قراءة في موقف دوائر البحث الإسرائيلية من استمرار أزمة سد النهضة
يتناول هذا التقرير رؤية مراكز البحث في "إسرائيل" لجانب من السياسات الخارجية للنظام المصري الحالي، والتي ترى استخدام النظام المصري لملفي سد النهضة والبحر الأحمر كأدوات لصرف الانتباه عن الإخفاقات الاقتصادية والسياسية الداخلية ولتعزيز شرعية النظام السياسية. ويؤكد التقرير أن التحركات المصرية تجاه إثيوبيا وإريتريا لا تعكس في الأصل استراتيجية تحرص على مصالح مصر بل تمثل رسائل موجهة إلى الداخل المصري بهدف تعبئة الرأي العام. كما يعتبر أن استمرار أزمة سد النهضة يمنح النظام المصري مساحة لتوحيد الجبهة الداخلية وصرف الانتباه عن التحديات الاقتصادية والسياسية، في حين يدعو الولايات المتحدة والكيان المحتل “إسرائيل” إلى التعامل بحذر مع الرواية المصرية للأزمة، وإلى الحفاظ على علاقاتهما الاستراتيجية مع إثيوبيا باعتبارها فاعلًا مهمًّا في استقرار منطقة القرن الأفريقي. ويرى الكاتب أن الطموحات الإثيوبية في الوصول إلى البحر الأحمر، وملف سد النهضة الإثيوبي الكبير، تشكل الركيزتين التوأمين لسردية تروج لها القاهرة، وتخدم هذه السردية هدفًا واحدًا يتقدم على أي اعتبار آخر، وهو إبقاء نظام عبد الفتاح السيسي ذا صلة ومبرر للوجود في منطقة تشهد إعادة تنظيم سريعة حول مراكز قوة جديدة. وفي هذا السياق، يفسر التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة تجاه إريتريا، بما في ذلك زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى أسمرة والتأكيد على أن إدارة شؤون البحر الأحمر حق حصري للدول المشاطئة، باعتبارها تحركات تستهدف بالأساس تعزيز الرسائل السياسية الموجهة إلى الداخل المصري أكثر من كونها تعبيرًا عن استراتيجية إقليمية متكاملة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، يحذر الكاتب الولايات المتحدة من الانخراط في دعم المقاربة المصرية ضمن جهود الوساطة الخاصة بسد النهضة دون تقييم أبعادها السياسية والاستراتيجية بصورة دقيقة. كما يدعو إسرائيل إلى متابعة التحركات الهادفة إلى الحد من النفوذ الإثيوبي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ضوء ما يصفه بالعلاقات التاريخية والأمنية الوثيقة التي تربطها بإثيوبيا، وما قد يترتب على هذه التحركات من تأثيرات على التوازنات الإقليمية. ويؤكد الكاتب أنه لفهم المشهد الحالي، يمكن البدء بزيارة عبد العاطي إلى أسمرة في 17 مايو، والتي جاءت لتؤكد مع إريتريا، التي تعد إحدى أكثر حكومات المنطقة عزلة وقمعًا، أن إثيوبيا لا مكان لها قرب البحر الأحمر. إن اختيار هذا الشريك بالتحديد يحمل دلالات واضحة ومقلقة؛ فإسياس أفورقي يدير دولة منغلقة تفرض نظام تجنيد عسكري إلزامي غير محدَّد المدة، مما دفع مئات الآلاف من الإريتريين إلى الفرار واللجوء إلى مخيمات اللاجئين في أنحاء المنطقة. وإن اختيار مصر لأسمرة بوصفها حليفها الإقليمي الرئيس في محاولة تطويق إثيوبيا، يقول الكثير عن تدني جودة الحكم الاستراتيجي للقاهرة وطبيعة التحالفات الهشة التي تبنيها، وعلى إسرائيل أن تدرك خطورة هذا التوجه في ضوء علاقاتها التاريخية مع أديس أبابا. صحيح أن إثيوبيا ليست فاعلًا إقليميًّا مثاليًّا؛ فقد كان تعاملها مع مفاوضات سد النهضة محبطًا للعديد من الأطراف، وكان سجلها الداخلي في حقوق الإنسان في مناطق مثل تيغراي كارثيًّا، كما أن سعيها للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر عبر ترتيبات مثيرة للجدل مع أرض الصومال خلق توترات إقليمية مشروعة، لكن أيًّا من هذه الحقائق لا يغير الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن رغبة أديس أبابا في الوصول البحري تمثل طموحًا معقولًا وطبيعيًّا لدولة غير ساحلية يبلغ عدد سكانها 130 مليون نسمة. بحسب الكاتب، فإن استمرار أزمة السد وفَّر للنظام المصري مساحة لتعبئة المشاعر الوطنية وتقديم القضية باعتبارها معركة تتعلق بالأمن القومي والوجود المصري، فالسدُّ يتيح له تصوير نفسه باعتباره المدافع الوحيد عن الحضارة المصرية ضد معتدٍ قادم من دول المنبع، مع تعبئة المشاعر القومية التي تعمل كغطاء لتغطية واقع اقتصادي يعاني من الديون المتراكمة، وخفض الدعم، والبطالة المزمنة. إن التوصل إلى اتفاق تفاوضي نهائي بشأن سد النهضة من شأنه أن يحرم السيسي من واحدة من أكثر نقاط الحشد والتأييد موثوقية لديه، وهذه ليست نظرية مؤامرة، بل هي قراءة عقلانية وموضوعية لكيفية إدارة القادة السلطويين لأزمات الشرعية، ومصر في عهد السيسي تعيش واحدة من هذه الأزمات العميقة حاليًّا. على الصعيد الدولي، كان مستشار إدارة ترامب البارز مسعد بولس يتنقل في الأسابيع الأخيرة بين القاهرة وأديس أبابا، محاولًا إحياء نسخة معدلة من وثيقة واشنطن التي رفضتها إثيوبيا عام 2020. ويرى الكاتب أن الدافع الأمريكي للتوسط من أجل التوصل إلى اتفاق مفهوم ومسوَّغ، لكن ما هو أقل قابلية للفهم هو الدرجة التي قبلت بها واشنطن التصور المصري للنزاع باعتباره مجرد حالة عدوان من دولة منبع ضد دولة مصب ضحية. فهذا التصور الأحادي كما يراه يحجب مدى رفض القاهرة المستمر لترتيبات تسوية كانت ستحمي الأمن المائي المصري فعليًّا، مع السماح لإثيوبيا في الوقت ذاته بمرونة تشغيلية ذات مغزى بشأن بنيتها التحتية الخاصة. وقال الكاتب: إن سياسة مؤيدة حقًا للولايات المتحدة ولإسرائيل في منطقة القرن الأفريقي كان ينبغي أن تبدو مختلفة تمامًا عن تلك التي يجري اتباعها حاليًّا، كان ينبغي أن تعترف هذه السياسة بأن إثيوبيا تشكل ركيزة استقرار في أكثر مناطق العالم هشاشة، وأن انهيارها أو عزلها لفترة طويلة سيخلق فراغات أمنية خطيرة لدى إيران وروسيا والصين، وكلها تمتلك الدوافع والوسائل لملء هذه الفراغات، مشيرًا أنه كان ينبغي أن تمارس واشنطن ضغطًا حقيقيًّا على القاهرة للتفاوض بجدية، بدلًا من مجرد إضفاء الشرعية على التعنت المصري عبر التعامل مع كل مقترح إثيوبي باعتباره استفزازًا مرفوضًا. وأكد الكاتب أن لدى إسرائيل أسبابًا خاصة جدًّا للتفكير بعناية في هذا الملف، فالعلاقات الإثيوبية-الإسرائيلية كانت تاريخيًّا من بين أكثر العلاقات عمقًا ودفئًا، وهي علاقات تستند إلى مصالح أمنية مشتركة، ولذلك لا ينبغي لصناع القرار في إسرائيل التعامل مع التوافق المتنامي بين القاهرة وأسمرة، وجهود مصر لاستخدام قضية الوصول إلى البحر الأحمر كورقة ضغط دائمة ضد أديس أبابا، باعتبارها تطورًا إقليميًّا محايدًا لا يؤثر عليهم. يكشف هذا التقرير عن اتجاه داخل بعض الأوساط الإعلامية والتحليلية الإسرائيلية إلى إعادة تفسير المواقف والتحركات المصرية المرتبطة بسد النهضة والبحر الأحمر من منظور يربطها باعتبارات الحفاظ على السلطة وإدارة الأزمات الداخلية، أكثر من ارتباطها بمقتضيات الأمن القومي المصري. ويظهر ذلك من خلال تقديم ملفات سد النهضة والبحر الأحمر باعتبارها أدوات تستخدمها القاهرة لذلك، وليس باعتبارها قضايا تمس مصالح استراتيجية وأمنية مباشرة للدولة المصرية، غير أن لقضية سد النهضة زاوية أخرى أغفلها التقرير تتعلق بتفريط النظام المصري منذ البداية في الحقوق المصرية التاريخية في مياه نهر النيل والذي يمثل لمصر شريان الحياة الرئيس ومصدرًا تاريخيًّا ثابتًا للأمن المائي. كما يعكس التقرير توصيفًا إسرائيليًّا يحمل نتيجةً مُرَّة لحالة التراجع التي وصلت إليها صورة الدولة المصرية إذ باتت تحركات القاهرة وتحالفاتها مع بعض الدول الأفريقية مثل إريتريا تُقدم باعتبارها تحالفات هشة مفتقرة للرؤية الاستراتيجية الهادفة لحلول حقيقية لأزمة سد النهضة! كما يبرز التقرير اهتمامًا إسرائيليًّا متزايدًا بمتابعة التحركات المصرية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، خاصة في ظل العلاقات الاستراتيجية التي تربط إسرائيل بإثيوبيا، في مقابل تزايد العلاقات المصرية مؤخرًا مع إريتريا، غير أن هذه الخطوة يجب قراءتها في ظل الطبيعة التاريخية للعلاقات في المنطقة، إذ إن العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية لم تكن قوية في مراحل سابقة، بينما احتفظت إسرائيل لعقود بعلاقات أوثق وأكثر تأثيرًا مع النظام الإريتري بقيادة إسياس أفورقي، وشكلت إريتريا بالنسبة لها نقطة ارتكاز مهمة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ومن ثم فإن الرهان المصري على إريتريا باعتبارها أداة فعالة للضغط أو تغيير موازين القوى في أمة سد النهضة يظل رهانًا خاسرًا ومحدود الجدوى، كما يدل هذا التوجه في العلاقات على أن "إسرائيل" لا تنظر لعلاقاتها بالدول الأفريقية إلا بقدر ما يخدم مشروعها ضد مصر. كما يعكس الوضع الراهن مفهوم "الفراغ الإفريقي" الناتج عن الإرث الاستعماري وتراجع النفوذ الأوروبي في القارة، وما ترتب عليه من هشاشة في بعض الدول الإفريقية. وقد فتح هذا الفراغ المجال أمام تنافس قوى متعددة لملئه، أبرزها الصين عبر الاستثمارات، وروسيا عبر الحضور العسكري، وإيران عبر النفوذ غير المباشر، وإسرائيل عبر الأدوار الأمنية والاستخباراتية، وتركيا عبر التوسع الاقتصادي والسياسي. ويكشف هذا التقرير كذلك عن قدرٍ لافت من الازدواجية المعيارية، إذ يحرص الكُتَّاب الإسرائيليون على انتقاد نظام أسمرة بسبب سجله الحقوقي وطبيعة ممارساته الداخلية، كما يسلطون الضوء على الانتهاكات المنسوبة إلى أديس أبابا، ولا سيما في إقليم تيغراي، ورغم أن هذه الانتقادات قد تستند إلى وقائع حقيقية، فإنها تبدو انتقائية إلى حدٍّ كبير عندما تصدر عن كيان يتجاهل سجله نفسه في هذا المجال، عبر ممارسة أبشع أشكال القتل والإبادة الجماعية والتدمير والتهجير القسري ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، وتواصل سياسة الاستيطان والقمع اليومي في الضفة الغربية المحتلة! وتشير هذه القراءة إلى أن ملف سد النهضة لا يُنظر إليه إسرائيليًّا باعتباره خلافًا مائيًّا بين مصر وإثيوبيا فحسب، بل باعتباره جزءًا من معادلة أوسع ترتبط بإعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. على الجانب الآخر، فإن قراءة الموقف المصري لدى دوائر البحث الإسرائيلية لا تقتصر على اهتمامها بالمستوى الرسمي، بل بالنظر إليه أيضًا من خلال البعد المجتمعي والشعبي، حيث لا يزال الرأي العام المصري ينظر إلى "إسرائيل" باعتبارها العدو التاريخي الرئيس، وهو تصور تشكل عبر عقود من الصراع العسكري المباشر الذي خاضته مصر في عدة حروب رئيسة وهو الأمر الذي يشكل رهابًا فكريًا وخوفًا مستمرًا من مصر. وفي هذا السياق، تُظهر هذه الأطروحات مرة أخرى، اهتمامًا إسرائيليًّا متزايدًا بمتابعة التحركات المصرية في الإقليم، خصوصًا في مناطق القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو اهتمام لم يظهر حتى خلال ذروة الحرب على غزة وربما يشير إلى توجهات إسرائيلية مستقبلية في علاقاتها مع مصر.
الملخص التنفيذي:
يتناول هذا التقرير رؤية مراكز البحث في ” إسرائيل” لجانب من السياسات الخارجية للنظام المصري الحالي، والتي ترى استخدام النظام المصري لملفي سد النهضة والبحر الأحمر كأدوات لصرف الانتباه عن الإخفاقات الاقتصادية والسياسية الداخلية ولتعزيز شرعية النظام السياسية.
ويؤكد التقرير أن التحركات المصرية تجاه إثيوبيا وإريتريا لا تعكس في الأصل استراتيجية تحرص على مصالح مصر بل تمثل رسائل موجهة إلى الداخل المصري بهدف تعبئة الرأي العام.
كما يعتبر أن استمرار أزمة سد النهضة يمنح النظام المصري مساحة لتوحيد الجبهة الداخلية وصرف الانتباه عن التحديات الاقتصادية والسياسية، في حين يدعو الولايات المتحدة والكيان المحتل “إسرائيل” إلى التعامل بحذر مع الرواية المصرية للأزمة، وإلى الحفاظ على علاقاتهما الاستراتيجية مع إثيوبيا باعتبارها فاعلًا مهمًّا في استقرار منطقة القرن الأفريقي.
عنوان التقرير الصادم: “السيسي يستخدم النيل لصرف الانتباه عن إخفاقاته“!
- المصدر: موقع “تايمز أوف إسرائيل”، بقلم الكاتب المغربي “أمين أيوب”، بتاريخ 26 مايو 2026. ([1])

- المحتوى:
يرى الكاتب أن الطموحات الإثيوبية في الوصول إلى البحر الأحمر، وملف سد النهضة الإثيوبي الكبير، تشكل الركيزتين التوأمين لسردية تروج لها القاهرة، وتخدم هذه السردية هدفًا واحدًا يتقدم على أي اعتبار آخر، وهو إبقاء نظام عبد الفتاح السيسي ذا صلة ومبرر للوجود في منطقة تشهد إعادة تنظيم سريعة حول مراكز قوة جديدة.
وفي هذا السياق، يفسر التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة تجاه إريتريا، بما في ذلك زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى أسمرة والتأكيد على أن إدارة شؤون البحر الأحمر حق حصري للدول المشاطئة، باعتبارها تحركات تستهدف بالأساس تعزيز الرسائل السياسية الموجهة إلى الداخل المصري أكثر من كونها تعبيرًا عن استراتيجية إقليمية متكاملة.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يحذر الكاتب الولايات المتحدة من الانخراط في دعم المقاربة المصرية ضمن جهود الوساطة الخاصة بسد النهضة دون تقييم أبعادها السياسية والاستراتيجية بصورة دقيقة.
كما يدعو إسرائيل إلى متابعة التحركات الهادفة إلى الحد من النفوذ الإثيوبي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ضوء ما يصفه بالعلاقات التاريخية والأمنية الوثيقة التي تربطها بإثيوبيا، وما قد يترتب على هذه التحركات من تأثيرات على التوازنات الإقليمية.
ويؤكد الكاتب أنه لفهم المشهد الحالي، يمكن البدء بزيارة عبد العاطي إلى أسمرة في 17 مايو، والتي جاءت لتؤكد مع إريتريا، التي تعد إحدى أكثر حكومات المنطقة عزلة وقمعًا، أن إثيوبيا لا مكان لها قرب البحر الأحمر.
إن اختيار هذا الشريك بالتحديد يحمل دلالات واضحة ومقلقة؛ فإسياس أفورقي يدير دولة منغلقة تفرض نظام تجنيد عسكري إلزامي غير محدَّد المدة، مما دفع مئات الآلاف من الإريتريين إلى الفرار واللجوء إلى مخيمات اللاجئين في أنحاء المنطقة.
وإن اختيار مصر لأسمرة بوصفها حليفها الإقليمي الرئيس في محاولة تطويق إثيوبيا، يقول الكثير عن تدني جودة الحكم الاستراتيجي للقاهرة وطبيعة التحالفات الهشة التي تبنيها، وعلى إسرائيل أن تدرك خطورة هذا التوجه في ضوء علاقاتها التاريخية مع أديس أبابا.
صحيح أن إثيوبيا ليست فاعلًا إقليميًّا مثاليًّا؛ فقد كان تعاملها مع مفاوضات سد النهضة محبطًا للعديد من الأطراف، وكان سجلها الداخلي في حقوق الإنسان في مناطق مثل تيغراي كارثيًّا، كما أن سعيها للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر عبر ترتيبات مثيرة للجدل مع أرض الصومال خلق توترات إقليمية مشروعة، لكن أيًّا من هذه الحقائق لا يغير الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن رغبة أديس أبابا في الوصول البحري تمثل طموحًا معقولًا وطبيعيًّا لدولة غير ساحلية يبلغ عدد سكانها 130 مليون نسمة.
بحسب الكاتب، فإن استمرار أزمة السد وفَّر للنظام المصري مساحة لتعبئة المشاعر الوطنية وتقديم القضية باعتبارها معركة تتعلق بالأمن القومي والوجود المصري، فالسدُّ يتيح له تصوير نفسه باعتباره المدافع الوحيد عن الحضارة المصرية ضد معتدٍ قادم من دول المنبع، مع تعبئة المشاعر القومية التي تعمل كغطاء لتغطية واقع اقتصادي يعاني من الديون المتراكمة، وخفض الدعم، والبطالة المزمنة.
إن التوصل إلى اتفاق تفاوضي نهائي بشأن سد النهضة من شأنه أن يحرم السيسي من واحدة من أكثر نقاط الحشد والتأييد موثوقية لديه، وهذه ليست نظرية مؤامرة، بل هي قراءة عقلانية وموضوعية لكيفية إدارة القادة السلطويين لأزمات الشرعية، ومصر في عهد السيسي تعيش واحدة من هذه الأزمات العميقة حاليًّا.
على الصعيد الدولي، كان مستشار إدارة ترامب البارز مسعد بولس يتنقل في الأسابيع الأخيرة بين القاهرة وأديس أبابا، محاولًا إحياء نسخة معدلة من وثيقة واشنطن التي رفضتها إثيوبيا عام 2020.
ويرى الكاتب أن الدافع الأمريكي للتوسط من أجل التوصل إلى اتفاق مفهوم ومسوَّغ، لكن ما هو أقل قابلية للفهم هو الدرجة التي قبلت بها واشنطن التصور المصري للنزاع باعتباره مجرد حالة عدوان من دولة منبع ضد دولة مصب ضحية.
فهذا التصور الأحادي كما يراه يحجب مدى رفض القاهرة المستمر لترتيبات تسوية كانت ستحمي الأمن المائي المصري فعليًّا، مع السماح لإثيوبيا في الوقت ذاته بمرونة تشغيلية ذات مغزى بشأن بنيتها التحتية الخاصة.
وقال الكاتب: إن سياسة مؤيدة حقًا للولايات المتحدة ولإسرائيل في منطقة القرن الأفريقي كان ينبغي أن تبدو مختلفة تمامًا عن تلك التي يجري اتباعها حاليًّا، كان ينبغي أن تعترف هذه السياسة بأن إثيوبيا تشكل ركيزة استقرار في أكثر مناطق العالم هشاشة، وأن انهيارها أو عزلها لفترة طويلة سيخلق فراغات أمنية خطيرة لدى إيران وروسيا والصين، وكلها تمتلك الدوافع والوسائل لملء هذه الفراغات، مشيرًا أنه كان ينبغي أن تمارس واشنطن ضغطًا حقيقيًّا على القاهرة للتفاوض بجدية، بدلًا من مجرد إضفاء الشرعية على التعنت المصري عبر التعامل مع كل مقترح إثيوبي باعتباره استفزازًا مرفوضًا.
وأكد الكاتب أن لدى إسرائيل أسبابًا خاصة جدًّا للتفكير بعناية في هذا الملف، فالعلاقات الإثيوبية-الإسرائيلية كانت تاريخيًّا من بين أكثر العلاقات عمقًا ودفئًا، وهي علاقات تستند إلى مصالح أمنية مشتركة، ولذلك لا ينبغي لصناع القرار في إسرائيل التعامل مع التوافق المتنامي بين القاهرة وأسمرة، وجهود مصر لاستخدام قضية الوصول إلى البحر الأحمر كورقة ضغط دائمة ضد أديس أبابا، باعتبارها تطورًا إقليميًّا محايدًا لا يؤثر عليهم.
تعليق مركز رؤيا:
يكشف هذا التقرير عن اتجاه داخل بعض الأوساط الإعلامية والتحليلية الإسرائيلية إلى إعادة تفسير المواقف والتحركات المصرية المرتبطة بسد النهضة والبحر الأحمر من منظور يربطها باعتبارات الحفاظ على السلطة وإدارة الأزمات الداخلية، أكثر من ارتباطها بمقتضيات الأمن القومي المصري.
ويظهر ذلك من خلال تقديم ملفات سد النهضة والبحر الأحمر باعتبارها أدوات تستخدمها القاهرة لذلك، وليس باعتبارها قضايا تمس مصالح استراتيجية وأمنية مباشرة للدولة المصرية، غير أن لقضية سد النهضة زاوية أخرى أغفلها التقرير تتعلق بتفريط النظام المصري منذ البداية في الحقوق المصرية التاريخية في مياه نهر النيل والذي يمثل لمصر شريان الحياة الرئيس ومصدرًا تاريخيًّا ثابتًا للأمن المائي.
كما يعكس التقرير توصيفًا إسرائيليًّا يحمل نتيجةً مُرَّة لحالة التراجع التي وصلت إليها صورة الدولة المصرية إذ باتت تحركات القاهرة وتحالفاتها مع بعض الدول الأفريقية مثل إريتريا تُقدم باعتبارها تحالفات هشة مفتقرة للرؤية الاستراتيجية الهادفة لحلول حقيقية لأزمة سد النهضة!
كما يبرز التقرير اهتمامًا إسرائيليًّا متزايدًا بمتابعة التحركات المصرية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، خاصة في ظل العلاقات الاستراتيجية التي تربط إسرائيل بإثيوبيا، في مقابل تزايد العلاقات المصرية مؤخرًا مع إريتريا، غير أن هذه الخطوة يجب قراءتها في ظل الطبيعة التاريخية للعلاقات في المنطقة، إذ إن العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية لم تكن قوية في مراحل سابقة، بينما احتفظت إسرائيل لعقود بعلاقات أوثق وأكثر تأثيرًا مع النظام الإريتري بقيادة إسياس أفورقي، وشكلت إريتريا بالنسبة لها نقطة ارتكاز مهمة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ومن ثم فإن الرهان المصري على إريتريا باعتبارها أداة فعالة للضغط أو تغيير موازين القوى في أمة سد النهضة يظل رهانًا خاسرًا ومحدود الجدوى، كما يدل هذا التوجه في العلاقات على أن “إسرائيل” لا تنظر لعلاقاتها بالدول الأفريقية إلا بقدر ما يخدم مشروعها ضد مصر.
كما يعكس الوضع الراهن مفهوم “الفراغ الإفريقي” الناتج عن الإرث الاستعماري وتراجع النفوذ الأوروبي في القارة، وما ترتب عليه من هشاشة في بعض الدول الإفريقية.
وقد فتح هذا الفراغ المجال أمام تنافس قوى متعددة لملئه، أبرزها الصين عبر الاستثمارات، وروسيا عبر الحضور العسكري، وإيران عبر النفوذ غير المباشر، وإسرائيل عبر الأدوار الأمنية والاستخباراتية، وتركيا عبر التوسع الاقتصادي والسياسي.
ويكشف هذا التقرير كذلك عن قدرٍ لافت من الازدواجية المعيارية، إذ يحرص الكُتَّاب الإسرائيليون على انتقاد نظام أسمرة بسبب سجله الحقوقي وطبيعة ممارساته الداخلية، كما يسلطون الضوء على الانتهاكات المنسوبة إلى أديس أبابا، ولا سيما في إقليم تيغراي، ورغم أن هذه الانتقادات قد تستند إلى وقائع حقيقية، فإنها تبدو انتقائية إلى حدٍّ كبير عندما تصدر عن كيان يتجاهل سجله نفسه في هذا المجال، عبر ممارسة أبشع أشكال القتل والإبادة الجماعية والتدمير والتهجير القسري ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، وتواصل سياسة الاستيطان والقمع اليومي في الضفة الغربية المحتلة!
وتشير هذه القراءة إلى أن ملف سد النهضة لا يُنظر إليه إسرائيليًّا باعتباره خلافًا مائيًّا بين مصر وإثيوبيا فحسب، بل باعتباره جزءًا من معادلة أوسع ترتبط بإعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
على الجانب الآخر، فإن قراءة الموقف المصري لدى دوائر البحث الإسرائيلية لا تقتصر على اهتمامها بالمستوى الرسمي، بل بالنظر إليه أيضًا من خلال البعد المجتمعي والشعبي، حيث لا يزال الرأي العام المصري ينظر إلى “إسرائيل” باعتبارها العدو التاريخي الرئيس، وهو تصور تشكل عبر عقود من الصراع العسكري المباشر الذي خاضته مصر في عدة حروب رئيسة وهو الأمر الذي يشكل رهابًا فكريًا وخوفًا مستمرًا من مصر.
وفي هذا السياق، تُظهر هذه الأطروحات مرة أخرى، اهتمامًا إسرائيليًّا متزايدًا بمتابعة التحركات المصرية في الإقليم، خصوصًا في مناطق القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو اهتمام لم يظهر حتى خلال ذروة الحرب على غزة وربما يشير إلى توجهات إسرائيلية مستقبلية في علاقاتها مع مصر.
([1]): https://blogs.timesofisrael.com/sisi-is-using-the-nile-to-distract-from-his-failures/






