قراءة الإعلام الإسرائيلي للتعديلات الدستورية المقترحة في مصر

تُولي وسائل الإعلام ومراكز البحث الإسرائيلية اهتمامًا بالغًا للجدل المتصاعد في مصر حول التعديلات الدستورية، لا بوصفه شأنًا داخليًا فحسب، بل كمؤشر استراتيجي يهدف إلى تأمين مرحلة ما بعد عام 2030 وضمان استمرارية التنسيق الأمني. وتُفسر تل أبيب انتقال هذه الدعوات من الفضاء الإعلامي إلى أروقة المؤسسات التشريعية والسياسية على أنها عملية "جس نبض" ممنهجة لتمديد بقاء القيادة الحالية. ويكشف هذا التوجه عن قناعة إسرائيلية عميقة بأن الاستقرار الداخلي المصري هو حجر الزاوية لأمنها القومي، مما يعكس حذرًا إسرائيليًا بالغًا وتخوفًا استراتيجيًا من أي تداعيات مستقبلية أو فراغ سياسي قد يمس أمنها ويهدد المصالح الإسرائيلية وملفات التعاون المشترك في سيناء وقطاع غزة وأمن البحر الأحمر. وتُسلط قناة "i24News" الإسرائيلية الضوء على هذا التصاعد، موضحةً أن النقاش يتمحور بصورة أساسية حول مستقبل المدد الرئاسية وإمكانية بقاء عبد الفتاح السيسي في الحكم بعد عام 2030. وتُرجح الأوساط الإسرائيلية أن فتح هذا الملف مبكرًا، رغم أن الولاية الحالية تمتد دستوريًا حتى ذلك التاريخ، يندرج ضمن عملية "جس نبض" ممنهجة للرأي العام تمهيدًا لتحركات سياسية أوسع. وقد انتقلت دعوات التعديل إلى شخصيات مرتبطة بالمؤسسات السياسية والتشريعية، مثل المستشار فرج حافظ الدري الذي دعا إلى توسيع صلاحيات مجلس الشيوخ، والإعلامي محمد الباز الذي طالب بإعادة النظر في مدة الرئاسة، ورئيس حزب الوفد السابق عبد السند يمامة الذي دعا إلى تعديل باب نظام الحكم لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع. وتعتبر مراكز البحث الإسرائيلية أن توظيف "الخطر الإخواني" كمسوِّغ دستوري يعكس تقاطعًا أيديولوجيًا وأمنيًا مع الرؤية الإسرائيلية، التي تعتبر جماعة الإخوان تهديدًا مشتركًا. وقد تصاعد الجدل بعد تصريحات النائب ياسر قورة، الذي دعا إلى تعديل يسمح باستمرار السيسي عشر سنوات إضافية، معللًا ذلك بـ"التحديات الإقليمية والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار"، وهي عبارة تُفسرها إسرائيل بأنها تعني التهديدات المشتركة في غزة وسيناء والبحر الأحمر، مما يعزز قناعتها بأن بقاء القيادة الحالية هو الضامن الأمثل لاستمرار معاهدة السلام. وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن المادة 226 من الدستور تشترط موافقة ثلثي أعضاء البرلمان ثم الاستفتاء الشعبي، مع قيود على تعديل مواد إعادة انتخاب الرئيس، لكن تجربة تعديلات 2019 تُثبت أن العقبة ليست قانونية بل سياسية فقط. وتنظر المؤسسة الأمنية والبحثية الإسرائيلية بعين الرضا النسبي إلى مساعي التعديل الدستوري في مصر، لأنها تضمن "استمرارية الشريك" الأمني، وتفضل التعامل مع قيادة عسكرية معروفة التوجهات على المخاطرة بمرحلة انتقالية قد تفتح الباب لقوى سياسية غير متوقعة. وتستفيد إسرائيل بشكل غير مباشر من الخطاب المصري لدعم بقاء السيسي في الحكم، لأن هذا الخطاب يطابق الرواية الإسرائيلية التي تدرك تمامًا أن ذلك هو حجر الزاوية لأمنها القومي.
المخلص التنفيذي:
يتناول هذا التقرير ما يرقبه الإعلام ومراكز البحث الإسرائيلي ببالغ الاهتمام من جدل حول التعديلات الدستورية المتصاعد في مصر، لا بوصفه شأنًا داخليًّا، بل باعتباره مؤشرًا استراتيجيًّا يهدف إلى تأمين مرحلة ما بعد 2030 وضمان استمرارية التنسيق الأمني.
وتقرأ تل أبيب انتقال هذه الدعوات من الفضاء الإعلامي إلى أروقة المؤسسات التشريعية والسياسية على أنه عملية “جس نبض” ممنهجة، تهدف إلى تمديد بقاء القيادة الحالية.
ويكشف هذا التوجه عن قناعة إسرائيلية عميقة بأن الاستقرار الداخلي المصري هو حجر الزاوية لأمنها القومي، مما يعكس في الوقت ذاته حذرًا إسرائيليًّا بالغًا وتخوفًا استراتيجيًّا من أي تداعيات مستقبلية أو فراغ سياسي قد يمس أمنها، ويهدد المصالح الإسرائيلية وملفات التعاون المشترك في شبه جزيرة سيناء، وقطاع غزة، وأمن البحر الأحمر.
مضمون التقرير :
عنوان التقرير: “جدل متصاعد في مصر حول تعديل الدستور.. هل بدأت معركة ما بعد 2030؟” المصدر: قناة i24News الإسرائيلية ([1])
ترصد وسائل الإعلام ومراكز البحث الإسرائيلية ببالغ الاهتمام والتدقيق التطورات الداخلية في مصر، لا بوصفها شأنًا داخليًّا فحسب، بل باعتبارها مؤشرًا حاسمًا على مستقبل “الاستقرار الإقليمي” ومصير التنسيق الأمني في المنطقة.
وفي هذا السياق، سلطت قناة “i24News” الإسرائيلية الضوء على التصاعد الملحوظ في الساحة السياسية المصرية حول إمكانية إجراء تعديلات جديدة على الدستور، موضحةً أن هذه الدعوات لم تعد حبيسة منصات التواصل الاجتماعي أو النقاشات الإعلامية، بل انتقلت إلى دوائر أكثر قربًا من مؤسسات الحكم والبرلمان المصري.
ورغم تنوع الطروحات المتداولة بين تعديل صلاحيات بعض المؤسسات أو إعادة صياغة أجزاء من نظام الحكم، فإن النقاش يتمحور بصورة أساسية وحصرية حول الملف الأكثر حساسية في الحياة السياسية المصرية، وهو مستقبل المدد الرئاسية وإمكانية بقاء عبد الفتاح السيسي في الحكم بعد عام 2030.
وتطرح الأوساط الإسرائيلية تساؤلات حول أسباب فتح هذا الملف مبكرًا، رغم أن الولاية الحالية تمتد دستوريًّا حتى ذلك التاريخ، مرجحةً أن الأمر يندرج ضمن عملية “جس نبض” ممنهجة للرأي العام تمهيدًا لتحركات سياسية أوسع.
وتنقل التقارير الإسرائيلية رصدًا للانتقال الواضح لدعوات التعديل إلى شخصيات مرتبطة بالمؤسسات السياسية والتشريعية، مما يمنح القضية بعدًا أكثر جدية.
ففي يونيو 2025، دعا المستشار فرج حافظ الدري إلى توسيع صلاحيات مجلس الشيوخ، في خطوة تعتبرها مراكز البحث الإسرائيلي مدخلًا لإعادة هندسة المؤسسات التشريعية بما يخدم السلطة التنفيذية.
ولاحقًا، طالب الإعلامي المصري محمد الباز بإعادة النظر في مدة الرئاسة، معتبرًا أن المصريين اعتادوا على رئيس يدير تفاصيل الدولة، وهو خطاب يتقاطع مع التفضيل الإسرائيلي لنمط القيادة المركزية التي يسهل معها اتخاذ القرارات الأمنية السريعة. بالتوازي، دعا رئيس حزب الوفد السابق عبد السند يمامة إلى تعديل باب نظام الحكم لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع.
وفي المقابل، يدرك المحللون الإسرائيليون أن منتقدي هذه الطروحات يرونها تقليصًا لرقابة البرلمان، لكنهم يرون في الوقت ذاته أن “الاستقرار” بالنسبة لمصر يفوق حاليًّا أي اعتبارات ديمقراطية متعلقة بفصل السلطات.
وفي سياق الدعوات لتغيير أوسع، توقف المراقبون الإسرائيليون طويلًا أمام دعوة المستشار عدلي حسين في فبراير الماضي إلى تغيير الدستور “شكلًا وموضوعًا“، واعتباره أن دستور 2014 ما زال يحمل آثار دستور 2012 الذي صاغته جماعة الإخوان المسلمين.
وتعتبر مراكز البحث الإسرائيلي أن توظيف “الخطر الإخواني” كمسوِّغ دستوري يعكس تقاطعًا أيديولوجيًّا وأمنيًّا مع الرؤية الإسرائيلية، التي تعتبر جماعة الإخوان تهديدًا مشتركًا.
وفي يونيو الجاري، تصاعد الجدل بعد تصريحات النائب ياسر قورة، الذي دعا إلى تعديل يسمح باستمرار السيسي عشر سنوات إضافية، معللًا ذلك بـ”التحديات الإقليمية والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار”.
ومن منظور الأمن القومي الإسرائيلي، فإن عبارة “التحديات الإقليمية” هي شفرة دبلوماسية تُعني بالضرورة التهديدات المشتركة في غزة، وسيناء، والبحر الأحمر، مما يعزز القناعة في تل أبيب بأن بقاء القيادة الحالية هو الضامن الأمثل لاستمرار معاهدة السلام.
أما فيما يتعلق بالإطار القانوني، فإن التقارير الإسرائيلية تشير إلى أن المادة 226 من الدستور تشترط موافقة ثلثي أعضاء البرلمان ثم الاستفتاء الشعبي، مع قيود على تعديل مواد إعادة انتخاب الرئيس.
لكن تجربة تعديلات 2019، التي سمحت بتمديد الرئاسة والبقاء حتى 2030، تُثبت لمراكز البحث الإسرائيلي أن العقبة ليست قانونية بل سياسية فقط.
وتطرح الأوساط المصرية سيناريوهات لما بعد 2030، مثل تمديد الولاية الحالية تحت أسباب استثنائية، أو فتح ولاية جديدة حتى 2036، أو إدخال ترتيبات انتقالية تعيد احتساب الفترات، وترى إسرائيل أن هذه السيناريوهات كلها تدل على أن النظام يرفض فكرة “الفراغ” أو “المفاجأة”، ويسعى للسيطرة الكاملة على مرحلة الانتقال.
تعقيب مركز رؤيا:
تنظر المؤسسة الأمنية والبحثية الإسرائيلية بعين الرضا النسبي إلى مساعي التعديل الدستوري في مصر، لأنها تضمن “استمرارية الشريك” الأمني، فإسرائيل تفضل التعامل مع قيادة عسكرية معروفة التوجهات، على المخاطرة بمرحلة انتقالية قد تفتح الباب لقوى سياسية غير متوقعة.
ويستحضر بهذا التوجه النموذج الذي وفره لإسرائيل الرئيس السابق حسني مبارك لعقود، حيث كان يُنظر إليه كضمانة للمعاهدة ولتنسيق أمني مستمر في سيناء وحصار لقطاع غزة.
كما أن توظيف الخطاب المناهض لجماعة الإخوان المسلمين كمسوِّغ دستوري يخدم الرواية الإسرائيلية التي تسعى دائمًا لتأطير صراعاتها كجزء من حرب إقليمية مشتركة ضد صعود الحركات الإسلامية لسدة الحكم.
ويمكن القول إن هذه التعديلات الدستورية بهذا الشكل قد تؤمن إسرائيل من منظورهم، خاصة أن الاستقرار السياسي المصري ليس ضمانة أمنية فحسب، بل ضمانة اقتصادية أيضًا، إذ ترى تل أبيب في استمرارية النظام الحالي عاملًا حاسمًا لاستقرار إمدادات الغاز الطبيعي، بجانب حماية ممر فيلادلفيا، وأمن الملاحة في قناة السويس والبحر الأحمر، حيث إن أي اضطراب قد يؤثر مباشرة على التجارة والمصالح الاقتصادية المشتركة.
ولذلك، يمكن قراءة ما يُنشر في الأوساط الاستراتيجية الإسرائيلية على أنه توصية ضمنية باستغلال هذه الفترة من “الاستقرار المضمون” لتعزيز وتعميق التنسيق مع المؤسسة العسكرية والمخابراتية المصرية ذاتها، لضمان بقاء المصالح الإسرائيلية محمية بغض النظر عن الشكل الدستوري الذي سيتقرر في نهاية المطاف.
وبذلك فإن إسرائيل تستفيد بشكل غير مباشر من الخطاب المصري لدعم بقاء السيسي في الحكم، لأن هذا الخطاب يطابق الرواية الإسرائيلية التي تدرك تمامًا أن ذلك هو حجر الزاوية لأمنها القومي.
فالنخب الإسرائيلية تقرأ بين السطور أن النظام المصري يربط بين بقائه في الحكم ومنع الفوضى أو صعود تيارات إسلامية، وهو ما يتقاطع كليًّا مع المصلحة الإسرائيلية في الحفاظ على “شريك” قوي يمسك بزمام الأمن الداخلي، ويضمن استمرار التنسيق الأمني والعسكري دون انقطاع.
وفي هذا السياق يشير التقرير إلى أن حرص الغرب على الأنظمة المركزية في المنطقة العربية يرتبط بسهولة التعامل معها أمنيًّا، حيث تتركز القرارات الحساسة بعيدًا عن النقاش المؤسسي الواسع، ومع أن إسرائيل نفسها تتخذ قراراتها الأمنية عبر أطر مصغرة (مجلس وزراء مصغر)، والذي يظهر أن سبب دعمهم للحكم المركزي هدفه إضعاف وإعاقة بناء دول قوية ومستقرة في العالم العربي والإسلامي.
من منظور مركز رؤيا، فإن على النخب المصرية أن تدرك أن الرهان الإسرائيلي على “الاستمرارية” يعكس مصلحة ضيقة، ولا يعني دعمًا لمصر كدولة، فإن الاستقرار الحقيقي يأتي من بناء مؤسسات قوية بما يضمن استدامة الدولة وتنميتها، وتحقيق التنمية الشاملة، لا من تمديد شخصي.
إذ تكشف متابعة تعاطي النخب الإسرائيلية مع التعديلات الدستورية في مصر عن اهتمامها بآثارها الاستراتيجية على مصالحها، بينما يغيب حضور النخب المصرية عن نقاش أعمق وأكثر مسؤولية حول مستقبل الدولة المصرية في ظل هذا الحكم المركزي.
ومن اللافت أن كلا الطرفين؛ الإسرائيلي والنظام المصري ينطلقان في رؤيتهما لهذا الطرح وتلك التعديلات من منطلق المصلحة البحتة لهما، دون أي اعتبار لرأي الشارع المصري! وكأنه طرف خارجي لا علاقة له ولا يعنيه هذا الشأن من قريب أو بعيد!
وختامًا، فإن إسرائيل قد تستفيد اليوم من “الشريك الآمن”، لكنها قد تدفع غدًا ثمن أي انفجار داخلي متراكم جراء تفاقم الأزمات الداخلية، واستمرار الفساد، وتآكل الثقة بين السلطة والمجتمع المصري.
([1]) https://www.i24news.tv/ar/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/middle-east/artc-c0094638






