إصداراتالولايات المتحدة إلى أينتقدير موقف

إستراتيجية الدفاع الأمريكية 2026: أولويات جديدة وتداعياتها العالمية

1. الإطار المفاهيمي لإستراتيجية الدفاع الوطني:

تُعد إستراتيجية الدفاع الوطني الأميركية إحدى الركائز الأساسية في منظومة التخطيط الإستراتيجي للولايات المتحدة، إذ تمثل حلقة الوصل بين الرؤية السياسية العليا التي تطرحها إستراتيجية الأمن القومي، وبين السياسات العسكرية التنفيذية التي تُترجم هذه الرؤية إلى انتشار للقوات، وأنماط تسليح، وبرامج بحث وتطوير، وتخصيص للموارد المالية والبشرية.

وتصدر هذه الإستراتيجية بصورة دورية كل أربع سنوات تقريبًا، وعادةً خلال الفترة الممتدة بين 12 و18 شهرًا من تولي الإدارة الأميركية الجديدة مهامها، بما يجعلها الوثيقة المرجعية الحاكمة للتوجهات العسكرية طوال الولاية الرئاسية.

وكان آخر إصدار كامل لإستراتيجية الدفاع الوطني قد صدر عام 2022 في عهد إدارة جو بايدن، حيث تمحور جوهرها حول مفهوم “المنافسة بين القوى العظمى”، مع تركيز رئيس على احتواء الصين باعتبارها التهديد الإستراتيجي الأول، وروسيا بوصفها تهديدًا حادًّا، لكنه أقل شمولًا، إلى جانب الحفاظ على التزامات الولايات المتحدة تجاه التحالفات التقليدية.

وقد عكست إصدارات إستراتيجية الدفاع الوطني منذ عام 2005 تحولات تدريجية في إدراك الولايات المتحدة لطبيعة التهديدات الدولية.

ففي نسختي 2005 و2008، تركزت الأولوية على الحرب على ما سُمي بالإرهاب في سياق ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ومع إدارة باراك أوباما، برز توجه نحو إعادة التوازن الإستراتيجي باتجاه آسيا والمحيط الهادئ، وتقليص الانخراط العسكري المباشر بعد حروب طويلة في الشرق الأوسط.

وشكّل إصدار عام 2018 في عهد إدارة دونالد ترامب الأولى تحولًا نوعيًّا، إذ انتقلت الإستراتيجية صراحة إلى أولوية المنافسة الإستراتيجية طويلة الأمد مع القوى الكبرى، ولا سيما الصين وروسيا، مع التركيز على استعادة الردع والتفوق العسكري.

واستمرت هذه المقاربة في إستراتيجية عام 2022 الصادرة في عهد إدارة جو بايدن، التي صنفت الصين باعتبارها التحدي الرئيس المحدِّد لوتيرة التنافس، وروسيا كتهديد حادٍّ، مع التأكيد على الحفاظ على التزامات الولايات المتحدة تجاه التحالفات التقليدية، ولا سيما حلف شمال الأطلسي.

وتكمن أهمية هذه الإستراتيجية في كونها الوثيقة التي تحدد الكيفية التي تفهم بها الولايات المتحدة مصادر التهديد، وحدود القوة، وأدوات الردع، وليس فقط فيما تقرره من خطط عسكرية مباشرة.

ومن هذا المنطلق، فإن إستراتيجية الدفاع الوطني لا تعكس مجرد مقاربة عسكرية، بل تُعد مرآة للتصور السياسي والفكري للإدارة الحاكمة، بشأن موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وطبيعة هذا النظام ذاته، وما إذا كان يستوجب الحماية أو إعادة الصياغة أو حتى التفكيك الجزئي.

وتأتي هذه الإستراتيجية متسقةً مع إعادة استخدام تسمية “وزارة الحرب” في الخامس من سبتمبر 2025 بعد نحو ثمانية عقود من اعتماد مسمى “وزارة الدفاع”، في خطوة عكست توجهًا مقصودًا لإعادة تعريف صورة الولايات المتحدة ودورها العسكري.

 فقد جرى تبرير ذلك بأن مصطلح “الدفاع” أسهم في إضعاف صورة القوة الأميركية وإظهارها بمظهر ردّ الفعل، وهو ما انعكس بوضوح في مضمون الإستراتيجية نفسها.

إذ دلت فقراتها على انتقال في المقاربات الأميركية نحو التركيز على تحقيق “السلام” بالقوة، وإعادة بناء التفوق العسكري للولايات المتحدة إلى جانب منح الوزارة دورًا داخليًا أوسع عبر عسكرة بعض الملفات غير التقليدية، وفي مقدمتها ملف الهجرة.

وبهذا المعنى، لا تبدو إستراتيجية الدفاع الوطني مجرد وثيقة تنظيم لقواتها المسلحة، بل تعد تعبيرًا عن تحوّل أعمق تجاه طبيعة النظام الدولي، من نظام قابل للإدارة فقط، إلى نظام يُفترض الاستعداد الدائم لمواجهته بالقوة.

2.سياق صدور إستراتيجية الدفاع الوطني 2026:

تكتسب إستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 أهمية استثنائية بالنظر إلى السياق الذي صدرت فيه، سواء على مستوى الداخل الأميركي أو على مستوى البيئة الدولية.

فهي تأتي في ظل إدارة ترامب الثانية، بعد شهر واحد فقط من إعلان إستراتيجية الأمن القومي، وفي لحظة دولية تتسم بدرجة عالية من السيولة، عقب ضربات عسكرية أميركية مباشرة ضد منشآت نووية إيرانية، ومع عملية عسكرية واسعة ضد جماعة الحوثي في اليمن، إضافة إلى عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، وتصعيد غير مسبوق في الخطاب الأميركي تجاه عدد من الدول الحليفة والمجاورة.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن مضمون الإستراتيجية، إذ تشكل التطورات الإطار العملي الذي تُختبر فيه مبادئها وتوجهاتها، وتكشف عن العلاقة بين الخطاب الإستراتيجي والتطبيق الميداني.

وتنطلق الرؤية في هذا التقدير من التساؤل حول ما إذا كانت إستراتيجية الدفاع الوطني 2026 تمثل تحولًا نوعيًّا في العقيدة العسكرية الأميركية، أم أنها امتداد أكثر صراحة وحِدَّة لتوجهات سابقة، جرى نزع غلافها القيمي وإعادة تقديمها بلغة القوة والمصلحة المباشرة!

 ويهدف هذا التقدير إلى تحليل أبرز مضامين الإستراتيجية، وبيان أولوياتها، وقراءة دلالاتها السياسية والعسكرية، فضلًا عن تقييم انعكاساتها المحتملة على بنية النظام الدولي، وعلى شبكة التحالفات الأميركية، وعلى استقرار عدد من الأقاليم الحيوية.

من الناحية البنيوية، تنطلق إستراتيجية الدفاع الوطني 2026 من افتراض أساسي مفاده أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة، ولا راغبة، في الاستمرار بدور “الشرطي العالمي” وفق الصيغة التي سادت بعد الحرب الباردة.

فالحروب الطويلة، وتكاليف الانتشار الواسع، ومحاولات إعادة بناء الدول، باتت تُنظر إليها بوصفها أعباءً إستراتيجية تفوق مكاسبها، ويظهر هذا الافتراض بوضوح في النص التأسيسي للإستراتيجية، الذي يؤكد أن الولايات المتحدة لن تنخرط مستقبلًا في صراعات طويلة الأمد بهدف الحفاظ على نشر الديموقراطية وبث قواعدها، ولن تخوض في سبيل ذلك حروبًا مطولة، كما حدث من قبل في عهود سابقة. ([1])  

غير أن هذا التحول لا يعني قطيعة كاملة مع التوجهات الإستراتيجية السابقة، فعند وضع الإستراتيجية في سياق التطور الإستراتيجي الأميركي منذ إدارة باراك أوباما، يمكن ملاحظة قدر كبير من الاستمرارية، لا سيما فيما يتعلق باعتبار الصين التهديد الإستراتيجي الأهم على المدى الطويل.

 فمنذ إعلان “التحول نحو آسيا”، بات احتواء الصعود الصيني محورًا ثابتًا في الإستراتيجيات الأميركية المتعاقبة، وما تضيفه إدارة ترامب الثانية لا يتمثل في تغيير هذا المحور، بل في نزع الطابع القيمي عنه، وتحويله إلى صراع صريح على القوة والنفوذ، بعيدًا عن الخطاب الليبرالي المرتبط بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

غير أن هذا التحول يمتد هذه المرة من الاحتواء البسيط إلى منطق الهندسة الاستباقية والتقييد، فالإستراتيجية الجديدة تهدف إلى تشكيل واقع جيوسياسي وتقني جديد يعيق صعود الصين بشكل فعلي، بدلاً من محاولة إدارته أو احتوائه ضمن النظام الدولي القديم.

اللافت في إستراتيجية الدفاع الوطني 2026 هو ترتيبها للأولويات، إذ تضع الأمن الداخلي الأميركي ونصف الكرة الغربي في مقدمة خطوط العمل الإستراتيجية، قبل الانتقال إلى ملف الصين. ([2])  

ويعكس هذا الترتيب تصورًا يرى أن تآكل القوة الأميركية بدأ من الداخل، وأن المشكلات البنيوية التي يعاني منها المجتمع الأميركي باتت تُقوض القدرة على إنتاج قوة فعالة وقابلة للاستدامة.

ووفق هذا المنطق، فإن قضايا مثل الهجرة غير النظامية، وانتشار المخدرات، وتراجع معدلات التجنيد، والانقسامات الثقافية الحادَّة، لم تعد مجرد تحديات اجتماعية، بل تهديدات أمن قومي تستوجب تدخل المؤسسة العسكرية.

وتترجم هذه الرؤية عمليًّا من خلال عسكرة قضايا كانت تقليديًّا من اختصاص أجهزة إنفاذ القانون، مثل أمن الحدود من الهجرة ومكافحة تهريب المخدرات. ([3])  

فالإستراتيجية تبرر نشر الجيش على الحدود الجنوبية، وتمنح القوات المسلحة دورًا مباشرًا في التعامل مع شبكات التهريب، بما في ذلك تنفيذ عمليات خارج الحدود الأميركية.

كما تعيد إحياء مبدأ مونرو بصيغة جديدة، تقوم على منع أي نفوذ خارجي منافس، خصوصًا الصيني، من التغلغل في أميركا اللاتينية، حتى لو تطلب الأمر تدخلات قسرية، أو فرض وقائع سياسية جديدة في دول الجوار!

على الرغم من تركيز الإستراتيجية على الداخل والنطاق الإقليمي القريب، تظل الصين التهديد الإستراتيجي المركزي في الوثيقة.

فالصين تُقدَّم بوصفها القوة الوحيدة القادرة على منافسة الولايات المتحدة عسكريًّا واقتصاديًّا وتكنولوجيًّا، وعلى تقديم نموذج بديل للنظام الدولي الليبرالي.

ولهذا، تركز الإستراتيجية على تعزيز الوجود العسكري الأميركي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي تُعد خط الدفاع الأول في مواجهة أي تمدد صيني محتمل. ([4])  

غير أن الإستراتيجية لا تراهن فقط على الانتشار الأميركي المباشر، بل تعوِّل بدرجة كبيرة على الحلفاء الإقليميين، مع تحميلهم أعباء متزايدة في مجالات الدفاع والإنفاق العسكري.

ويعكس هذا التوجه رغبة أميركية في تقليص الكلفة المباشرة للمواجهة مع الصين، لكنه في الوقت ذاته يضعف الثقة المتبادلة مع الحلفاء، في ظل خطاب مشروطية الدعم وربطه بالامتثال الكامل للأجندة الأميركية.

تتعامل إستراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026 مع روسيا باعتبارها تهديدًا مهمًّا لكنه قابل للإدارة، لا تهديدًا وجوديًّا أو إستراتيجيًّا شاملًا على غرار الصين. ([5])  

فوفق الإستراتيجية، تمتلك روسيا قدرات عسكرية متقدمة، خصوصًا في مجالات الأسلحة النووية والصواريخ فرط الصوتية والحرب السيبرانية، إلا أنها تعاني في الوقت ذاته من قيود بنيوية عميقة تحدُّ من قدرتها على خوض منافسة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة وحلفائها.

وتشمل هذه القيود ضعف القاعدة الاقتصادية، وتراجع المؤشرات الديموغرافية، واعتماد الاقتصاد الروسي على صادرات الطاقة، فضلًا عن تأثير العقوبات الغربية الممتدة.

وانطلاقًا من هذا التقييم، ترى الإستراتيجية أن التهديد الروسي يجب أن يُدار عبر الردع والاحتواء الإقليمي، لا عبر انخراط أميركي مباشر واسع النطاق.

وتُحمِّل الوثيقة أوروبا المسؤولية الأساسية في مواجهة روسيا، انطلاقًا من افتراض أن دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي تمتلك من الموارد الاقتصادية والبشرية والصناعية ما يفوق بكثير الإمكانات الروسية، إذا ما جرى توظيفها بفعالية.  ([6])  

ويُعد هذا الطرح جزءًا من توجه أميركي أوسع يهدف إلى إعادة توزيع الأعباء داخل التحالفات التقليدية، وتقليص الكلفة المباشرة للالتزامات العسكرية الأميركية في القارة الأوروبية.

غير أن هذا التوجُّه يحمل تداعيات إستراتيجية عميقة، إذ يؤدي عمليًّا إلى إضعاف المظلة الأمنية الأميركية التي شكَّلت حجر الأساس في الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فالتشكيك الضمني في التزام واشنطن طويل الأمد بالدفاع عن أوروبا، مقرونًا بالمطالبات المتكررة برفع الإنفاق العسكري وبتحمل أعباء أكبر، يدفع العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في علاقتها التقليدية مع الحليف الأميركي.

وقد بدأت ملامح هذا التحول تظهر في الخطاب السياسي الأوروبي، وفي الدعوات المتزايدة لتعزيز الاستقلالية الإستراتيجية، وتنويع الشراكات الأمنية والتجارية، بما في ذلك الانفتاح الحذر على قوى دولية منافسة للولايات المتحدة.

يشكل مفهوم “السلام بالقوة” أحد المرتكزات الفكرية والعملياتية الأساسية في إستراتيجية الدفاع الوطني 2026، ويعكس رؤية أميركية ترى أن الردع الفعَّال لا يتحقق عبر الانخراط في حروب طويلة ومعقدة، بل من خلال القدرة على توجيه ضربات سريعة، دقيقة، وحاسمة، تُحدث صدمة إستراتيجية لدى الخصوم وتمنعهم من التفكير في تحدي المصالح الأميركية.([7])   

ويستند هذا المفهوم إلى قراءة نقدية للتجارب الأميركية السابقة في العراق وأفغانستان، حيث أدت الحروب الممتدة إلى استنزاف الموارد، وتآكل الدعم الشعبي، وتعميق الانقسامات الداخلية، دون تحقيق استقرار دائم.

وتُعيد الإستراتيجية، في هذا السياق، تعريف استخدام القوة العسكرية بوصفه أداة لإدارة الصراعات لا لحلِّها جذريًّا.

فهي تفضِّل العمليات المحدودة زمنيًّا وجغرافيًّا، والضربات الاستباقية أو العقابية، بدل الانخراط في مسارات طويلة لبناء “السلام” أو إعادة الإعمار.

ويعكس هذا التوجه تحوُّلًا من منطق “الحسم الشامل” إلى منطق “الإدارة بالقوة”، حيث يُنظر إلى الصراعات باعتبارها ظواهر قابلة للتجميد والاحتواء بدل التسوية النهائية.

غير أن هذا النهج، رغم ما يوفره من مرونة وتقليص للكلفة المباشرة، ينطوي على مخاطر إستراتيجية واضحة، فالاكتفاء بتجميد الصراعات دون معالجة جذورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجعلها قابلة للاشتعال مجددًا في أي لحظة، كما يعزز منطق الردِّ بالمثل لدى الخصوم.

إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية كأداة أولى قد يؤدي إلى تآكل الأدوات الدبلوماسية، ويقوض قدرة الولايات المتحدة على التدخل في عدد من الأقاليم الحيوية.

تحتل القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية موقعًا محوريًّا في إستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026، إذ تُقدَم بوصفها الشرط الأساسي لنجاح أي مواجهة مستقبلية مع قوى كبرى، وعلى رأسها الصين.

وتنطلق الإستراتيجية من تشخيص مفاده أن الحروب المستقبلية لن تُحسم فقط عبر التفوق العملياتي أو الانتشار العسكري، بل عبر القدرة على الإنتاج السريع والمستدام للأسلحة والذخائر والتقنيات المتقدمة، وعلى تأمين سلاسل التوريد في ظل بيئة دولية مضطربة.

ومن ثم، تركز الوثيقة على إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية، وتقليص الاعتماد على الخارج، وتسريع دورات الإنتاج والابتكار.([8])  

ويعكس رفع ميزانية الدفاع الأميركية إلى مستويات قياسية، تقارب 1.5 تريليون دولار، استعدادًا واضحًا لمرحلة دولية تتسم بارتفاع منسوب التنافس العسكري، لا بمرحلة تهدئة أو تسويات شاملة.

فهذه الزيادة لا تقتصر على تمويل العمليات الجارية، بل تستهدف الاستثمار المكثف في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، والطائرات من الجيل السادس، والطائرات المسيَّرة، والدفاع الصاروخي، والفضاء، والأمن السيبراني. ([9])  

ويشير هذا التوجه إلى إدراك أميركي بأن ميزان القوى في المستقبل سيتحدد بقدر كبير من خلال التفوق التكنولوجي والقدرة على دمجه بسرعة في العقيدة العسكرية.

غير أن هذا التصعيد في الإنفاق العسكري يحمل في طياته دلالات أوسع، إذ يسهم في تسريع سباق التسلح العالمي، ويعزز منطق العسكرة بوصفه الإطار الحاكم للعلاقات الدولية.

كما يطرح تساؤلات حول الكلفة الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأمد لهذا النهج، وحول مدى قدرته على تحقيق الأمن الأمريكي في عالم تتزايد فيه مصادر التهديد غير التقليدية، التي لا يمكن مواجهتها بالقوة العسكرية وحدها.

تكشف مقارنة إجمالية بين إستراتيجية الأمن القومي الصادرة عن البيت الأبيض في نوفمبر 2025 ([10])  ، وإستراتيجية الدفاع الوطني الصادرة عن وزارة الدفاع في يناير 2026، عن بعض المفارقة في الرؤية والنطاق والأولويات، على الرغم من استمرارهما في اعتبار الصين التحدي الإستراتيجي المركزي.

فإستراتيجية الأمن القومي تتبنى منظورًا واسعًا يشمل الاقتصاد والدبلوماسية والأمن، مركزة على تعزيز النفوذ الأمريكي وحماية المصالح الاقتصادية، والاعتماد على حلفاء المنطقة لتقاسم الأعباء المالية والأمنية، خصوصًا في نصف الكرة الغربي والشرق الأوسط، مع مراعاة تجنب فرض تغييرات ديمقراطية أو اجتماعية بالقوة.

كما تهدف إلى إعادة ترتيب العلاقات التجارية والاستثمارية عالميًّا، وتأمين سلاسل التوريد الحيوية، وتعزيز التحالفات لمنع خصوم مهيمنين من الإضرار بالمصالح الأمريكية، مع التركيز على أدوات النفوذ الاقتصادية والدبلوماسية قبل اللجوء إلى القوة العسكرية. ([11])  

في المقابل، تركز إستراتيجية الدفاع الوطني على القوة العسكرية المباشرة، محولة المنافسة مع الصين إلى أداة انتشار قوات وتطوير أسلحة فرط صوتية، وتطبيق مبدأ “السلام بالقوة” عبر ضربات استباقية، حيث تُسوِّغ تدخلات محددة لضمان أمن إمدادات الطاقة وحماية الحلفاء، مع تقليل الاعتماد على الحلول الدبلوماسية الطويلة الأمد، ما يعكس ميلًا واضحًا للتحرك الحازم مقابل الاقتصار على الردع والدبلوماسية الاقتصادية.

كما تقلل إستراتيجية الدفاع الوطني من التهديد الروسي إلى حدِّ الإدارة الإقليمية لملفه، مع تحميل أوروبا مسؤوليته، ما يوضح تراجعًا في مستوى الالتزام الأمريكي تجاه الحلفاء، ويؤثر بشكل مباشر على قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الاستقرار في مناطق متوترة مثل أوكرانيا والشرق الأوسط، بينما يضع الأمن القومي أولوية أكبر لإنهاء النزاعات دبلوماسيًّا في أوكرانيا([12]).

أما على صعيد نصف الكرة الغربي والأمن الداخلي، فتعيد إستراتيجية الأمن القومي صياغة مبدأ مونرو اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا ([13] بينما تعسكر إستراتيجية الدفاع الوطني القضية عمليًّا بنشر القوات وملاحقة التهريب والهجرة غير النظامية، ما يعكس فجوة بين تلك الرؤية السياسية وبين التنفيذ العسكري.

والنتيجة المحتملة لهذه المفارقة بين الرؤيتين، قد تكمن في ضعف التماسك الإستراتيجي العام، لأن هذا التباين قد يؤدي لحدوث فجوة بين الأهداف السياسية العامة التي تتقاطع بين الرؤيتين وبين طرق تحقيقها، إذ قد تتعارض الأعمال العسكرية المباشرة المطلوبة مع جهود الدبلوماسية، لا سيما في ظل إدارة ترامب المتقلبة، حيث يوصل الميل إلى التحرك الحازم والاستباقي عسكريًّا أحيانًا إلى تقويض المصالح الدبلوماسية المعلنة وإرباك الحلفاء، مما قد يؤدي إلى فشل بعض السياسات الأمريكية في تحقيق أهدافها، ويزيد من صعوبة إيجاد توازن متكامل بين السياسات الأمريكية وتطبيقها بشكل متناسق.

تُظهر إستراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026 أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف دورها العالمي، لا من موقع الانسحاب أو الانكفاء، بل من موقع الدولة التي تسعى إلى تقليص التزاماتها دون التخلي عن أدوات الهيمنة.

فهي إستراتيجية تقوم على مزيج معقد من الانكفاء الانتقائي والتدخل الحاسم، ومن تحميل الحلفاء أعباء متزايدة مع الاحتفاظ بحق التدخل الأحادي متى اقتضت المصلحة الأميركية ذلك!

غير أن هذا النهج ينطوي على تناقضات قد تُقوض أهدافه على المدى المتوسط والطويل.

فهذا التوجه المعلن نحو تقليص الانخراط في الحروب الخارجية، يصطدم بتأثير متزايد لشركات الصناعات العسكرية، وشبكة أوسع من جماعات الضغط المؤثرة، وفي مقدمتها اللوبي الداعم لإسرائيل، والتي لها مصلحة في جر الولايات المتحدة نحو توجيه ضربة عسكرية حاسمة لإيران.

ولا يقتصر هذا التناقض على مستوى صناعة القرار الخارجي، بل يمتد إلى الداخل الأميركي نفسه ويثير جدلًا متصاعدًا داخل التيار المحافظ ماجا، الراغب في تقليص الحروب الخارجية والذي يرى أن الانخراط المتكرر في ملفات التصعيد -كما يحدث مع إيران- يعكس خضوعًا لأجندة إسرائيل السياسية.

 مما يكشف تعارضًا جوهريًّا بين تيارين من الجمهوريين، فتيار “ماجا” ينطلق من رؤية تعتبر تقليص الحروب الخارجية شرطًا لاستعادة القوة الداخلية، وترى في التدخلات العسكرية عبئًا استنزافيًّا يخدم النخب لا المجتمع الأميركي، في المقابل، يستند المحافظون الجدد إلى تصور يجعل الصراع الخارجي أداة ثابتة للحفاظ على الهيمنة الأميركية.

على مستوى الحلفاء، فالولايات المتحدة تحتاج إلى حلفاء أقوياء وموثوقين في مواجهة الصين، لكنها في الوقت ذاته تُضعف الثقة مع هؤلاء الحلفاء الأوروبيين عبر خطاب مشروطية الدعم والتشكيك في الالتزامات الأمنية.

من جهة أخرى، فإن التركيز المفرط على الداخل، وعسكرة القضايا الاجتماعية في ملف الهجرة وغيره، من المتوقع أن يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية بدل معالجتها، بما ينعكس سلبًا على التماسك الداخلي، والقوة الشاملة التي تسعى الإستراتيجية إلى استعادتها.

على المستوى الدولي، تسهم هذه الإستراتيجية في تسريع وتيرة الاضطرابات وعدم الاستقرار، فمن المرجح أن تزداد النزاعات الإقليمية، وتتوسع هوامش المغامرة لدى الفاعلين الدوليين والإقليميين لملء الفراغات الإستراتيجية التي تُخلفها إعادة تموضع القوة الأميركية وانكفاؤها الانتقائي عن عدد من المناطق في العالم.

وعلى مستوى العالم العربي والإسلامي من المرجح أن يتحول لساحة تنفيذ لهذه التوجهات، فمن جهة، ستعمل واشنطن على تحميلهم، ولا سيما دول الخليج، أعباء أمنية ومالية أكبر، وتوسيع أدوارهم في إدارة الملفات الإقليمية، أو الاضطلاع بمهام الردع بالوكالة، مما سيسهم في زيادة إنفاقهم العسكري، بما يُبقي المنطقة في حالة استنزاف اقتصادي، وربما صدامات بينية، في ظل صراعات على النفوذ الإقليمي، ومن جهة أخرى، ستحتفظ الولايات المتحدة بحق التدخل العسكري السريع والمحدود عند تهديد مصالحها الحيوية.

وفي المحصلة، تقدم إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية 2026 تصورًا لمحاولة أميركية لإدارة تراجع نسبي في عملية الضبط العالمي الشامل، في ظل انقسام أمريكي داخلي حادٍّ داخل تيار ترامب؛ بين توجه يرفض التورط الخارجي، وآخر يدفع بالاتجاه العكسي، وذلك في سياق تاريخي جديد، سيتسم بارتفاع منسوب التسلح، وتآكل الثقة مع الولايات المتحدة، وتزايد احتمالات الصدام.

ملف إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية

https://media.defense.gov/2026/Jan/23/2003864773/-1/-1/0/2026-NATIONAL-DEFENSE-STRATEGY.PDF

 الترجمة العربية لإستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية

https://drive.google.com/file/d/1oR5om1Wm9rrb0h3yc_PnL0M-YczZZiNM/view


([1])They sent America’s brave sons and daughters to fight war after rudderless war to topple regimes and nation-build halfway around the world, in doing so eroding our military’s readiness and delaying modernization.

([2])As President Trump has said, the U.S. military’s foremost priority is to defend the U.S. Homeland. The Department will therefore prioritize doing just that, including by defending America’s interests throughout the Western Hemisphere.”

([3])Secure Our Borders. Border security is national security. DoW will therefore prioritize efforts to seal our borders, repel forms of invasion, and deport illegal aliens in coordination with the Department of Homeland Security

([4])our goal is simple: To prevent anyone, including China, from being able to dominate us or our allies—in essence, to set the military conditions required to achieve the NSS goal of a balance of power in the Indo-Pacific

([5]) Russia will remain a persistent but manageable threat to NATO’s eastern members for the foreseeable future.

([6]) In Europe and other theaters, allies will take the lead against threats that are less severe for us but more so for them, with critical but more limited support from the United States

([7])Under President Trump’s leadership, consistent with his vision and direction as laid out in the National Security Strategy (NSS), the Department of War (DoW) is laser-focused on restoring peace through strength.

([8])SUPERCHARGE THE U.S. DEFENSE INDUSTRIAL BASE The U.S. DIB is the foundation to rebuilding and adapting our military so that it remains the strongest in the world.

([9])we will reinvest in U.S. defense production, building out capacity; empowering innovators; adopting new advances in technology, like artificial intelligence (AI); and clearing away outdated policies

 ([10]) إستراتيجية الأمني القومي الأمريكي
https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2025/12/2025-National-Security-Strategy.pdf

([11]) We count among our many allies and partners dozens of wealthy, sophisticated nations that must assume primary responsibility for their regions and contribute far more to our collective defense
2025 National Security Strategy

([12])It is a core interest of the United States to negotiate an expeditious cessation of hostilities in Ukraine, in order to stabilize European economies, prevent unintended escalation or expansion of the war, and reestablish strategic stability with Russia
2025 National Security Strategy

([13]) After years of neglect, the United States will reassert and enforce the Monroe Doctrine to restore American preeminence in the Western Hemisphere, and to protect our homeland and our access to key geographies throughout the region
2025 National Security Strategy

زر الذهاب إلى الأعلى