قضية إبستين في الخطاب السياسي الإسرائيلي

مقدمة
في ظل ما كشفت عنه وثائق إبستين من حقائق، وما أظهرته من فضائح تخص النخبة الغربية، برز في إسرائيل تناول سياسي وإعلامي خاص بهذه القضية.
وفي هذا السياق، جاء ما كتبه الصحفي الإسرائيلي مردخاي جيلات([1]) في صحيفة هآرتس مستعرضًا جملة من القضايا السياسية والقانونية التي تشغل المشهد الإسرائيلي الراهن، من خلال ربط سلسلة من الفضائح السياسية والأمنية بما يصفه الكاتب بحالة التفكك التي أصابت مؤسسات الحكم.
وينطلق الكاتب من تتبع وقائع محددة، إلا أنه يتجاوز سردها إلى توظيفها كمدخل لتفسير طبيعة الصراع السياسي داخل إسرائيل، وأثر تداخل المصالح الشخصية والمالية في عمل الدولة.
وفي هذا السياق، تبرز قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، لا بوصفها ملفًا منفصلًا، بل كعنصر ضمن شبكة أوسع من العلاقات التي تكشف – بحسب طرح الكاتب – أنماطًا استغلالية متكررة في سلوك النخبة السياسية الإسرائيلية، سواء داخل السلطة أو في صفوف من يقدِّمون أنفسهم كبدائل لها.
أولًا: الفضائح السياسية كمدخل تحليلي:
يتعامل جيلات في مقاله مع الفضائح السياسية والقانونية بوصفها أدوات تفسير لطبيعة النظام السياسي، لا مجرد حوادث استثنائية.
فوفق مقاله، فإن تكرار هذه القضايا وتنوع أطرافها يشير إلى خلل بنيوي في آليات الحكم، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين السلطات، وتُدار المؤسسات وفق اعتبارات شخصية وحزبية.
وفي هذا الإطار، تندرج قضية جيفري إبستين ضمن هذا النمط التفسيري، باعتبارها نموذجًا يوضح كيفية تداخل المال والنفوذ السياسي، وكيف تتحول العلاقات إلى جزء من المشهد العام دون أن تُواجَه بمُساءلة حاسمة.
هذا الطرح ينقل النقاش من سؤال: “من أخطأ؟” إلى سؤال: “كيف تعمل المنظومة؟”، وهو ما يتيح قراءة أشمل للأحداث بوصفها انعكاسًا لصراع مستمر على النفوذ داخل إسرائيل، وليس مجرد انحرافات فردية قابلة للاحتواء، وهي مقاربة يستخدمها الكاتب ضمنيًّا عند تناوله لقضية إبستين بوصفها كاشفة لآليات العمل غير المعلنة داخل النخب السياسية.
ثانيًا: مؤسسة الرئاسة واختبار النفوذ:
يتوقف المقال عند أداء رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ فيما يتعلق بالضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمطالبة بالعفو عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
يقدِّم جيلات هذه الواقعة بوصفها اختبارًا سياسيًّا لمكانة مؤسسة الرئاسة، حيث يرى أن رد الفعل المتحفظ، بل الصامت، يعكس محدودية قدرة الرئاسة على لعب دور مستقل في لحظات الصراع الحادِّ بين السلطة التنفيذية والجهاز القضائي.
وفي السياق نفسه، تُستحضر قضية إبستين كنموذج يهدف لتوظيف الضغوط الخارجية، عبر شبكات النفوذ العابرة للحدود.
ولا ينظر الكاتب إلى المسألة باعتبارها تدخلًا خارجيًّا فحسب، بل كحدث كاشف لطبيعة العلاقات داخل النظام السياسي الإسرائيلي، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع الحسابات الداخلية للنخبة الحاكمة، على نحو يشبه الطريقة التي جرى فيها التعامل مع تداعيات قضية إبستين.
ثالثًا: القضاء بين الاستقلال والتسييس:
يشكِّل ملف محاكمة نتنياهو خلفية مركزية في المقال، إذ يربط الكاتب بين محاولة التدخل في مسارها، وبين أزمة أوسع تتعلق باستقلال القضاء.
فالتشكيك في حدود قدرة المؤسسات القضائية على العمل بمعزل عن الضغوط السياسية يعكس – وفق المقال – تصاعد التوتر بين مبدأ سيادة القانون ومتطلبات البقاء السياسي.
وتُستخدم قضية إبستين في هذا السياق بوصفها مثالًا دالًّا على هذه الإشكالية، حيث يبرز التفاوت في مستوى الحزم القضائي، وحدود الملاحقة، تبعًا لطبيعة العلاقات السياسية والمالية المحيطة بالقضية، بما يعزز تسييس العدالة وانتقائية تطبيق القانون.
ويؤكد جيلات أن هذه الديناميكية لا تهدد ملفًا قضائيًّا بعينه، بل تضرب الثقة العامة في النظام القضائي، وتحوِّل العدالة إلى ساحة صراع سياسي مفتوح، وهو ما يجعل من قضية إبستين نموذجًا تفسيريًّا يساعد على فهم هذا التحول، لا مجرد قضية جانبية.
رابعًا: إبستين وإيهود باراك… البعد الرمزي للفضيحة:
يخصص الكاتب جزءًا مهمًّا من مقاله للحديث عن علاقة رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك بجيفري إبستين، مستخدمًا هذه العلاقة لتفكيك صورة “البديل السياسي” الذي يقدِّمه باراك لنفسه.
لا يركّز المقال على الجوانب الجنائية لقضية إبستين بقدر تركيزه على بعدها الرمزي، حيث تُقدَّم العلاقة كدليل على اعتماد شخصيات سياسية بارزة على شبكات مال ونفوذ خارجية للحصول على امتيازات شخصية.
وكشف المقال أن باراك، الذي يروج لنفسه بوصفه بديلًا أخلاقيًّا، استغل علاقته بإبستين، واصفًا هذا السلوك بالعار الذي يجعله يشبه نتنياهو في اعتماده على أصحاب الأموال المشبوهة لتحقيق مصالحه الشخصية، وحذر الكاتب من أن استمرار السياسات الحالية يقود إسرائيل نحو حرب أهلية أو التحول الكامل إلى “دولة فاشلة” يحكمها الفساد.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يساوي، من حيث المنهج، بين أطراف متنافسة سياسيًّا، معتبرًا أن الخلاف بينها لا يدور حول قواعد الحكم بل حول كيفية توظيف المناصب السياسية للمصالح الخاصة.
ومن خلال قضية إبستين، يعيد جيلات تسليط الضوء على دور المال السياسي غير الشفاف في تشكيل النخب الإسرائيلية، فالعلاقات مع رجال أعمال مثيرين للجدل تُقدَّم كعنصر متكرر في سلوك شخصيات من مواقع مختلفة داخل الطيف السياسي.
هذا الطرح يعكس رؤية ترى أن النظام السياسي الإسرائيلي بات يعتمد على توازنات مالية ونفوذية تتجاوز الأطر المؤسسية الرسمية، ما يحدُّ من إمكانية إحداث تغيير جوهري عبر تداول السلطة.
خامسًا: النيابة العامة وإدارة الملفات الحساسة:
يمتد النقد بالمقال ليشمل المدعي العام عميت إيسمان، حيث يتهمه الكاتب بالإسهام في تمييع التحقيقات المتعلقة بملفات حساسة، والتستر على إخفاقات الشرطة.
ويقدَّم هذا السلوك بوصفه جزءًا من نمط أوسع في إدارة القضايا ذات الطابع السياسي أو المرتبطة بنخب نافذة، حيث لا تُدار الملفات وفق منطق قانوني صرف، بل ضمن حسابات تهدف إلى احتواء الأزمات وتقليل كلفها السياسية.
في هذا السياق، تُقدَّم النيابة العامة كجزء من شبكة إدارة الأزمات السياسية، لا كجهاز مستقل يعمل وفق منطق قانوني صارم، وهو ما يعمِّق أزمة الثقة بين الجمهور ومؤسسات إنفاذ القانون.
ويربط المقال بين الأزمة السياسية والانفلات الأمني، مشيرًا إلى تصاعد الجريمة المنظمة داخل إسرائيل، وغياب قيادة مهنية للشرطة، إلى جانب انفلات المستوطنين المعروفين بـ“فتية التلال” في الضفة الغربية.
ويُفهم هذا الربط على أنه نتيجة مباشرة لضعف منظومة إنفاذ القانون، حين تتحول بعض الملفات إلى “مناطق محظورة” على المحاسبة الصارمة.
ويقدَّم هذا المشهد بوصفه نتيجة مباشرة لتراجع سلطة الدولة، حيث يؤدي ضعف المركز السياسي والقانوني إلى تعدد مراكز القوة، وتنامي العنف دون رادع فعَّال، في بيئة يصبح فيها التعامل المرن مع القضايا الحساسة مؤشرًا على اختلال أعمق داخل السلطة.
خاتمة:
يقدِّم هذا الطرح الوارد بالمقال قراءة سياسية تعرض قضية إبستين بوصفها أداة تحليلية لفهم طبيعة التحولات الجارية داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
فالقضية، كما يعرضها الكاتب، لا تقف عند حدود الفضيحة الشخصية، بل تكشف أنماطًا أوسع من تداخل المال بالسلطة، وتراجع استقلال المؤسسات، واحتدام الصراع داخل منظومة حكم مغلقة.
ومن اللافت في هذه القضية الثقيلة، أنه رغم الضجة الإعلامية الواسعة التي أثيرت حول تقرير إبستين، لم تصدر حتى الآن تقارير تحليلية بارزة من مراكز الدراسات الإسرائيلية تتناول أبعاده وانعكاساته، مع أن القضية تمس إسرائيل في جوانب متعددة سياسية وأمنية.
هذا الغياب يثير تساؤلات حول أسباب الصمت البحثي في ملف يُفترض أن يكون محل اهتمام مباشر لمؤسسات الدراسات الاستراتيجية هناك!
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى قضية إبستين بوصفها لحظة نماذجية فهي تمثل نموذجًا كاشفًا لطريقة اشتغال السلطة في إسرائيل، حيث تُستخدم العلاقات المشبوهة كوسائل نفوذ، ثم يُعاد تأطيرها سياسيًّا داخل السلطة الحاكمة، ومن هنا تكتسب القضية قيمتها التحليلية باعتبارها مرآة كاشفة لطبيعة هذه السلطة، لا حادثة منفصلة يمكن تجاوزها.
ولا ينفصل هذا السياق عمَّا يُتداول حول اسم جيفري إبستين بوصفه شخصية مرتبطة بدوائر الاستخباراتية الإسرائيلية (الموساد)، وما تقوم به على مستوى توظيف النفوذ وبناء شبكات علاقات مع نخب سياسية ومالية مؤثرة.
وعند مقاربة هذه الظواهر في إطار السنن الإلهية للتدافع الحضاري، يمكن قراءة قضية إبستين بوصفها أحد مظاهر التفكك القيمي داخل الحضارة الغربية المعاصرة، حيث تتراجع المرجعيات الأخلاقية الجامعة لصالح البراغماتية السياسية وشبكات النفوذ والمال.
فالتعامل مع القضية، سواء عبر التوظيف السياسي أو عبر محاولات الاحتواء الانتقائي في عرض الوثائق، يعكس انحدارًا في منظومة القيم الحاكمة، لا مجرد خلل في التطبيق أو المساءلة.
ومن هذا المنطلق، يبرز مجددًا أن الادعاء الغربي بالريادة الأخلاقية غير صحيح، ويكشف الحدث انعدام قدرة الغرب على تقديم نفسه كمرجعية معيارية عالمية، حيث تكشف هذه الفضائح عن هشاشة المنظومة الغربية مما يقوض مصداقيتها أمام العالم.
ويبرز هذا المشهد ضمن سياق أوسع من التدافع القيمي بين الحضارة الغربية، التي تواجه تحديات داخلية تمس أسسها الأخلاقية، والحضارة الإسلامية التي تقوم، في تصورها القيمي، على مركزية العدل، والمساءلة، وربط السلطة بالأخلاق لا بالمصلحة المجردة.
وتتوازى هذه الدلالات مع مؤشرات واضحة لضعف المؤسسات الإسرائيلية من الداخل، حيث يُلاحظ من خلال هذا الرصد تراجع استقلالية القضاء أمام الضغوط السياسية، وانتشار الفساد الإداري في مواقع القرار.
في هذا السياق، لا يشكل الهروب إلى حروب الخارج حلًّا حقيقيًّا، بل يبرز عجز إسرائيل عن معالجة أزماتها، وقد يدل هذا الارتفاع الهش لها حاليًّا على أنها الشرارة الأخيرة لبقائها!
([1]) مردخاي جيلات (مردخاي جيلات) صحفي يعمل في جريدة هآرتس، معروف بتحليله النقدي للقضايا السياسية والقانونية داخل إسرائيل، ويتبنى توجهًا سياسيًّا يميل إلى اليسار الليبرالي.
https://www.haaretz.co.il/opinions/2026-02-21/ty-article-opinion/.premium/0000019c-764f-db1e-a3fd-f75fee780000






