ليبيا: المراوحة بين السلام الوهمي وانتظار البديل الوطني

حالة “السلام” الحالية في ليبيا وهمية؛ فهي تقوم على مجرد صفقات مالية بين عائلتي الدبيبة وحفتر وبرعاية إماراتية (وصمت أمريكي)، دون أي تقدم حقيقي نحو توحيد المؤسسات أو إقامة حكم موحد للبلاد، ما يجعل خطر الانفجار العنيف والاقتصادي قائمًا بقوة.
منذ توقف الصراع المسلح بين الشرق والغرب عام 2020، لم تعد هناك معارك واسعة، لكن الطرفين استغلا الهدوء لتعزيز ثروتهما وتسليحهما، ما يرفع احتمالات صدامات مستقبلية. اتفاق 2022 الذي رعته الإمارات وُضع بموجبه شخصية موالية لحفتر على رأس المؤسسة الوطنية للنفط، وأوقف الحرب لكنه خلق اقتصادًا فاسدًا قائمًا على تقاسم الريع بين العائلات الحاكمة. لقد أدى تقاسم النفوذ بين أسرتي الدبيبة وحفتر إلى تفاقم الفقر وتدهور الخدمات، خاصة في الأطراف (الجنوب مثلًا)، حيث طغت شبكات الجباية غير القانونية على تلبية احتياجات السكان.
الأطراف الخارجية المؤثرة
الولايات المتحدة:
بعد إهمال وعدم اهتمام من إدارة بايدن، أبدت إدارة ترامب الثانية اهتمامًا غير معتاد بليبيا (ربما وعينها على غنيمة الثروات النفطية)، عبر مستشاره الخاص للشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس، الذي تحرك مكوكيًا بين طرابلس وبنغازي. نجح بولس في فبرابر 2026 في إبرام اتفاق ميزانية موحدة بين حكومة عبد الحميد الدبيبة في الغرب وسلطات خليفة حفتر في الشرق، وقدم الاتفاق كـ“اختراق” يفتح الباب للتعاون الاقتصادي. لم يكن الأمر اختراقا ولا حتى إنجازا سياسيا، لأن الاتفاق كان ببساطة بين سلالتين حاكمتين، لا يمس جذور الأزمة ولا يبني وحدة سياسية أو مؤسساتية.
من الواضح أن أمريكا تسعى لمصالح شركاتها النفطية الكبرى (إكسون موبيل، شيفرون، كونكو فيليبس، وغيرها) وتمكينها من الاعتماد على أشخاص بعينهم لا على مؤسسات مستقرة. تشجع الولايات المتحدة “عمليًا” بقاء عائلتي الدبيبة وحفتر في السلطة بوصفهما شريكين ضروريين لأي “وحدة”، بينما تعلن في الوقت نفسه أنها تريد تهيئة الظروف لحكومة منتخبة؛ وهو تناقض جوهري لأن إجراء انتخابات حقيقية يفترض – على أقل تقدير – إزاحة هذه النخب أو تحجيمها، وهو ما لا تراه أمريكا يصب في مصالحها!
وحتى في ملف توحيد المؤسسة العسكرية، شاركت واشنطن في مناورات “فلينتلوك 2026”[1] بمشاركة رمزية لضباط من الشرق والغرب، لكنها غضت الطرف عن الفساد والانتهاكات لتضمن حضور الطرفين، من دون أن يترتب على ذلك أي تقدم حقيقي في دمج القوات. هذه المناورات سنوية لتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في أفريقيا (وشارك فيها هذا العام كل من ألمانيا والمملكة المتحدة وتركيا وتشاد وفرنسا وإيطاليا وليبيا والمجر ومصر وتونس).
الإمارات:
تاريخيًا دعمت الإمارات حفتر عسكريًا وسياسيًا (سلاح، تمويل، غطاء دبلوماسي)، ثم تحولت منذ 2022 أكثر إلى دور “مهندس الصفقات” بين حفتر والدبيبة، خصوصًا في ملف مؤسسة النفط وتوزيع العوائد. تقارير وتحليلات تشير إلى أن أبوظبي ترى في شرق ليبيا بوابة نفوذ نحو المتوسط وأفريقيا، ومجالًا للاستثمار في الموانئ والطاقة، ما يفسر إصرارها على بقاء نفوذ قوي لحفتر أو لشخصيات قريبة منها في البنية الليبية.
في الخطاب الرسمي، تروّج الإمارات الآن لخطاب “الاستقرار، سحب المرتزقة، ودعم المسار الأممي”، لكنها عمليًا تحافظ على شبكة علاقات عميقة مع الفاعلين المسلحين في الشرق والغرب معًا، وتشارك في بيانات مشتركة مع واشنطن والقاهرة لتسويق اتفاقات مثل الميزانية الموحدة. يمكن القول إن الإمارات فاعل يمزج بين نفوذ مالي–أمني ورغبة في إعادة تشكيل ليبيا كبيئة استثمارية موالية، مع تغليف ذلك بلغة الاستقرار ومكافحة التطرف.
تركيا:
مدد البرلمان التركي وجود القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين حتى 2028 تقريبًا، تحت عنوان حماية وقف إطلاق النار ودعم العملية السياسية، ما يكرّس وجودًا عسكريًا مستدامًا في غرب ليبيا. يكمن جوهر المصلحة التركية في حماية وترسيخ الاتفاق البحري مع طرابلس الذي تم التوقيع عليه في 2019، بخصوص شرق المتوسط (الجرف القاري وخطوط الطاقة والملاحة)، بالإضافة إلى الحفاظ على موطئ قدم عسكري–أمني في شمال أفريقيا، وعلى قدرة تأثير في ملفات المتوسط والهجرة والطاقة.
السياسات التركية شهدت “إعادة معايرة” بعد سنوات من الانحياز الواضح لمعسكر طرابلس، إذ بدأت أنقرة منذ 2025 تنفتح على الفاعلين في الشرق، بما في ذلك زيارات وتنسيق مع قيادات من معسكر حفتر، لضمان أن أي تسوية أو برلمان موحّد لن ينسف اتفاقاتها البحرية والعسكرية. إذن تركيا فاعل يمسك بأوراق ميدانية حقيقية (قوات، اتفاق أمني وبحري)، ويستخدمها للتفاوض مع الطرفين في ليبيا ومع أوروبا وخصومه الإقليميين، مع أولوية واضحة لمعادلة شرق المتوسط على ما عداها.
مصر:
القاهرة تنظر إلى ليبيا أولًا كمسألة أمن قومي وحدودي: منع تمدد الفوضى والسلاح والمقاتلين إلى الغرب المصري، ومنع صعود قوى إسلامية مسلحة أو معادية لها في الجوار المباشر. مصر تاريخيًا أقرب إلى معسكر الشرق (حفتر–مجلس النواب)، لكنها في خطابها الرسمي تؤكد باستمرار على “حل ليبي–ليبي، برعاية الأمم المتحدة، وسحب كل القوات والمرتزقة الأجانب”، مع التشديد على وحدة ليبيا وسيادتها.
الدور المصري اليوم أقل اندفاعًا عسكريًا مما كان في ذروة حرب 2020، وأكثر تركيزًا على الضغط السياسي والدبلوماسي في المحافل الإقليمية والدولية، مع التنسيق الوثيق مع الإمارات والولايات المتحدة في بيانات مشتركة حول ليبيا. تحافظ مصر على تأثير قوي في الشرق، مع عدم قطع الجسور مع الفاعلين في الغرب، تحسبًا لأي تسوية شاملة. الدور المصري “ضامن حدودي–أمني” أكثر من كونه مهندسًا للتسوية، يسعى لضمان أن أي ترتيبات في ليبيا لن تنتج سلطة معادية لمصالحه أو تسمح بفوضى على حدوده الغربية.
الأدوار الثلاثة للإمارات وتركيا ومصر مترابطة لكنها مختلفة في طبيعتها: الإمارات تلعب دور الراعي المالي–السياسي لحفتر مع انتقال تدريجي لصورة “الوسيط”، تركيا فاعل عسكري–بحري يحمي نفوذه في الغرب وينفتح على الشرق، ومصر ضامن أمني–حدودي يهمه منع تمدد الفوضى والإسلاميين أكثر من هندسة التسوية الداخلية نفسها.
بشكل عام، الإمارات وتركيا انتقلتا من حالة صدام غير مباشر (دعم معسكرين متحاربَين) إلى حالة “تعايش تنافسي”، لكلٍّ نفوذ في معسكر، مع قنوات مفتوحة لمعسكر الآخر، وحدّ أدنى من التنسيق لتجنّب حرب شاملة جديدة تضر بمصالحهما.
مصر أقرب للإمارات في الرؤية العامة، لكنّها أكثر حذرًا من الحضور التركي العسكري؛ ولذلك تدفع في اتجاه إخراج “القوات الأجنبية والمرتزقة” كأولوية، بينما تركيا تبرر بقاءها بأنه ضروري لمنع عودة الحرب وحماية الاتفاقات البحرية.
من زاوية ليبية داخلية، هذه الأدوار تعزّز منطق “السلام الزائف”، توازنات خارجية تمنع الانهيار الشامل، لكنها في الوقت نفسه تكرّس وجود نخب مسلحة وريعية، وتحوّل ملف الإصلاح المؤسسي والديمقراطي إلى أولوية ثانوية مقارنة بحسابات الطاقة والبحر والأمن الإقليمي.
الوضع الداخلي البائس
أدى الانقسام السياسي وفساد النخب إلى أزمة مالية حادة: عجز في العملة الصعبة بنحو 9 مليارات دولار في سنة واحدة (2025)، وانخفاض كبير في قيمة الدينار الليبي وارتفاع الأسعار على المواطنين.
حصلت عدة أزمات حادة، أبرزها إقالة محافظ المصرف المركزي عام 2024 ومحاولة استبداله بمحافظ موالٍ للدبيبة، وردّ حفتر بفرض حصار نفطي استمر أكثر من ستة أسابيع وخسرت ليبيا بسببه قرابة 3 مليارات دولار من عائدات النفط.
هناك فجوة بمليارات الدولارات بين قيمة النفط المُنتَج فعليا في 2025 والمبالغ المودعة في المصرف المركزي، يفسرها مراقبون بتحويل جزء كبير من العائدات إلى حسابات مرتبطة بالطرفين خارج إطار الخزينة العامة.
لا نكاد نسمع عن أي تغيير جوهري في المقاربة السياسية نحو دعم استقلالية المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، وإجراء تدقيقات علنية مستقلة، وآليات شفافة لمراقبة الإيرادات. كما لا نسمع شيئا عن توحيد الإدارات المتوازية، أو إشراك البلديات والمجتمع المدني والأحزاب في المؤسسات التقنية، وتهيئة الطريق لانتخابات وطنية. وكل ما يدور سياسيا يكاد ينحصر في الصفقات مع عائلتين، عبر إرضاء “الأمراء المتنافسين” في طرابلس وبنغازي، ضاربا بمصالح الشعب الليبي عرض الحائط.
الهدوء العسكري الحالي ليس سلامًا، بل هدنة تُدار فيها البلاد كـ“اقتصاد ريع” موزع بين شبكات الدبيبة وحفتر، مع توظيف مؤسسات الدولة كأدوات جباية وتقاسم غنائم. إن قابلية هذا النظام للانهيار عالية؛ أي صدمة في أسعار النفط، أو صراع على من يتحكم في المصرف المركزي أو مؤسسة النفط، يمكن أن تعيد الصراع المسلح إلى الواجهة.
البديل الوطني الغائب
يبدو أن المخرج الوحيد المتاح لليبيا للخروج من مأزقها الحالي، هو ظهور طرف وطني بديل، له حاضنة شعبية (ولو محدودة في بداية الأمر).
أهم معوقات بروز بديل وطني هي المنظومة الحالية المبنية على السلاح والمال: مليشيات مسلحة وشبكات ريع مرتبطة بالنفط والمصرف المركزي، ما يمنح الأسرتين الحاكمتين وغيرهما قدرة كبيرة على القمع والشراء والاحتواء لأي قوة جديدة. المجتمع المدني والأحزاب والتيارات المستقلة تتعرض لقيود قانونية وأمنية (ترخيص، تجميد حسابات، تهديدات)، ما يحدّ من قدرتها على التنظيم وبناء حاضنة شعبية واسعة ومستدامة. بالإضافة إلى ذلك فإن الانقسام الجهوي–المناطقي (شرق/غرب/جنوب، مدن ومكوّنات مختلفة) يعني أن أي مشروع وطني يحتاج إلى جهد كبير لبناء ثقة عابرة للمنطقة والقبيلة والمكوّن، وليس فقط خطابًا عامًا.
هذه التحديات الكبيرة، يمكن خلخلتها إذا لاحت بذور محتملة لبديل وطني/ثوري. إن موجات الاحتجاج في طرابلس ومدن أخرى ضد حكومة الدبيبة (خاصة بعد اشتباكات المليشيات في 2025) كشفت عن وجود قاعدة غضب شعبي مكتوم عابرة للحسابات الفئوية، ترفع شعارات إسقاط الحكومة والفساد والمطالبة بانتخابات.
قد لا يكون من المرجّح – في المدى القريب – أن يظهر “طرف ثوري” واحد يقلب الطاولة دفعة واحدة؛ لكن يمكن تصور سيناريوهين لظهور بديل وطني:
الأول: تيار إصلاحي مركّب من تحالف بلديات قوية، وشخصيات تكنوقراط، وبعض الأجنحة الأقل فسادًا داخل النخب الحالية، يحاول فرض انتقال تدريجي (استقلال المؤسسات السيادية، شفافية النفط، انتخابات).
الثاني: حركة احتجاجية متصاعدة إذا اشتدت الأزمة الاقتصادية (تضخم، بطالة، انقطاع خدمات) وتكررت مواجهات المليشيات في المدن الكبرى، يمكن أن تتبلور حركة شعبية أوسع وأكثر تنظيمًا من موجات 2025، تفرض تنازلات كبيرة على الأطراف المسلحة، وربما تخلق قيادة جديدة من داخل الحراك.
في كل الأحوال، فإن أي مشروع وطني جاد، يحتاج أن تتوفر له:
- رؤية واضحة للاقتصاد السياسي: كيف تُدار عوائد النفط؟ ما موقع المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط؟ كيف تُحمى هذه المؤسسات من الابتزاز المسلح؟ دون إجابة عملية، قد يتحول أي خطاب ثوري إلى شعارات.
- قاعدة اجتماعية عابرة للمناطق: مشروع لا يجد له امتدادًا – ولو جزئيًا – في الشرق والغرب والجنوب معًا، سيُتهم فورًا بأنه “طرف جهوي جديد” لا بديل وطني.
- القدرة على إدارة العلاقة مع الخارج: تركيا، الإمارات، مصر، الولايات المتحدة، الأمم المتحدة… إلخ؛ أي بديل وطني مضطر لتطوير معادلة “استقلال نسبي” بدون الدخول في قطيعة كاملة تجعل إسقاطه سهلًا.
من الوارد بروز طرف/كتلة وطنية بديلة تتبنى حلولًا أكثر جذرية أو شعبية، لكن هذا – في ضوء المعطيات الحالية – يُرجَّح أن يحدث عبر تدرّج تراكمي (تحالفات إصلاحية مع ضغط شعبي وانتظار فرصة لحظة أزمة) أكثر منه عبر ثورة شاملة تقلب موازين القوة بين عشية وضحاها. عند نقاط الانفراج أو الانفجار الكبرى عادةً تظهر القيادات البديلة وتُختبر.
[1] “فلينتلوك” تمرين عسكري سنوي تقوده “أفريكوم” منذ عام 2005، ويُعد الأكبر من نوعه للقوات الخاصة في إفريقيا، ويهدف إلى تعزيز قدرات الدول المشاركة في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود، وبناء الشراكات بين القوات الإفريقية ونظيرتها الأمريكية والدولية.






