
مقدمة:
منذ نهاية فبراير 2026، تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما وضع مصر في موقف صعب بين الحياد الرسمي والضغوط المتزايدة للانحياز الإقليمي.
فقد أسفرت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على أهداف إيرانية عن رد إيراني شمل هجمات صاروخية وطائرات مسيرة على دول خليجية عربية، منها الإمارات وقطر والسعودية والبحرين والكويت والأردن، ما أدى إلى تصعيد إقليمي حاد.
الموقف المصري الرسمي، استناداً إلى تصريحات عبد الفتاح السيسي وبيانات وزارة الخارجية ورئيس الوزراء، يميل إلى محاولة الحفاظ على دور دبلوماسي محدود.
ومع ذلك، يثير هذا الموقف تساؤلات حول جدواه في حماية المصالح المصرية، مثل تأمين حركة الملاحة في قناة السويس، وسط ضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة.
ويبدو هذا الموقف كرد فعل غير مؤثر في المشهد الإقليمي، ما يسلط الضوء على ضعف قدرة مصر على التأثير الإقليمي ومحدودية أدواتها في التعامل مع النزاعات الكبرى ضمن محيطها الاستراتيجي.
الحياد الحذر تردد وقيود واضحة:
يشكل الحياد الحذر التوجه الأساسي الظاهر للموقف المصري في الأزمة الراهنة، حيث تسعى القاهرة إلى تجنب الانخراط العسكري المباشر مع الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع جميع الأطراف.
من جانبه أكد وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان أن «مصر لن تكون طرفاً في أي تحالف عسكري ضد دولة في المنطقة»، مشدداً على أن الدول الخليجية لم تطلب دعماً عسكرياً مصرياً حتى الآن، وأن القاهرة مستعدة فقط لدعم أشقائها بما يُطلب دون تجاوز الحدود الدبلوماسية.
وكرر عبد الفتاح السيسي هذا التوجه في كلمته بحفل الإفطار السنوي للقوات المسلحة (مارس 2026)، مشيراً إلى جهود مصر السابقة لتجنب التصعيد عبر الوساطة بين واشنطن وطهران، قائلًا إن “الحروب دائماً ما يكون لها تأثيرات سلبية على الشعوب والدول الجوار وعلى أمن واستقرار المنطقة كلها”.
ورغم التأكيد الرسمي، فسر بعض المراقبين هذا الحياد على أنه تراجع في النفوذ، خاصة أن القاهرة التزمت صمتاً نسبياً في الأيام الأولى للعملية الأمريكية-الإسرائيلية، ما أثار شكوكاً حول ولائها وموقفها الحالي.
وفي هذا السياق، رفض بعض نواب البرلمان خطاب رئيس مجلس النواب هشام بدوي حول الحرب على إيران، الذي أدان خلاله استهداف طهران لدول عربية دون الإشارة إلى “العدوان الإسرائيلي-الأمريكي“
وفي المقابل أدانت مصر الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، إذ استنكرت وزارة الخارجية «بشدة استهداف إيران لوحدة وسلامة أراضي دول عربية شقيقة وانتهاك سيادتها»، مشيرة إلى قطر والإمارات والكويت والبحرين والأردن، واصفة ذلك بأنه «مخاطر جسيمة تهدد أمن واستقرار الدول العربية والمنطقة برمتها».
كما أكد السيسي في لقاءته مع قادة الخليج «رفض مصر القاطع لأي تهديد أو استهداف لأمن وسيادة واستقرار الدول العربية» و«تضامن مصر الكامل» مع الدول المتضررة، وجدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي في اتصالاته مع نظيره الأمريكي ونظرائه الخليجيين إدانة مصر الكاملة للاعتداءات الإيرانية.
ويطرح هذا التموضع المصري الحالي عدة تساؤلات حول مدى قدرة مصر على الفاعلية السياسية بالمنطقة تحت كل هذه الضغوط الإقليمية المتعددة، سواء الأمريكية أو الخليجية أو الإيرانية، في سياق إقليمي معقد يعاد هندسته بقوة خلال هذه الحرب.
وساطة تبدو محدودة النتائج:
أجرت القاهرة اتصالات مكثفة مع قادة دول الخليج والدول العربية، ومع واشنطن وطهران، وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن مصر «تواصل جهودها لخفض التصعيد» كما أعربت وزارة الخارجية في بيان صادر في مارس 2026 عن «بالغ القلق إزاء التصعيد العسكري الخطير»، داعية إلى «الحلول السياسية والسلمية» ومؤكدة أن “الحلول العسكرية لن تفضي سوى إلى المزيد من العنف”.
ومع ذلك، يثير هذا التواصل الدبلوماسي تساؤلات جدية حول مدى فعاليته، إذ يكشف عن تضاؤل النفوذ المصري في المنطقة، فاستمرار التصعيد العسكري رغم هذه الاتصالات، وعدم ظهور أي نتائج ملموسة حتى يومها الحالي، يبرز محدودية قدرة القاهرة على التأثير في قرارات الأطراف الرئيسية، كما يعكس محاولة لتغطية التراجع الفعلي في النفوذ الذي كانت تتمتع به مصر تاريخياً، وبدلاً من أن تكون فاعلاً مؤثراً في صناعة القرار الإقليمي، باتت القاهرة تبدو جهة تحاول فقط الحفاظ على وجود شكلي في أزمة تفوق قدراتها، ما يعمق الانطباع بتآكل وزنها الإقليمي أمام الفاعلين الأكثر حسمًا وفاعلية في المنطقة.
الضغوط الاقتصادية والأمنية.. تكشف الهشاشة الداخلية:
تواجه مصر ضغوطاً اقتصادية وأمنية مباشرة نتيجة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، إذ أدت التصعيدات إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق، وقد أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي حزمة إجراءات استثنائية لترشيد استهلاك الطاقة، بما في ذلك العمل عن بعد، بعد أن تضخمت فاتورة واردات الطاقة بشكل كبير.
كما فعلت الحكومة «غرفة الأزمات» لمتابعة المخزون الغذائي والوقود، وهذه الإجراءات تكشف عن هشاشة الاقتصاد المصري أمام أي تصعيد ممتد في محيطها الإقليمي.
وحذر عبد الفتاح السيسي من تداعيات إغلاق مضيق هرمز على قناة السويس، قائلاً إن «أي إغلاق لمضيق هرمز سيكون له تداعيات مباشرة على حركة الملاحة العالمية»، وتُظهر هذه الإجراءات الاستثنائية عدم الاستعداد الكافي لمواجهة تداعيات الحرب، مما يعرض الاستقرار الداخلي لمخاطر متزايدة.
ومما فاقم الوضع تعليق إسرائيل لصادرات الغاز الطبيعي إلى مصر، ما أدى إلى نقص يقدر بين 15% و20% من إجمالي الاستهلاك المصري، مصحوباً بانقطاعات متكررة في التيار الكهربائي وارتفاع الأسعار، مما غذّى حالة الإحباط الشعبي.
وفي ذات السياق تزيد المخاطر المتجددة من الحوثيين في البحر الأحمر من الضغوط على إيرادات قناة السويس، التي خسرت أكثر من 9 مليارات دولار منذ 2023، ضاغطة على هامش المناورة، كما شهدت السوق المصرية خروج مليارات الدولارات من الاستثمارات، كما انخفضت العملة المحلية إلى مستويات قياسية، فيما يفاقم ارتفاع أسعار الطاقة الضغوط على الموازنة العامة ويهدد بزيادة الفواتير على السكان الذين يعانون سنوات من التضخم المرتفع.
حتى قطاع النقل البحري والسياحة لم يسلم من التداعيات، إذ اضطرت الشركات لاعتماد مسارات بديلة حول أفريقيا، ما أدى إلى خسائر مالية بمليارات الدولارات.
وتظهر هذه المفارقة أن مصر، رغم عدم مشاركتها في الحرب مباشرة، تتحمل جزءاً كبيراً من الكلفة الاقتصادية والسياسية، ما يعكس هشاشة وضعها الداخلي أمام أي أزمة إقليمية كبرى.
تحديات التموضع الإقليمي الحالي:
يواجه الموقف المصري تحديات جوهرية في التوفيق بين الضغوط الأمريكية والخليجية المتزايدة، التي تتوقع تضامناً أكثر وضوحاً، وتوجهه الحالي نحو الحياد الحذر.
ورغم الإدانة الصريحة والمتكررة للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، تحافظ القاهرة على قنوات تواصل غير مباشرة مع طهران، كما أكدت مصادر رسمية، في محاولة للحفاظ على ما يُفترض أنه توازن دبلوماسي يسمح لها بالظهور كوسيط محتمل دون خسارة أي طرف بالكامل.
هذا الحياد الحذر، يثير انتقادات حول غموض الموقف المصري وتردده، فالتزام الصمت النسبي في الأيام الأولى للعملية الأمريكية-الإسرائيلية، متبوعاً بالتركيز على الدبلوماسية دون تقديم أي التزامات عملية قوية، يكشف عن ضعف واضح في القدرة على التموضع الإقليمي الفعال والحاسم ويبدو أن الحياد الحذر تحول في الممارسة المصرية إلى تردد سياسي مستمر، مما يهدد بتقليص متزايد لنفوذ القاهرة في المنطقة.
وتشير التقديرات إلى أن السعودية والإمارات تتبنيان موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران مع التركيز على كبح نفوذها الإقليمي، بينما تميل القاهرة إلى خيار الحياد.
وفي هذا السياق، برزت مؤشرات على حالة من الغضب الخليجية وعدم الارتياح إزاء ما اعتُبر غياباً لدعم مصري أكثر وضوحاً في لحظة توتر إقليمي حاد.
فخلال هذه الحرب، واجهت دول الخليج تهديدات مباشرة لأمنها، ما أثار تساؤلات لدى النخب الخليجية حول غياب موقف واضح وحازم من جانب مصر.
وتزيد هذه الحالة من تعقيد الموقف المصري، خاصة مع اعتماد اقتصادات القاهرة على تحويلات مئات آلاف العمال المصريين في الخليج، التي تشكل مصدراً مهماً للعملة الأجنبية، إذ قد يؤدي استياء بعض الدول الخليجية إلى تقليص أعداد هذه العمالة في المستقبل.
الخيارات الممكنة في ظل هشاشة التموضع المصري الراهن:
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن محدودية الفاعلية المصرية في الأزمة الحالية لا تعني انعدام البدائل، بقدر ما تعكس غياب التوظيف السياسي الفعال.
فقد كان من الممكن لمصر أن تسعى إلى بلورة مبادرة وساطة جادة بين دول الخليج وإيران، انطلاقًا من علاقاتها القائمة مع الطرفين، ومن مصلحتها الاستراتيجية المباشرة في احتواء الصراع ومنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة.
فاستقرار الخليج يرتبط عضوياً بالأمن المصري، كما أن الحفاظ على قنوات اتصال مع طهران يتيح للقاهرة هامش حركة يمكن استثماره دبلوماسياً لتعزيز موقعها الإقليمي بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل.
وفي السياق الداخلي، تكشف الأزمة أن الهشاشة الاجتماعية والسياسية تمثل أحد أبرز مواطن الضعف الكبير في الموقف المصري، فاستمرار القيود الواسعة على المجال العام واعتقال آلاف من المعارضين السياسيين أسهم في إضعاف التماسك المجتمعي وتقليص قنوات التعبير السلمي، بما يجعل الجبهة الداخلية أكثر عرضة للاهتزاز أمام أي صدمة إقليمية كبرى.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد أظهرت الأزمة بوضوح مخاطر الاعتماد المفرط على الخارج، سواء عبر الدعم الخليجي أو عبر برامج التمويل الدولية، في ظل ضعف القاعدة الإنتاجية المحلية، إذ يؤدي هذا النمط من الاعتماد إلى تضييق هامش القرار السياسي في أوقات الأزمات، ويجعل الاقتصاد أكثر انكشافاً للصدمات الخارجية.
ومن ثم، فإن إعادة الاعتبار لسياسات التصنيع وتعميق الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الدخل القومي تمثل خيارات استراتيجية لا تقل أهمية عن التحركات الدبلوماسية المتاحة، بل تشكل شرطاً مسبقاً لاستعادة قدر من الاستقلالية في القرارين السياسي والاقتصادي وكل هذه الخيارات مازالت غائبة حتى الآن.
وبذلك، يتضح أن الخيارات الممكنة أمام مصر لا تقتصر على إدارة التوازنات الإقليمية بحذر، بل تمتد إلى البنية الداخلية والاقتصادية والدبلوماسية.
الخاتمة
يبدو النهج المصري حتى الآن أقرب إلى إدارة الأزمة اليومية منه إلى صياغة رؤية استراتيجية واضحة، مما قد يؤدي إلى مزيد تقلص لدوره الإقليمي، والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع قد يفاقم الضغوط الداخلية التي كشفتها الحرب مثل: نقص إمدادات الطاقة، وتهديدات البحر الأحمر وقناة السويس.
ومن اللافت في الخطاب الرسمي المصري أنه يتسم بغياب واضح لتوصيف الفعل الأمريكي-الإسرائيلي في إيران، إذ يتجنب تسمية الفاعل أو تحميله مسؤولية اندلاع الحرب، ويعتمد صياغات عامة تتيح تفادي الإدانة المباشرة، ويعكس ذلك خشية النظام ورغبته فى الحفاظ على رضا واشنطن واستمرار التنسيق معها باعتباره وسيطًا غير منحاز.
ورغم تحسن العلاقات مع طهران في السنوات الأخيرة، تبقى أولوية العلاقة مع دول الخليج ذات وزن اقتصادي أكبر، لذا جاء استنكار الهجمات على الدول الخليجية صريحاً، من دون تصعيد مباشر ضد إيران، كما حرصت القاهرة على نفي أي علم مسبق بالهجوم لتجنب الانخراط السياسي في مسار التصعيد.
في المقابل، يظل خطاب “التضامن العربي” الذي تطرحه مصر إطاراً خطابياً أكثر منه عملياً، إذ تقتصر الرسائل على الدعوة للحوار دون طرح مبادرة محددة أو التزام ملموس لهذا المسار.
وعلى ذلك، فإذا طال أمد الصراع دون تحقيق مكاسب دبلوماسية أو حماية للمصالح الاقتصادية، فإن هامش المناورة المصرية سيضيق أكثر، وذلك في ظل حفاظ مصر على حضور شكلي دون القدرة على إعادة هندسة التحالفات أو فرض معادلات جديدة لصالحها في المنطقة.
وفي المحصلة، ليس من مصلحة مصر أن يتعزز موقع إسرائيل كفاعل أمني مركزي في الإقليم عبر هذه الحرب، لأنه يمثل تهديدًا للمصالح والأمن القومي المصري، وأما داخليًا فيؤدي ذلك التراجع للمكانة الإقليمية لمصر وتزايد الضغوط الاقتصادية إلى تصاعد حالة الإحباط العام، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات.
وبذلك، لا يقتصر الأثر السلبي على إعادة تشكيل التوازنات الخارجية بعيدا عن النفوذ المصري، بل يمتد ليعمق من تردي الوضع الداخلي.
لتكشف الأزمة عن تغييب خيارات كان يمكن أن تعزز الموقف المصري، وفي مقدمتها تفعيل وساطة جادة بين الخليج وإيران، ومعالجة الهشاشة الداخلية سياسياً واقتصادياً عبر توسيع المجال العام وتقوية قاعدة الإنتاج المحلي، ولكن غياب هذه المسارات قد كرس لإدارة الأزمة بردود الفعل بدلاً من المبادرة الاستراتيجية وصياغة البدائل الممكنة.






