إسرائيل من الداخلملفات

التحركات المصرية في الخليج والعلاقات مع الإمارات من منظور إسرائيلي

يتناول هذا التقرير قراءتين إسرائيليتين مترابطتين حول موقع مصر في الترتيبات الأمنية والإقليمية الراهنة.

تركز الورقة الأولى على الدور العسكري المصري في الخليج وحدود انخراط القاهرة في منظومات الدفاع الإقليمية التي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى بنائها لمواجهة التهديدات الإيرانية، بينما تتناول القراءة الثانية طبيعة العلاقات المصرية الإماراتية وما يعتريها من تباينات في عدد من الملفات الإقليمية رغم استمرار المصالح المشتركة بين الطرفين.

وتُجمع القراءتان على أن السياسة المصرية تتحرك وفق اعتبارات الحفاظ على التوازنات وتجنب الالتزامات الاستراتيجية التي قد تفرض عليها أثمانًا سياسية أو أمنية.

 كما تعكسان اهتمامًا إسرائيليًّا متزايدًا بمتابعة التحركات المصرية في الخليج، باعتبارها ملفات مؤثرة في التوازنات الإقليمية وفي مساعيها لبناء منظومة أمنية إقليمية جديدة.

  • المصدر: موقع “واي نت جلوبال” – النسخة الإنجليزية، بقلم الكاتب المغربي “أمين أيوب”، بتاريخ 28 مايو 2026. ([1])  
  • المحتوى:

تسعى السلطة المصرية إلى ترسيخ نفسها بوصفها مزودًا لا غنى عنه للأمن الخليجي، لكنها في الوقت ذاته تتجنب بعناية شديدة الاصطفاف الرسمي مع البنية الدفاعية الإقليمية التي تجعل إسهاماتها أكثر اتساقًا وفعالية من الناحية الاستراتيجية.

وعندما أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية في 7 مايو أن عبد الفتاح السيسي قام شخصيًّا بتفقد سرب مقاتلات مصرية متمركز في دولة الإمارات، لم تقل الحكومة المصرية شيئًا على الإطلاق؛ لا تأكيدًا، ولا نفيًا، ولا أي توضيح للسياق المحيط بهذه الزيارة.

وفي وقت لاحق، أبلغ مصدر سياسي مصري رفيع المستوى الصحفيين أن القوات المصرية موجودة ليس فقط في الإمارات، بل في أربع دول خليجية أخرى، وقد نُشرت بشكل استباقي من دون انتظار طلب رسمي.

ومنذ ذلك الحين، حافظت الحكومة المصرية على صمت متعمد، معللة ذلك بـ “التوازنات الإقليمية” ودور القاهرة الذي نصبت نفسها فيه كوسيط دبلوماسي.

وبغض النظر عن دوافع الإمارات من هذا الإعلان، فقد أظهر هذا الكشف عن تناقض استراتيجي عميق في صميم السياسة الأمنية المصرية، وهو أمر لا يهم مصر ودول الخليج فحسب، بل إسرائيل أيضًا.

إن النتيجة المباشرة لهذا التوجه المصري هي انتشار عسكري مفيد من الناحية التكتيكية المحدودة، لكنه غير مكتمل استراتيجيًّا، إذ يترك أهم الثغرات في منظومة الردع الإقليمية مفتوحة في المواقع التي تحتاج إلى سدها.

إن الدوافع وراء هذا الانتشار العسكري حقيقية وملموسة، فقد تابعت دول الخليج تراجع المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة، كما أن الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية الإيرانية ضربت بنى تحتية في أنحاء شبه الجزيرة العربية بوتيرة متزايدة وبمستويات أعلى من التطور التكنولوجي.

وقد سعى مجلس التعاون الخليجي، الذي يضم البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات، بهدوء إلى إقامة علاقات دفاعية إضافية مع جيوش عربية قادرة، إذ توفر الطائرات المقاتلة المصرية قدرة حقيقية على مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة التي تمثل الأداة الرئيسة التي تستخدمها إيران للضغط والإكراه ضد البنية التحتية الخليجية.

فدول الخليج تحتاج إلى أنظمة صواريخ أرض-جو وإلى أصول جوية قادرة على اعتراض المنصات غير المأهولة، ومصر تستطيع توفير الاثنين معًا.

ويرى الكاتب أن مصر أصبحت جزءًا من البنية الأولية لشبكة دفاع جوي إقليمية تقودها الولايات المتحدة لمواجهة التهديدات الإيرانية، مستندًا إلى الاجتماع الأمني الذي عُقد في شرم الشيخ عام 2022 وضم مسؤولين عسكريين من عدد من الدول العربية ومصر وإسرائيل، فضلًا عن توقيع القاهرة مذكرة التوافقية الأمنية والاتصالات (CISMOA) مع واشنطن عام 2018، ثم انتقال إسرائيل إلى نطاق عمل القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عام 2021.

وبحسب المقال، فإن هذه التطورات أوجدت بيئة عملياتية مشتركة تضم مصر وإسرائيل بصورة غير مباشرة، إلا أن القاهرة ترفض الانتقال من مستوى التنسيق المحدود إلى الاندماج الكامل داخل هذه المنظومة، نظرًا للحساسيات السياسية المرتبطة بأي تعاون عملياتي معلن مع إسرائيل، وما قد يترتب عليه من تداعيات داخلية وإقليمية، فضلًا عن الحرص على تجنب ردود فعل إيرانية سلبية.

ويعتبر الكاتب أن هذا الموقف يجعل الدور المصري مقتصرًا على توفير دعم دفاعي محدود لدول الخليج، دون الإسهام في بناء منظومة ردع إقليمية متكاملة، الأمر الذي يمنح إيران هامشًا للاستمرار في اختبار القدرات الدفاعية الخليجية، ويحد من فعالية ترتيبات الأمن الإقليمي التي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ترسيخها في المنطقة.

ويشير الكاتب إلى إن مشاركة مصر، حتى وإن كانت ضمنية وغير معلنة، تجعل قدرًا من التنسيق الدفاعي الإسرائيلي-العربي أمرًا طبيعيًّا بعد أن كان غير قابل للتصور قبل عقد من الزمن.

لكن التطبيع الذي يتوقف عند عتبة التكامل العملياتي الفعلي ينتج بنية أمنية تحتوي على فجوة واضحة، والخصوم يعثرون على هذه الفجوات ويستغلونها، وقد أظهرت إيران في غزة ولبنان واليمن أنها تفهم بدقة كيفية العمل داخل ثغرات الردع الإقليمي.

وإن وجودًا عسكريًّا مصريًّا يرفض علنًا الارتباط بالشبكة الأوسع، يمنح طهران بالضبط الثغرة التي تحتاجها لتنفيذ مخططاتها.

ويخلص الكاتب إلى أن الوجود العسكري المصري في الخليج سيظل محدود الأثر ما دامت القاهرة تفضل البقاء على هامش منظومة الدفاع الإقليمي بدلًا من الاندماج الكامل فيها، فبرغم وجود اعتبارات دستورية مصرية تتعلق بضوابط نشر القوات خارج الحدود، فإن التجربة المصرية السابقة، ومنها المشاركة في تحرير الكويت عام 1991، تشير إلى أن هذه القيود ليست عائقًا مطلقًا أمام الانخراط الخارجي عندما تتوافر الإرادة السياسية.

 ويرى الكاتب أن تَحفُّظ القاهرة يعود بالأساس إلى رغبتها في تجنب الكلفة السياسية المترتبة على الارتباط العلني بترتيبات أمنية تضم الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، بالتوازي مع سعيها للحفاظ على قنوات اتصال مع إيران.

وبناءً على ذلك، يعتبر أن الدور المصري الحالي يوفر طمأنة أمنية محدودة لشركاء الخليج، لكنه لا يرقى إلى مستوى المشاركة الفاعلة في منظومة ردع إقليمية متكاملة، بما يسمح للقاهرة بالحفاظ على حضورها الإقليمي وعلاقاتها مع شركائها دون تحمل التزامات استراتيجية أوسع.

ويرى الكاتب أن الوجود العسكري المصري في الخليج، يسهم في تعزيز القدرات الدفاعية الخليجية ورفع كلفة أي تحركات أو تهديدات إيرانية محتملة، إلا أنه لا يعالج ما يعتبره ثغرة أساسية في منظومة الردع الإقليمية.

وبحسب تقديره، فإن استمرار القاهرة في الاكتفاء بالتنسيق المحدود دون الانخراط الكامل في ترتيبات الدفاع الإقليمي يجعل إسهاماتها أقرب إلى دعم سياسي وعسكري جزئي منها إلى شراكة استراتيجية متكاملة.

  • المصدر: موقع “نتسيف نت”. ([2])  
  • المحتوى:

 يرى كاتب التقرير أن الزيارة التي أجراها عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات في مايو 2026 عكست حجم التباينات المتنامية في العلاقات بين القاهرة و”أبو ظبي”، حيث اعتبر أن طبيعة الاستقبال الذي حظي به السيسي حملت رسائل سياسية تعكس تغيرًا في موازين النفوذ الإقليمي بين الطرفين.

وبحسب التقرير، تنظر بعض الأوساط المصرية بقلق إلى تنامي الدور الإماراتي في عدد من الملفات الإقليمية، لا سيما في السودان وليبيا والقرن الأفريقي، فضلًا عن تزايد النفوذ الاقتصادي الخليجي داخل مصر في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها القاهرة.

في المقابل، يشير التقرير إلى وجود انطباع داخل الإمارات بأن الدعم الاقتصادي والمالي الذي قدمته أبو ظبي لمصر على مدار السنوات الماضية لم يقابله مستوًى مماثل من التنسيق السياسي والأمني، خصوصًا فيما يتعلق بالتعامل مع التهديدات الإيرانية.

وفي هذا السياق، يلفت التقرير إلى أن الموقف المصري الداعي إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية تجاه التصعيد مع إيران لا يتوافق بالكامل مع التوجهات الإماراتية، الأمر الذي أسهم في ظهور تباينات في أولويات الطرفين، رغم استمرار المصالح المشتركة التي تحول دون حدوث قطيعة أو مواجهة مباشرة بينهما.

يشير التقرير إلى أن ما بين مصر والإمارات لا يقتصر على تباين المواقف السياسية، بل يرتبط أيضًا باختلافات في تقدير عدد من الملفات الإقليمية.

فالقاهرة تنظر بقلق إلى السياسات الإماراتية في السودان وليبيا والقرن الأفريقي، وتعتبر أن بعض هذه التحركات قد تمس مصالحها الأمنية والاستراتيجية.

 كما يبرز في هذا السياق القلق المصري من تنامي العلاقات الإماراتية مع كل من إثيوبيا وإسرائيل، في ظل ارتباط هذين الملفين بقضايا الأمن وعلى رأسها أزمة سد النهضة وتداعيات الحرب في قطاع غزة.

في المقابل، يرى التقرير أن أبو ظبي تعتبر نفسها داعمًا رئيسًا للاستقرار الاقتصادي المصري، مستندة إلى ما قدمته من مساعدات واستثمارات خلال فترات الأزمات الاقتصادية التي مرت بها القاهرة، وهو ما عزز لدى بعض الدوائر الإماراتية توقعات بقدر أكبر من التنسيق والتوافق السياسي بين الجانبين.

ويشير التقرير إلى أن هذا التباين في التوقعات أسهم في اتساع فجوة الثقة بين الطرفين بشأن عدد من القضايا الإقليمية.

ورغم هذه الخلافات، يستبعد التقرير وصول العلاقات المصرية الإماراتية إلى مرحلة القطيعة، نظرًا لتشابك المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية بين البلدين.

 ويستدل على ذلك باستمرار التنسيق بين الجانبين في عدد من الملفات، إلى جانب سعي القاهرة في الوقت نفسه إلى توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية مع قوى أخرى، بما يمنحها هامشًا أكبر من الحركة ويحد من الاعتماد على شريك واحد في إدارة التحديات الإقليمية.

تكشف هذه الورقات عن رغبة إسرائيل في الدفع نحو مزيد من الاندماج الإقليمي في ترتيبات أمنية تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها إسرائيل، لبناء منظومة ردع إقليمية أكثر فاعلية بمشاركة عربية على رأسها الإمارات والتي تجسدت فعليًا فيما ذكره التقرير الإسرائيلي من تسريبات حول الاجتماع السري الذي عُقد في عام 2022 بشرم الشيخ، وجمع ضباطًا عسكريين كبارًا من إسرائيل ودول عربية عدة (على رأسها الإمارات والسعودية ومصر) بهدف تنسيق الدفاعات الجوية والصاروخية الإقليمية في مواجهة التهديدات الإيرانية، وهو الاجتماع الذي تحدثت عنه صحيفة The Wall Street Journal في 26 يونيو 2022 ([3])  والذي يعد أول لقاء من نوعه يجمع هذا العدد من كبار الضباط الإسرائيليين والعرب تحت رعاية عسكرية أمريكية لمناقشة بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي إقليمية مشتركة. 

 وهو ما يُظهر جليًّا حجم التماهي الأمني والعسكري خاصة الإماراتي، مع حرص مصري واضح كذلك ورد بالتقارير على إبقاء التعاون قائمًا ومستمرًّا مع إسرائيل، لكنه يتجنب الإعلان الرسمي عنه خوفًا من التكاليف السياسية الداخلية والإقليمية، مما يظهر فجوة بين مستوى التنسيق الأمني الفعلي القائم على الأرض وبين الخطاب السياسي والإعلامي المعلن، الذي لا يزال يفرض على القاهرة قدرًا من الحذر في إظهار طبيعة هذا التعاون وحدوده.

وقد أغفل التقرير ذكر التعاون الوثيق بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل خلال الحرب، ففي بداية النزاع مطلع مارس 2026، زودت الإمارات إسرائيل بمعدات وتقنيات متخصصة دعمت منظومة القبة الحديدية، مما أسهم في تعزيز قدرات الدفاع الجوي الإسرائيلي أمام الهجمات الإيرانية المكثفة بالصواريخ والمسيّرات، ويعكس هذا التعاون مستوًى متقدمًا من التنسيق الأمني بين الطرفين.

في هذا السياق، يمكن الإشارة كذلك إلى أن الموقف الإيراني من التحركات العسكرية الخاصة بمشاركة مقاتلات مصرية الرافال داخل الإمارات، إذ اتسم موقفها في بدايته بقدر من التفهم النسبي، غير أن هذا التقدير الأولي سرعان ما أخذ منحًى أكثر آخر في الخطاب الإيراني اللاحق ومن ذلك ما أشار إليه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، حين أكد أن أي تدخل من شأنه الإضرار بأمن المنطقة مرفوض بغض النظر عن الجهة التي تقف وراءه.

كما يمكن قراءة توجه التقرير بوصفه محاولة لإعادة توسيع دائرة الشركاء المنخرطين في الحرب على إيران، عبر التركيز المكثف على الدور المصري وعلاقاته وتحركاته في الخليج والبحر الأحمر، بما قد يوحي بوجود سعي غير مباشر للزج بمصر في سياق المواجهة ويبدو أن هذا الطرح يأتي في ظل صعوبة الزج المباشر بدول الخليج في مسارات تصعيد عسكري مفتوح مع إيران.


([1])https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/sjs4ufeggx#google_vignette

([2]) https://nziv.net/127814/

([3]) https://www.wsj.com/world/middle-east/u-s-held-secret-meeting-with-israeli-arab-military-chiefs-to-counter-iran-air-threat-11656235802

زر الذهاب إلى الأعلى