتى ظلت المواجهة محدودة النطاق، فمن المرجح أن تبقى الحرب الإيرانية مجرد عامل تشتيت مؤقت للأولويات الأمريكية، أما إذا تطورت إلى صراع أوسع يهدد أمن الطاقة العالمي أو يفرض انخراطًا عسكريًّا أمريكيًّا مباشرًا مرة ثانية لفترة طويلة، فقد تؤدي إلى إبطاء عملية التحول الاستراتيجي الأمريكي نحو آسيا، بما يمنح الصين وقتًا وهامشًا إضافيًّا لتعزيز نفوذها الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي خلال مرحلة انتقالية شديدة الحساسية من تاريخ النظام الدولي.

عمومًا، الحروب الإقليمية لا تغير النظام الدولي عادةً بسبب نتائجها العسكرية المباشرة، وإنما بسبب الطريقة التي تعيد بها توزيع انتباه وموارد القوى الكبرى، ولعل ما يتم تداوله عن تناقص المخزون من الموارد العسكرية الأمريكية، واضطرارها لسحب بعض مواردها من كوريا واليابان وبولنده لسد العجز الذي تسببت فيه الحرب الإيرانية، دليل واضح على هذه التأثيرات المباشرة.

نأتي للعالم العربي الممزق أصلًا، وتداعيات هذه السيولة في النظام العالمي عليه، وكيف يمكن لبلدانه التكيُّف وإعادة التموضع خاصة مع اعتماد أكثرها بشكل أو بآخر على مظلة الحماية الأمريكية، والتي اهتزت الثقة فيها لحدٍّ بعيد أثناء الحرب الإيرانية، وقبلها حرب غزة، وما إذا كانت هناك “فرص” وسط هذا “الظلام الاستراتيجي“؟

برغم أن البعض يرى في المسألة العربية صورة تشاؤمية خالصة، فالتاريخ يُظهر أن فترات التحول الكبرى في النظام الدولي كانت دائمًا مزيجًا من المخاطر والفرص؛ وما قد يبدو “ظلامًا استراتيجيًّا” بالنسبة لبعض الدول قد يتحول إلى مساحة مناورة ومكاسب بالنسبة لدول أخرى أحسنت قراءة التحولات مبكرًا.

يدخل العالم العربي مرحلة التحول الجارية في النظام الدولي وهو يعاني أصلًا من انقسامات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة، ومن هشاشة العلاقة بين النظم الحاكمة وشعوبها، وكذلك من تفاوت كبير في القدرات والموارد والأولويات الاستراتيجية. كما أن معظم دوله، بدرجات متفاوتة، بنت سياساتها الأمنية خلال العقود الماضية على افتراض استمرار المظلة الأمريكية بوصفها الضامن النهائي للاستقرار الإقليمي. غير أن التطورات الأخيرة، من الانسحاب الأمريكي التدريجي من بعض أدواره التقليدية إلى المواقف المترددة خلال أزمات كبرى مثل حرب غزة والحرب الإيرانية، دفعت العديد من العواصم العربية إلى إعادة النظر في افتراضات استمرت لعقود، وأثارت تساؤلات متزايدة حول مستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية وحدود الاعتماد عليها.

إن فكرة الفرص المتاحة للعالم العربي وسط عواصف التحولات الدولية الكبيرة، يمكن تناولها من عدة زوايا:

أولاً: هامش أوسع للمناورة في عالم متعدد الأقطاب:

من أبرز الفرص التي تُتيحها التحولات الجارية في النظام الدولي للدول العربية اتساع هامش الحركة الاستراتيجية المتاح لها مقارنة بما كان عليه الحال خلال مرحلة الأحادية القطبية الأمريكية. فعلى مدى عقود طويلة كانت خيارات العديد من الدول العربية محكومة بدرجة كبيرة بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة ومواقفها من القضايا الإقليمية والدولية. أما اليوم، ومع صعود قوى دولية جديدة وتزايد التنافس بينها، باتت العواصم العربية تمتلك فرصًا أكبر لتنويع شراكاتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية دون الاضطرار إلى الارتهان الكامل لمحور دولي واحد.

ومن شأن هذه البيئة الجديدة أن تمنح الدول العربية مرونة أكبر على تحقيق مصالحها الوطنية والاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى بدل الاكتفاء بالتكيف مع نتائجه. وقد لاحظ كثيرون – باستغراب – جرأة بعض الدول العربية (مثل السعودية وقطر) أثناء الحرب الإيرانية على النأي بنفسها عن بعض السياسات الأمريكية.

ثانياً: التحول من ساحات صراع إلى مراكز عبور وتأثير:

ورغم أن العالم العربي كان خلال العقود الماضية مسرحًا لعدد من الصراعات الدولية والإقليمية، فإن موقعه الجغرافي يمنحه فرصة استثنائية في مرحلة إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية. فالمنطقة تقع عند نقطة التقاء حيوية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وتتحكم في عدد من أهم الممرات البحرية ومصادر الطاقة العالمية. ومع تزايد الاهتمام الدولي بأمن سلاسل التوريد والممرات التجارية والبنية التحتية الرقمية، يمكن للعديد من الدول العربية أن تتحول من مجرد ساحات تنافس بين القوى الكبرى إلى مراكز لوجستية واقتصادية مؤثرة في حركة التجارة والطاقة والاتصالات العالمية، بما يعزز من وزنها السياسي والاقتصادي في النظام الدولي القادم.

لقد كان بروز أهمية مضيق هرمز، واستغلال إيران لموقعها وقدرتها على التحكم فيه، تنبيهًا مباشرًا للدول العربية على فرصها المتاحة من جغرافيتها المؤثرة.

ثالثاً: صعود الدور الإقليمي للقوى العربية الفاعلة:

تتيح مرحلة السيولة الدولية الحالية أيضًا فرصة أمام بعض الدول العربية لتعزيز أدوارها الإقليمية بصورة لم تكن متاحة في ظل هيمنة قطب دولي واحد. فكلما اتجه النظام الدولي نحو مزيد من التعددية، ازدادت أهمية القوى الإقليمية القادرة على التأثير في محيطها الجغرافي وامتلاك أدوات اقتصادية وسياسية وأمنية مستقلة.

ومن هذا المنطلق، قد تجد دول عربية رئيسة نفسها أمام فرصة للإسهام بصورة أكبر في إدارة الأزمات الإقليمية وصياغة الترتيبات الأمنية والاقتصادية المحيطة بها، بدل الاكتفاء بدور المتلقي للسياسات التي تصنعها القوى الكبرى خارج المنطقة! هذه فرصة لا تكاد الدول العربية تلتفت إليها، مع أن ضغوط الحرب الإيرانية قد وفرتها لها.

رابعاً: نحو استقلالية أمنية أكثر توازنًا:

أظهرت الأزمات الأخيرة، سواء خلال حرب غزة أو أثناء الحرب الإيرانية، حدود الاعتماد المطلق على المظلات الأمنية الخارجية وفكرة “شراء الأمن”، حتى بالنسبة لأقرب الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة. وقد أدى ذلك إلى تنامي الإدراك بأهمية بناء قدرات دفاعية وأمنية وطنية وإقليمية أكثر استدامة واستقلالًا.

ولا يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الشراكات التقليدية أو استبدالها، بل الانتقال إلى نموذج أكثر توازنًا يقوم على تعزيز القدرات الذاتية خاصة في مجالات الدفاع الجوي والأمن السيبراني والصناعات العسكرية والتنسيق الإقليمي. ومن شأن هذا التحول أن يمنح الدول العربية هامشًا أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار؛ (لأن شراء الأمن سبب للتبعية السياسية)، وقدرة أفضل على مواجهة الأزمات المستقبلية.

خامساً: نافذة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد العربي:

بالتوازي مع التحولات الجيوسياسية، يشهد العالم تغيرات اقتصادية وتكنولوجية عميقة تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتقدمة ومراكز البيانات والصناعات الرقمية وسلاسل القيمة الجديدة. وتمتلك العديد من الدول العربية عناصر قوة مهمة تؤهلها للاستفادة من هذه التحولات، من بينها الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية ورؤوس الأموال والأسواق الاستهلاكية. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب حقيقية يتطلب تسريع جهود التنويع الاقتصادي والاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي والبنية التحتية الحديثة. وإذا نجحت الدول العربية في استثمار هذه “اللحظة التاريخية النماذجية”، فقد لا تكون مجرد متلقية لتداعيات النظام الدولي الجديد، بل شريكًا فاعلًا في صياغة بعض ملامحه الاقتصادية والاستراتيجية.

وعلى الرغم من حجم التحديات التي تفرضها مرحلة التحول الراهنة، فإنها لا تمثل بالضرورة مرحلة تراجع حتمي للعالم العربي؛ فالتاريخ يشير إلى أن الفترات التي تشهد إعادة توزيع للقوة على المستوى الدولي تفتح في الوقت نفسه فرصًا غير مسبوقة أمام الدول القادرة على التكيف السريع وإعادة التموضع الذكي. ومن ثم فإن السؤال المطروح أمام الدول العربية ليس فقط كيف تتعامل مع تراجع اليقينيات القديمة، بل كيف تستثمر هذه المرحلة الانتقالية لبناء موقع أكثر استقلالًا وتأثيرًا في النظام الدولي الذي يتشكل أمام أعيننا؟

ورغم ما يحمله التحول الجاري في النظام الدولي من تحديات ومخاطر للدول العربية، فإنه يفتح أمامها في الوقت نفسه نافذة تاريخية لإعادة تعريف موقعها ودورها.

فالفترات التي تتراجع فيها يقينيات النظام الدولي وتزداد فيها سيولة موازين القوى تمنح الدول المتوسطة والفاعلين الإقليميين فرصًا أوسع للمناورة وصياغة سياسات أكثر استقلالًا. ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام العالم العربي لا يكمن فقط في التكيف مع النظام الدولي الجديد، بل في القدرة على استثمار مرحلة الانتقال نفسها قبل أن تستقر ملامح النظام القادم وتُعاد صياغة قواعده وتوازناته بصورة نهائية.

ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة التحولات الجارية يتمثل في افتراض أن العالم يقف على أعتاب انتقال سريع ومباشر من نظام دولي تقوده الولايات المتحدة إلى نظام بديل تقوده قوة أخرى. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن التحولات الكبرى في بنية النظام الدولي لا تحدث عادةً بصورة مفاجئة أو خطية، بل تمتد عبر سنوات وربما عقود طويلة تتداخل فيها عناصر النظام القديم مع ملامح النظام الجديد. وكما احتاج العالم إلى عقود منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين للانتقال من النظام الأوروبي التقليدي إلى النظام الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، فإن المرحلة الراهنة تبدو أقرب إلى فترة انتقالية ممتدة لم تتحدد نهايتها بعد.

وفي هذا السياق، لا تبدو الصين في طريقها إلى وراثة الموقع الأمريكي بالصيغة نفسها التي ورثت بها واشنطن من لندن هيمنتها خلال العقود الماضية، كما لا تبدو الولايات المتحدة في طريقها إلى الانسحاب الكامل من المسرح الدولي. هناك أصوات أمريكية ترى إمكانية “إصلاح” النظام العالمي القائم، لا الانسحاب والتخلي عنه، وأن قيادة أمريكية جديدة قادرة على ذلك، لكن هذا يبدو مستبعدًا مع تطرف الشعبوية في أمريكا وفي بعض الأقطار الأوروبية.

الأرجح أن العالم يتجه نحو واقع أكثر تعقيدًا وتداخلًا، تتوزع فيه القوة بين عدد أكبر من الفاعلين الدوليين والإقليميين، وتتراجع فيه الحدود الفاصلة بين التعاون والتنافس، وبين التحالفات الدائمة والشراكات المؤقتة. وفي ظل هذا المشهد، قد تتعايش لفترة طويلة مؤسسات وقواعد تعود إلى النظام القديم مع ترتيبات جديدة لم تكتمل بعد، بما يجعل مرحلة الانتقال نفسها إحدى السمات الأساسية للنظام الدولي خلال العقود المقبلة. فترات الانتقال في النظام العالمي يسودها عادة قدر من الفوضى وعدم اليقين.

ومن ثم، فإن التحدي الرئيس أمام الدول لا يكمن في محاولة التنبؤ بالشكل النهائي للنظام العالمي القادم بقدر ما يكمن في بناء القدرة على التكيف مع حالة ممتدة من السيولة الاستراتيجية وعدم اليقين. فالعالم لا يبدو أنه يعيش لحظة ولادة نظام جديد مكتمل الملامح، وإنما يعيش “مرحلة مخاض تاريخي” طويل، تتراجع خلالها مُسلَّمات راسخة دون أن تظهر بدائل مستقرة تحل محلها بصورة نهائية. وفي مثل هذه المراحل لا تكون الأفضلية بالضرورة للأقوى، بل للأكثر قدرة على قراءة التحولات، وتنويع الخيارات، والحفاظ على المرونة اللازمة للتعامل مع مستقبل لا تزال ملامحه قيد التشكل.

لعل صورة التحول بهذا الشكل أقرب للتصور من الانطباع المتشائم عند البعض، انطباع عالم ممزق بتنافس القوى العظمى، وبحروب مُرَّة مستمرة، وبهياكل حوكمة عالمية قديمة راسخة عاجزة عن تقديم استجابات فعَّالة تعكس رأيًا عالميًّا مُناسبًا.

صحيح أن إرساء نظام عالمي أكثر استقرارًا في المستقبل مهمة قد تمتد لأجيال. وخلال هذه الفترة، ستظل مخاطر انعدام الأمن ونشوب المزيد من الحروب قائمة، إلا أن حُسن قراءة هذه التحولات يفتح آفاق فرص مواتية.

د. محمد هشام راغب

زر الذهاب إلى الأعلى