إصداراتتقدير موقف

هل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تتجه نحو الاحتواء أم التوسع؟

الإجابة تحتاج أولا الوقوف على الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة من الحرب، ولماذا شاركت إسرائيل في شن الحرب على إيران؟

سؤال بديهي وضروري لمعرفة متى تنتهي هذه الحرب المشتعلة، والآخذة في التوسع. الرئيس ترامب وإدارته يقدمون أسبابا مختلفة، بل ومتناقضة ولا يستطيعون أن يتفقوا على رواية واحدة متماسكة.

إن شأن الحرب أهم وأخطر من أن يكون تبعا لمجموعة آراء تُقدم كحزمة غامضة.

  • قدم ترامب في بداية الحرب، «خليطا» بين الحديث عن إسقاط النظام، والقضاء على البرنامج النووي، ووقف تهديد الصواريخ الباليستية
  • ترامب نفسه قال وردد كثيرا إن البرنامج النووي الإيراني «تم تدميره»، لكن واشنطن تبرر الضربات الآن بأنها لمواجهة نفس البرنامج. وبالنسبة للصواريخ فإن الخبراء في وكالات الاستخبارات المختلفة في أمريكا يرون أن إيران ما زالت بعيدة سنوات عن امتلاك صواريخ تصل إلى الأراضي الأمريكية
  • أكد وزيرا الحرب والخارجية بشكل قاطع أن تغيير النظام الحاكم في إيران ليس من أهداف الحرب!

الإشكال أن كل سبب منها يعني استراتيجية مختلفة ونهاية مختلفة للحرب؛ فإذا كان الهدف إسقاط النظام فهذه حرب طويلة، وإذا كان الهدف فقط تدمير قدرات صاروخية أو ردع هجوم محدد فهذه عملية أضيق بكثير.

  • لعل ما قاله وزير الخارجية روبيو بأن الضربات كانت استباقية لأن واشنطن علمت أن إسرائيل ستهاجم إيران، وأن إيران بالتالي سترد على القوات الأمريكية في المنطقة، فبادرت أمريكا بالهجوم لتقليل الخسائر في صفوفها! وهذا ما نقلته جهات عديدة بعد لقاء ترامب نتنياهو في ديسمبر الماضي، حيث أبلغه نتنياهو أنه سيهاجم إيران بمشاركة الولايات المتحدة أو بدونها
  • تغيّر الخطاب بين لوم إسرائيل أو نسب الفضل لها، وبين التركيز مرة على تغيير النظام وأخرى على النووي أو الصواريخ، يضرب مصداقية الولايات المتحدة لأن الإدارة لا تستطيع أن تحافظ على رواية واحدة متسقة.
  • الإشكال أن كل سبب منها يعني استراتيجية مختلفة ونهاية مختلفة للحرب؛ فإذا كان الهدف إسقاط النظام فهذه حرب طويلة، وإذا كان الهدف فقط تدمير قدرات صاروخية أو ردع هجوم محدد فهذه عملية أضيق بكثير.​
  • تقدم إدارة ترامب لأكثر من قصة لتبرير الحرب، وهذه القصص لا تنسجم مع بعضها، مما يضعف المصداقية ويثير الشك حول الهدف الحقيقي​. ومع دخول الحرب أسبوعها الثاني يتأكد أن أحد الدوافع الحقيقية للهجوم هو أن إيران في وضع ضعف بعد ضربات سابقة، ما يجعل اللحظة مواتية لأمريكا وإسرائيل لمحاولة «إنهاء المهمة» بأقل كلفة محتملة على القوات الأمريكية. إن كان هذا هو السبب الحقيقي لشن الحرب فإنه لا يتناسب مطلقا مع حجم المخاطر والاحتمالات المفتوحة لهذه الحرب.
  • لقد توقعنا أن تضع إفادة وزير الخارجية روبيو في الكونجرس النقاط على الحروف، ولكن إفادته لم تعالج التناقض بين قول ترامب إن البرنامج النووي الإيراني «تم إنهاؤه» وبين استخدام هذا البرنامج نفسه كمبرر للهجوم، ولم تحسم مسألة: هل الهدف تغيير سلوك النظام أم تغيير النظام نفسه؟ لذلك تبقى إفادته جزءًا من «السردية العامة» التي تكرر عناوين مثل الردع وحماية القوات والأمن القومي، لكنها لا تزيل التعارض بين المبررات المختلفة. لقد انسجمت إفادة روبيو مع الخط الرسمي الذي يربط الضربات بحماية الجنود ومنع هجمات مستقبلية، لكنه لم يفسّر بدقة ما هي «نهاية المغامرة» ولا متى يمكن القول إن واشنطن حققت ما تريده.

دروس العراق وأفغانستان تؤكد أن «القتل وحده لا يحقق النصر»، ومع ذلك فكل تصريحات ترامب تقريبا تحاول القول بأن القتل والإمعان في القتل سيحققان النصر ويوفران السلام للعالم!

  • في غياب معايير واضحة للنجاح أو أدلة قوية على تهديد وشيك، يصبح من غير الواضح متى ستعتبر واشنطن أن أهدافها تحققت، وكيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب إذا لم تُبدِ إيران استعدادًا للتراجع​.
  • دروس العراق وأفغانستان تؤكد أن «القتل وحده لا يحقق النصر»، ومع ذلك فكل تصريحات ترامب تقريبا تحاول القول بأن القتل والإمعان في القتل سيحققان النصر ويوفران السلام للعالم!

إن اللحظات التي يكثر فيها الضجيج السياسي هي بالضبط اللحظات التي نحتاج فيها إلى مؤشرات موضوعية بدل استقصاء التصريحات اليومية والأحداث الجزئية فقط.

في الدراسات الاستراتيجية، هناك علامات متكررة تظهر عندما تحاول الدول إبقاء الحرب محدودة، منها:

  • بقاء الأهداف العسكرية محدودة: وذلك بضرب منشآت أو قدرات محددة مع تجنب ضرب البنية التحتية المدنية الواسعة، وتجنب مراكز القيادة السياسية العليا، لأن هذا يعني أن الهدف هو تغيير ميزان ردع وليس إسقاط الدولة.
  • استمرار قنوات الاتصال الخلفية: فحتى في الحروب، غالبًا ما تبقى هناك قنوات استخباراتية، وساطة دول ثالثة ورسائل غير علنية. إن وجود هذه القنوات علامة على أن الأطراف تريد منع الانزلاق الكامل.
  • ضبط مشاركة الحلفاء: إذا لاحظنا أن حلفاء أمريكا يكتفون بالدعم السياسي أو اللوجستي ولا يدخلون عسكريًا بشكل مباشر (مثل دول أوروبا) أو يكتفون بخطوات دفاعية وتجنب إجراءات هجومية (مثل دول الخليج)، فهذا غالبًا مؤشر على رغبة في حصر الصراع.
  • تجنب ضرب الاقتصاد العالمي مباشرة: مثلاً عدم استهداف طرق الطاقة العالمية وعدم تعطيل الملاحة بشكل واسع، فهذا مؤشر على أن الأطراف لا تريد تدويل الأزمة اقتصاديًا.
  • ظهور خطاب سياسي أو تلميحات عن “مخارج”: فعندما يبدأ الحديث عن وقف إطلاق نار، أو تسويات أو مفاوضات غير مباشرة، فهذا غالبًا يعني أن الأطراف وصلت إلى نقطة اختبار القوة وتبحث عن مخرج.

على الجانب الآخر، وتقريبا على عكس مؤشرات الاحتواء، هناك علامات واضحة تشير إلى خطر التصعيد الرأسي والتمدد الأفقي، منها:

  • توسع الأهداف العسكرية: وذلك إذا بدأ ضرب منشآت الطاقة، البنية التحتية المدنية والمدن الكبرى، فهذا يعني أن الحرب تدخل مرحلة الضغط الشامل.
  • دخول حلفاء بشكل مباشر: عندما تبدأ قوات جديدة في الدخول لجبهات إضافية (مثل أن تبدأ دول خليجية مهاجمة إيران، أو يبدأ الحوثيون في ضرب إسرائيل أو عرقلة الملاحة في البحر الأحمر)، فهذا مؤشر على أن الصراع قد يتحول حرفيا إلى حرب إقليمية أو ما هو أبعد.
  • تعبئة عسكرية واسعة: مثل حشد قوات برية كبيرة، استدعاء احتياط واسع ونقل حاملات طائرات إضافية، فهذا يشير إلى أن الحرب قد تنتقل من ضربات محدودة إلى مواجهة أكبر.
  • تعطيل الاقتصاد العالمي: إذا بدأنا نرى إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، وصدمات نفطية كبيرة، فهذا عادة علامة على أن الحرب خرجت عن السيطرة الإقليمية.
  • ظهور بوادر تدخل قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إما بتصريحات سياسية مباشرة، أو تسريبات متعمدة لدعم عسكري أو استخباراتي.

وقت كتابة هذا التقدير – في اليوم الحادي عشر للحرب – تبدو مؤشرات التوسع غالبة، واحتمالاتها أكبر.

المقصود هنا بحرب أكبر من مجرد توسعة العمليات الحالية. بالنظر للتاريخ لا توجد لحظة واحدة محددة لتوسع الحرب أو انفلاتها، لكن هناك مجموعة علامات متكررة ظهرت في معظم الحروب الكبرى عندما بدأت تنفلت من الحسابات الأولية. من المفيد هنا عرض هذه العلامات حتى نستطيع القياس عليها في الحرب المشتعلة حاليا:

  1. عندما تنتقل الحرب من أهداف محدودة إلى أهداف وجودية: في البداية تدخل الدول الحرب عادة بهدف محدود مثل: ردع الخصم، استعادة توازن الردع، تدمير قدرة عسكرية معينة أو فرض شروط تفاوضية قاسية، وهذه كلها ما تراوح حولها الخطاب الأمريكي، لكن الحرب تبدأ بالخروج عن السيطرة عندما يتحول الخطاب أو القرار إلى: إسقاط النظام بالكامل أو استسلامه غير المشروط، إذلال الدولة الأخرى أو إعادة تشكيل أو هندسة النظام الإقليمي. هذه الأهداف غالبًا تتطلب تصعيدًا مستمرًا لأن إيران في هذه الحالة سترى نفسها في معركة بقاء. التاريخ يبين أن الحروب تصبح أخطر عندما يشعر أحد الأطراف أنه ليس لديه ما يخسره.
  2. عندما يبدأ طرف ثالث بالدخول بشكل مباشر لا مجرد إسناد أو دعم، لأن حل إشكال بين طرفين أسهل من حله بين أطراف عديدة. كثير من الحروب المحدودة خرجت عن السيطرة بسبب توسع دائرة الأطراف. من الأمثلة التاريخية البارزة:
  3. الحرب العالمية الأولى بدأت بنزاع محدود في البلقان
  4. حرب كوريا توسعت عندما تدخلت الصين

⁠تعبئة عسكرية واسعة: مثل حشد قوات برية كبيرة، استدعاء احتياط واسع ونقل حاملات طائرات إضافية، فهذا يشير إلى أن الحرب قد تنتقل من ضربات محدودة إلى مواجهة أكبر.

          كلما دخلت أطراف جديدة يصبح من الصعب: ضبط الأهداف أو تنسيق وقف التصعيد.

  • عندما تبدأ الضربات ضد البنية الاقتصادية الكبرى. فإن الحروب تصبح أخطر بكثير عندما تنتقل من ضربات عسكرية إلى ضرب الاقتصاد الوطني، مثل: منشآت الطاقة، الموانئ، شبكات النقل والبنية التحتية الحيوية من الماء والكهرباء والاتصالات هذه الضربات تدفع الدول إلى الرد بقوة أكبر لأنها تمس الاستقرار الداخلي وليس فقط القدرات العسكرية.
  • عندما تختفي تماما قنوات الاتصال الخلفية، وحتى في أسوأ الحروب غالبًا توجد قنوات اتصال غير علنية. هذه القنوات تسمح بتوضيح النوايا، بتجنب سوء الفهم وبتمرير رسائل ردع. عندما تتوقف هذه القنوات تصبح احتمالات سوء التقدير أعلى بكثير. التاريخ مليء بحروب تصاعدت بسبب سوء فهم نية الطرف الآخر.
  • عندما يصبح الخطاب السياسي أسيرًا للجمهور، وهذه نقطة مرتبطة بحالة غرور القوة التي تغمر ترامب وإدارته. فعندما يرفع ترامب سقف التصريحات كثيرًا فقد يقع فيما يسميه الباحثون “فخ المصداقية”، أي أنه يصبح مقيدًا بخطابه، فإذا تراجع يبدو ضعيفًا، وإذا صعّد قد يدخل حربًا أكبر مما أراد. وهذه النقطة تحديدا مرشحة لدفع الحرب الحالية إلى التصعيد والمجهول.
  • عندما يبدأ القادة في الاعتقاد أن الخصم سينهار بسرعة، وهي علامة كلاسيكية في التاريخ. كثير من الحروب بدأت على فرضية: “الطرف الآخر سينهار سريعًا”، لكن عندما لا يحدث ذلك، تبدأ الدول في زيادة التصعيد تدريجيًا لتعويض الحسابات الخاطئة. وهنا تصبح الحرب عملية تدحرج يصعب إيقافها.
  • عندما تدخل العوامل الاقتصادية العالمية، إذ الحروب الإقليمية قد تبقى محدودة إذا لم تمس الاقتصاد العالمي. لكن عندما تؤثر الحرب على الطاقة، التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، فعندها تدخل قوى دولية أخرى في المعادلة، وقد يصبح الصراع أكبر من الأطراف الأصلية.

أحد أشهر دروس التاريخ العسكري أن الحروب نادرًا ما تنتهي كما خطط لها القادة في البداية، وأن القوة العسكرية قد تمنح القدرة على بدء الصراع، لكنها لا تمنح السيطرة الكاملة على تفاعلاته السياسية والاقتصادية.

لهذا السبب تحاول الدول غالبًا إبقاء أهدافها محدودة، حتى لو كان الخطاب العام يبدو متشددًا. ومع ذلك، فهناك فرق كبير بين الخطاب التفاوضي المتشدد، والخطاب المتغطرس، فالأخير – كخطابات ترامب – قد يدفع إلى مغامرات غير محسوبة. البعض لا يزال يعول على أن الأنظمة السياسية الكبيرة لا يتحكم فيها شخص واحد فقط، بل شبكة مؤسسات وحسابات معقدة غالبًا ما تعمل على كبح التصعيد عندما يقترب من حدود الخطر.

كلما دخلت أطراف جديدة يصبح من الصعب: ضبط الأهداف أو تنسيق وقف التصعيد.

وهذا صحيح إلى حد بعيد، إذ الدولة الأمريكية تتمتع بمؤسسات قوية ومتماسكة، إلا أن المُشاهَد منذ بداية الحرب أن قرار ترامب بخوضها أحدث انقسامات حادة في الداخل الأمريكي، علاوة على الاستقطاب القائم بالفعل، ما قد يزيده عنادا وتصلبا وحصرا للاستماع فقط لتقديرات متفائلة وتقارير تؤكد القدرة، وهذا قد يخلق فجوة مع الواقع.

إن احتمالات توسع الحرب حاليا أكبر من احتمالات احتوائها وكبحها، وأما احتمالات تحولها لحرب كبرى فتبدو ضئيلة.

د. محمد هشام راغب

زر الذهاب إلى الأعلى