مفاهيم

﴿أعزة على الكافرين﴾

محبة الله تعالى للعبد نعمة عظيمة ودرجة رفيعة، وقد بين سبحانه أن محبته تكون لأصحاب الصفات التي يرضى عنها سبحانه، فقال (إن الله يحب المتقين)، (إن الله يحب المحسنين)، (إن الله يحب المقسطين)، (إن الله يحب المتوكلين)، (والله يحب الصابرين)، (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)، (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص).

وفي المقابل، بين عز وجل أنه يحرم أصحاب الصفات الذميمة من محبته، فقال تعالى (إن الله لا يحب الكافرين)، (إن الله لا يحب المفسدين)، (إن الله لا يحب المعتدين)، (إن الله لا يحب الخائنين)، (إن الله لا يحب كل مختال فخور)، (والله لا يحب الظالمين).

ومن السهل أن يَدَّعي أحد أن الله تعالى يحبه، ويستدل على ذلك بنعم الله وعطاياه في الدنيا من مال أو منصب أو جاه أو قوة. وهذه كلها لا دليل فيها على محبة الله، بل هي من جملة الابتلاءات والامتحانات، كما قال سبحانه (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ..)، (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، (ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم). ومن رحمة الله بخلقه، أنه لم يتركهم لدعواهم وإنما جعل لهم علامات عملية محددة على محبته سبحانه، بحيث يستطيع كل مسلم أن يعرض نفسه عليها، فيعرف أين هو من محبة الله تعالى. وقد وردت هذه العلامات الكثيرة المحددة في عدة آيات قرآنية كريمة، وكذلك في أحاديث نبوية شريفة.

من ذلك ما جاء في قوله جل ثناؤه:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:٥٤]، فذكر فيها أربع صفات أو علامات على محبته سبحانه:

أذلة على المؤمنين

أعزة على الكافرين

يجاهدون في سبيل الله

ولا يخافون في الله لومة لائم.

وموضوعنا هنا، هذه العلامة اللافتة المميزة (أعزة على الكافرين)، ونحاول إجابة عدة مسائل فيها:

ما معنى (أعزة على الكافرين)؟

وكيف يكون المؤمنون أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين في آنٍ واحد؟

وما هي الصور العملية في حياتنا وأحداثنا التي تظهر فيها هذه العلامة (أعزة على الكافرين)؟

ما معنى (أعزة على الكافرين)؟

الإنسان من فطرته أن يعتز بما يرى أن له “قيمة” كبيرة في الحياة. فإن آمن أن قيمة المال أهم ما في الحياة، فإنه يشعر بالعزة بقدر ما يملك من المال، ويشعر بالدونية أمام من هو أغنى منه، فينكسر أمامه وربما يذل. وهكذا لو آمن بقيمة المنصب والجاه، فتجده يعتز لمجرد معرفته بصاحب منصب أو نفوذ وجاه، ولو كان بعلاقة بعيدة، فتجده مثلا يعتز كثيرا بقرابته لابن خالة زوج عمته، الذي يشغل منصب كذا، وينتفش بعزة صداقة ابنه لابن من له صداقة بالوزير الفلاني .. وهكذا. وقس عليه من يعتز بعرقه أو جنسيته أو مظهره أو لونه. شعور العزة يرجع للقيمة التي تؤمن بها لما تعتز به، سواء كانت هذه القيمة زائفة أو حقيقية. والذي يحدد القيمة الحقيقية للمؤمنين هو معيار الشرع لا غير، فإذا قال الحق (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وقال (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا)، وقال (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يفقهون)، فهذا معيار ما ينبغي للمؤمن أن يرى فيه العزة.

ومن لا يفقه، يطلب العزة في غير محلها من غير المؤمنين، ولذلك يوبخهم القرآن ويستنكر عليهم هذا الفهم ﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا﴾.

لذلك لا تجد في الدنيا من يعتز إلا بما يرى ويؤمن أن له “قيمة”، ولو لم يفعل عدَّه الناس أحمق أو مجنونا! كما لو امتلك إنسان جوهرة ثمينة، ثم ينظر لورقة مالية بسيطة في يد غيره بإعجاب أو انبهار أو تذلل، فهذا ليس عاقلا، أو لا يدرك حقيقة قيمة ما يملك.

من آمن بالله تعالى، امتلأ قلبه اعتزازا بهذا الدين العظيم، ولم ير شيئا أعز منه، ولا يمكن أن يطأطئ أو يذل لكافر، بل يكون أبيا عزيزا في التعامل معه، بعزة راجعة لما يؤمن به، ولانتسابه لهذا الدين العظيم، وليس استعلاء شخصيا ذاتيا، وإنما اعتزازا بعقيدة الإسلام وبالراية التي يصطف تحتها، واستعلاء بهذا الإيمان ولو خسر معركة أو جولة (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين). يغيب شعور العزة عند التعامل مع الكافرين، عندما تغيب من قلوبنا قيمة الدين، أو مقام الدين، أو نعمة الدين، أو كرامة الدين.

وكيف يكون المؤمنون أذلة أعزة في آنٍ واحد؟

السياق القرآني لافت في وضعه لعلامتين لمحبة الله تعالى لعبده بهذا الترتيب (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)، وكأنه توجيه لأن تكون مشاعرنا وانفعالنا راشدا بحسب الموقف والحدث، ولو طبع المؤمن على العزة دائما، فيأتي لموقف يتطلب ذلة لأخيه المؤمن فلا يستطيعها، ولكن كونه مرنا بحيث يمكنه أن يكون لينا متواضعا ذلولا، ويمكنه أن يكون عزيزا مستعليا شديدا بحسب توجيه الشرع.

ولا تنافي بين الوصفين، فالمؤمن عزيز أمام عدوه لا يُغلب، ويجابهه بقوة. والمؤمن أيضا يلين ويتواضع مع إخوته من المؤمنين، ويخفض جناح الذل من الرحمة لوالديه امتثالاً لأمر الحق سبحانه (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)، وهل إذا خفض مؤمن جناح الذل لوالديه. أيخدش ذلك عزته؟ لا. بل ذلك أمر يرفع من عزة الإنسان ونبله.

ولعلماء التفسير أقوال في ورود (على) في قوله تعالى (أذلة على المؤمنين)، ولم يقل أذلة للمؤمنين، رغم أن “على” تفيد العلو. والذلة تفيد المكانة المنخفضة، وقد أجاب الزمخشري في الكشاف عن ذلك بقوله:

“فيه وجهان: أحدهما – أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف، كأنه قيل عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع – والثاني – أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ونحوه قوله عز وجل (أشداء على الكفار رحماء بينهم)”.

وقال آخرون إنه تعالى ذكر (على) للإشارة إلى علو منصبهم وفضلهم وشرفهم، وأن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم، بل ذلك التذلل إنما كان لأنهم أرادوا أن يضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع.

فالمعنى السامي إذن لهذا الوصف الكريم أنهم أرقاء على المؤمنين في معاملتهم يخفضون جناحهم، فهي ذلة حانية، لَا من قبيل الخنوع الذميم.

الصور العملية في حياتنا وأحداثنا التي تظهر فيها هذه العلامة (أعزة على الكافرين)

لقد صار العالم شديد التقارب والاختلاط في العقود الأخيرة، وأصبح التأثر المتبادل بين الشعوب أكبر وأعمق، وأصبحت المفاهيم والقيم التي يتربى عليها المسلمون تكتسب أهمية أكبر للحفاظ على هويتهم ودينهم، وإلا ذابوا في مفاهيم وقيم الآخرين من حيث لم يشعروا. إن مظاهر الهزيمة النفسية، والانكسار والخنوع والشعور بالدونية تجاه الآخر لقوته المادية، أو دعايته المحترفة، أو لإعلامه المُسيطِر، أو لغيرها من العوامل أصبحت من المظاهر والظواهر المشاهَدة بل والمألوفة، ما يجعل الانتباه لاستمساك المسلمين بقيمهم وثوابتهم أشد إلحاحا وضرورة، ومن ذلك صفة (أعزة على الكافرين)

على المؤمن الحقِّ أن يفرَّق بين معاملته للمؤمنين والكافرين، كما فرَّق اللهُ بينهما، فيذِلَّ للمؤمن، بمعنى يلين ويخفض جناحَه لا أن يعطي الدنيّة في نفسه، ويعزّ على الكافر لشعوره بأنه بالفعل يمتلك ما هو أعلى، ومن دون أن يظلمَه أو يسلبه حقَّه.

المسلمون بين أيديهم مفاتيح سعادة البشرية، بهذا المنهج الرباني. المسلمون أمة مبعوثة للناس – كل الناس – لإخراجهم من الظلمات إلى النور (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، فلا يليق بهم أن يتعاملوا مع الكافرين بدونية أو مذلة.

ونفس العلامة والصفة على مستوى الأفراد، فكل مسلم يختلط بغير المسلمين، ينبغي أن يعتز ويتشرف بدينه، ويستعلي بهذه النعمة العظيمة، ولا يعني هذا أن يتكبر على غيره، أو يستعلي بذاته أو بشخصه، وإنما يستعلي بما ينتسب إليه بهذا الدين العظيم. المسلم يُظهر عباداته، ويتشرف بهذا ولا يخجل منه – كما يفعل البعض مع الأسف الشديد، فيتوارى بعبادته كما يواري عورته – ويعلن أن الله أمره بهذه المعاملة المالية مثلا، وأن الله نهاه عن معاملة مالية أخرى. يعلن باستعلاء أن الله نهاه عن الخلوة المحرمة، وعن أكل الربا وعن الفحش والبذاءة، وتعلن المسلمة باستعلاء أن الله شرفها بالحجاب، وأمرها باجتناب أسباب ومظاهر الفساد والانحلال .. إلخ.

كل هذا يحتاج صبرا ومدافعة، ولذلك أكمل الله تعالى في الآية الكريمة علامات محبته لعباده بأنهم (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)، فتأمل كيف ختمها بهذه الإشارة إلى أن الذين يحبهم الله ويحبون الله والذين هم أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين ويجاهدون في سبيل الله فلا تظن أنهم بمنأى عن سخرية الساخرين، وهزؤ المستهزئين، ولوم اللائمين ليردوهم عن هذه الصفات المباركة، فلا ينبغي أن يستجيبوا لمثل هذه الضغوط والعوائق، بل يمضون في مرضاة الله تعالى.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى