كيف تحول مطار طابا المصري لجسر استراتيجي لإسرائيل خلال الحرب مع إيران؟

مقدمة:
تُعد العلاقات المصرية الإسرائيلية نموذجًا مركبا يستحق المتابعة المكثفة خاصة خلال الحرب الحالية، وغالبًا ما تخفي الخلافات السياسية المعلنة ملفات تعاونية ثابتة في مجالات الأمن واللوجستيات والبنية التحتية لا تتأثر بتقلبات الخطاب الإعلامي بين القاهرة وتل أبيب.
وتبرز تقارير إسرائيلية هذا الجانب ومنها تقرير صادر عن صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، ومؤرخ في الرابع من مارس عام 2026 ([1])، وآخر صادر عن جريدة “معاريف” ([2]) وثالث صادر عن تايمز أوف إسرائيل ([3]) كشواهد على هذه الديناميكية، حيث يكشف عن تحول مطار طابا الدولي من منشأة سياحية شبه مهجورة إلى شريان حياة استراتيجي لإسرائيل في ظل أزمة طيران غير مسبوقة.
ويهدف هذا التقدير إلى عرض المضامين الواردة بها، والتي يظهر منها أنه رغم ما يدور من خلافات في الظاهر بين الجانبين المصري والإسرائيلي، إلا أنه هناك ملفات ثابتة بين الطرفين، خاصة في مجالات الأمن واللوجستيات والبنية التحتية، والتي تظل قيد التشغيل الفعلي عند الحاجة الملحة.
وقد استعرض تقرير “يديعوت أحرونوت” تفاصيل الحدث وتاريخ المطار، منذ إنشائه كقاعدة عسكرية إسرائيلية وحتى تحوله إلى منفذ مدني مصري ثم عودته ليؤدي دورًا حيويًا في إنقاذ الإسرائيليين، ما يعكس عمق التشابك العملي بين الجانبين، ويؤكد أن البنية التحتية التي بُنيت لأغراض الحرب في الشرق الأوسط يمكن أن تتحول فورًا إلى أهم جسر عبور في المنطقة، مما يستدعي بيانًا متأنيًا لمعرفة الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية الكامنة وراء هذا الحدث.

1. أزمة الطيران الإسرائيلي وحل مطار طابا كمنفذ آمن
يشير تقرير “يديعوت أحرونوت” إلى أنه في خضم فوضى الطيران الحالية التي شهدتها المنطقة، وجد ما بين مئة ألف ومئة وخمسين ألف إسرائيلي أنفسهم عالقين خارج حدود إسرائيل دون سبيل واضح للعودة إلى ديارهم، وهو وضع استلزم البحث عن حلول بديلة عن المطارات التقليدية.
وبينما كان الحل المعتمد خلال حرب الأيام الاثني عشر، يتمثل في الوصول إلى مطار شرم الشيخ أو الفرار إليه، فقد ظهر في هذه المرة حل أقرب وأكثر أمانًا يتمثل في هضبة جبلية معزولة في قلب جبال سيناء الجرانيتية، على بُعد مسافة قصيرة بالسيارة من معبر إيلات الحدودي.
وبناءً على ذلك، أصبح مطار طابا الدولي، الذي يخدم عادةً عددًا قليلاً من رحلات الطيران الأوروبية، بمثابة منفذ خلفي وبديل لمطار بن غوريون في هذه الأيام الحرجة، حيث يجد الواصلون إلى الصالة الصغيرة مسؤولين مصريين في قاعة متواضعة بدلاً من منطقة السوق الحرة الصاخبة والمألوفة في مطار بن غوريون، ومن هناك يتابع المسافرون رحلتهم عبر وسائل نقل منظمة إلى معبر طابا الحدودي ليعبروه سيرًا على الأقدام إلى إسرائيل، وهو طريق أقصر بكثير من الوصول عبر شرم الشيخ الذي يُعتبر أكثر خطورة وغير مُوصى به من قِبل هيئة الأمن القومي الإسرائيلية.
2.الجذور التاريخية لمطار طابا وإنشاؤه كقاعدة عسكرية استراتيجية إسرائيلية
تبدأ قصة مطار طابا قبل رحلات الإنقاذ المقررة عام 2026 بزمن طويل، وهي جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الإسرائيلية، فقد أنشأت إسرائيل المطار عام 1972 خلال فترة سيطرتها على شبه جزيرة سيناء بعد حرب الأيام الستة، وكان يُعرف آنذاك باسم قاعدة “عتسيون” الجوية.
وتطلبت الظروف الجغرافية الفريدة للمطار، حيث يرتفع حوالي 750 مترًا فوق مستوى سطح البحر، مدرجًا ضخمًا يبلغ طوله قرابة 4000 متر، وأصبح هذا المدرج رمزًا تاريخيًا في السابع من يونيو عام 1981 عندما أقلعت منه ثماني طائرات من طراز إف-16 تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي في عملية “أوبرا” لتدمير المفاعل النووي في العراق، حيث حمل الطيارون أقصى وزن ممكن من الوقود والقنابل على متن طائراتهم مما استلزم إقلاعًا بطيئًا ومثيرًا للأعصاب استغل كل شبر تقريبًا من المدرج الطويل، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية القصوى التي أوليتها إسرائيل لهذه المنشأة منذ بدايتها.
3. معاهدة السلام وتسليم المنشأة
بعد توقيع معاهدة السلام مع مصر عام 1979، جرى إخلاء القاعدة الإسرائيلية في أبريل 1982 وتسليمها إلى مصر، والتي حولتها إلى منشأة مدنية وأطلقوا عليها في البداية اسم “مطار النقب”، إلا أن الحالة الجيوسياسية المحيطة بطابا لم تنتهِ عند هذا الحد، فقد ادعت إسرائيل وفقًا للحدود الأصلية عام 1906 أن النقطة الساحلية لطابا تابعة لها، بينما قالت مصر إن إسرائيل قد نقلت أحجار الحدود التاريخية، مما خلق نزاعًا حدوديًا دقيقًا تطلب لدى الجانبين تدخلاً دوليًا لحسمه، وهو ما يعكس حساسية الموقع الجغرافي والسياسي لهذه النقطة الحدودية بين الدولتين.
4. التحكيم الدولي وحكم محكمة العدل لحسم سيادة طابا
أجرى فريقٌ من 24 خبيرًا مصريًا، من بينهم رسامو خرائط ومؤرخون، تحكيمًا دوليًا مطولاً مع إسرائيل حول النقطة نفسها، إلى أن أصدرت محكمة العدل الدولية في جنيف حكمًا لصالح مصر في سبتمبر 1988، وفي مارس 1989 رفع العلم المصري في طابا، وحسم الأمر حول مسألة السيادة وأكد الطابع المصري للمنشأة، وهو بحسب ما جاء في التقرير حدث محوري في تاريخ العلاقات المصرية الإسرائيلية.
5. إعادة التشغيل والرؤية السياحية

في عام 2000، قررت الحكومة المصرية إعادة تشغيل المنشأة الصحراوية، وأُعيد افتتاحه باسم “مطار طابا الدولي”، واستُبدلت مبانيه الخرسانية العسكرية بمبنى حديث ذي طابع معماري محلي يجمع بين القباب والأقواس والحجر المحلي بألوان مخصصة والطين المحروق، بهدف دمج المبنى مع جبال الجرانيت المحيطة به، وصُمم المطار ليكون بمثابة شريان الحياة لـ”مرتفعات طابا”، وهي مدينة منتجعية مستقلة بُنيت من الصفر تقريبًا على مساحة ملايين الأمتار المربعة من الرمال، وتضم بحيرات اصطناعية وملاعب غولف خضراء في قلب الصحراء، مما يعكس طموحًا مصريًا لتحويل المنطقة إلى وجهة سياحية عالمية متطورة.
6. الموقع الجيوسياسي والتقني لمطار طابا وإمكاناته التشغيلية
ويؤكد تقرير ” يديعوت أحرونوت” أن مطار طابا والذي يعد الآن في مارس 2026 شريان حياة للطيران الإسرائيلي ليس من قبيل الصدفة، بل نتيجة لموقعه الجيوسياسي الفريد على هضبة مرتفعة بارتفاع حوالي 2400 قدم فوق مستوى سطح البحر، حيث يطل على أضواء إيلات شمالًا، وظلال جبال أدوم الأردنية شرقًا، وأفق السعودية جنوبًا، إلى جانب الصحراء المصرية الشاسعة المحيطة به، ما يمنحه مجالًا جويًا هادئًا نسبيًا بعيدًا عن ازدحام المدن، ويبرر اختياره كنقطة عبور استراتيجية آمنة.
ويعرض الجانب التشغيلي للمطار بما يحتويه من مبنى الركاب المكون من طابق واحد وببوابة صعود واحدة وسعة استيعابية تبلغ حوالي 600 مسافر في الساعة مع قوة بنيته التحتية الجوية، إذ يمتد المدرج الإسفلتي الرئيسي لمسافة تقارب 4000 متر، ويتيح هبوط وإقلاع الطائرات التجارية الثقيلة، وهو إرث من أيامه كقاعدة عسكرية مصممة للمهام الاستراتيجية، ما يبرز الفارق بين القدرة التشغيلية العالية للمدرج والبنية البسيطة لمبنى الركاب.
وعلى صعيد التطوير التكنولوجي، استثمرت السلطات المصرية موارد ضخمة في تحديث أنظمة إدارة الحركة الجوية والرادار، مثل تحديثات شركة تاليس الفرنسية عام 2016، ما مكّن المطار من التعامل مع حركة كثيفة للطائرات بأمان في بيئته الجبلية الوعرة.
كما تم تجهيز المطار منذ نوفمبر 2000 بإضاءة ليلية كاملة، مما يجعل تشغيله متاحًا على مدار الساعة، مخالفًا الاعتقاد السائد بأن استخدامه يقتصر على الهبوط النهاري فقط، وهو ما يعكس الدمج بين البنية التحتية العسكرية القديمة والإمكانات المدنية الحديثة لضمان استمرارية العمل في أي ظرف.
7. التحديات الأمنية والكوارث الطبيعية وتأثيرها على مطار طابا
ويذكر تقرير ” يديعوت أحرونوت” أن الواقع الجيوسياسي فرض سيناريو لا يتوافق ومضاد للرؤية السياحية للمنطقة، فقد ألحقت سلسلة من الأحداث، بما فيها هجمات مسلحة في عامي 2004 و2014، ضرراً بالغاً بحركة المسافرين، وفي عام 2014 كذلك حيث اجتاحت فيضانات عارمة جنوب سيناء وجرفت أجزاءً من الطرق وأغلقت تماماً الوصول إلى المطار، ونتيجة لذلك انخفضت الأعداد بشكل حاد، ففي عام واحد فقط بين عامي 2014 و2015 تراجعت حركة المسافرين بنسبة 67% من حوالي 41 ألف مسافر سنوياً إلى 13 ألف مسافر فقط، مما يظهر هشاشة القطاع السياحي أمام المتغيرات الأمنية والبيئية.
8. المعوقات اللوجستية ودور مطار طابا كجسر إستراتيجي
ويشير تقرير ” يديعوت أحرونوت” إلى أن سبب تركيز رحلات الجارية حاليًا خلال النهار ليس له علاقة بالتكنولوجيا بل باللوجستيات والأمن، إذ تتطلب الإجراءات الأمنية الصارمة في شبه جزيرة سيناء والحاجة إلى نقل مئات الركاب بالحافلات عبر الحدود بأمان تركيز الرحلات الجوية خلال ساعات النهار، وهو ما يبرز أن العائق ليس تقنيًا بل إجرائيًا يتعلق بضمان سلامة المسافرين في المنطقة الحدودية الحساسة.
ويؤكد الكاتب أنه في نهاية المطاف يُعد مطار طابا بمثابة “بوابة جانبية” في أوقات الحاجة المُلحة، ويُعدّ النقل السريع للركاب من الطائرة إلى الحافلات المنتظرة عند مدخل المطار والرحلة التي تستغرق 45 دقيقة إلى الحدود جزءًا من منظومة متكاملة تجمع بين البنية التحتية المصرية الحديثة وحاجة إسرائيل المُلحة للإنقاذ، ويُثبت هذا المجال الذي شهد صراعات على السيادة وركودًا سياحيًا مرة أخرى أن البنية التحتية التي بُنيت لأغراض الحرب يُمكن أن تُصبح على الفور أهم جسر مدني في المنطقة.
تعقيب مركز رؤيا
إن التحليل المعمق لمضمون التقارير المذكورة حول مطار طابا يكشف عن طبقات متعددة من الدلالات السياسية والأمنية التي تتجاوز الحدث الآني لأزمة الطيران لإسرائيل في عام 2026.
أولاً، تؤكد التقارير فرضية “الملفات الثابتة” بين مصر وإسرائيل، حيث يظهر أن التعاون الأمني واللوجستي لا يتوقف حتى في فترات الفتور السياسي أو عدم الاستقرار الإقليمي، فالمطار الذي كان يومًا قاعدة عسكرية إسرائيلية ثم منشأة مدنية مصرية عاد لخدمة المصالح الإسرائيلية في لحظة الأزمة والحرب، مما يشير إلى وجود تفاهمات ضمنية عميقة الجذور تتجاوز الخطابات العلنية.
ثانيًا، تبرز التقارير هشاشة الوجهة السياحية المصرية خلال الحرب، حيث تحول المطار من مشروع إلى منفذ للمرور، وهو تحول يعكس أولوية الاعتبارات الأمنية على المكاسب الاقتصادية في أوقات الطوارئ.
وبذلك تسلط التقارير الضوء على استمرار التعاون بين مصر وإسرائيل رغم ما قد يتداول عن وجود توتر أو خلافات سياسية بين الطرفين، حيث يُظهر الواقع أن الملفات الأمنية واللوجستية المشتركة تظل قائمة وتتطور بشكل مستمر، خاصة في المناطق الحدودية الحساسة.
فحتى عندما تتباين الخطابات السياسية والمواقف الإعلامية، يظل هناك تنسيق عملي غير معلن لضمان استمرارية حركة النقل وحماية الإسرائيليين، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتسهيل مرور الركاب، وضمان جاهزية البنية التحتية للطوارئ.
هذا الاستمرارية في التعاون تشير إلى أن العلاقة بين الطرفين ليست أحادية البعد، بل ترتكز على علاقات استراتيجية وهذه الديناميكية ليست في صالح مصر أو محيطها العربي، لأنها تقيد القدرة على التحرك السياسي المستقل وتعطي إسرائيل وضعًا آمنا وأفضلية استراتيجية وأمنية في فترات الأزمات.
في الختام، يفرض هذا التطور تداعيات سياسة وأمنية مهمة، إذ قد يُنظر لهذه الخطوة المصرية سياسيًا باعتبارها انحيازًا عمليًا في سياق صراع أوسع، الأمر الذي قد يعرقل أي مسار تقارب بين القاهرة وطهران، خاصة وأن مصر كانت قد أبدت قبل اندلاع الحرب حرصًا على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع إيران وتخفيف حدة القطيعة التاريخية، فالحروب تترك آثارًا ممتدة في الذاكرة السياسية، ولا تُطوى صفحاتها بسهولة، خصوصًا حين تتداخل المصالح الأمنية المباشرة.
كما أن توظيف مطار طابا في سياق أزمة مرتبطة بحرب مفتوحة يطرح مخاطر أمنية إضافية، إذ قد يجعله في حال تصاعد العمليات العسكرية هدفًا محتملًا لأي توسيع في نطاق الضربات، بحكم رمزيته ووظيفته اللوجستية.
وفي حال امتداد المواجهة إقليميًا، فإن ذلك قد يعرّض منطقة جنوب سيناء لهجمات، وهو الأمر الذي يمثل خطورة مباشرة على الأمن الداخلي المصري.
([1])https://www.ynet.co.il/vacation/flights/article/h1d2yqekwx
([2])https://www.maariv.co.il/lifestyle/travel/article-1290965
([3])https://www.timesofisrael.com/on-first-day-of-repatriation-flights-3500-israelis-fly-home-amid-iran-missile-alerts/






