إصداراتتقدير موقف

ما طبيعة العلاقات الصينية الإسرائيلية بعد طوفان الأقصى؟

📖
ملخص المقال — اضغط للقراءة والاستماع
يتناول هذا التقرير دراسة صادرة عن دورية القدس الاستراتيجية بعنوان "نهاية الأوهام: كيف أساءت الصين وإسرائيل فهم بعضهما البعض" للباحثة يانغ منغ،…

يتناول هذا التقرير دراسة صادرة عن دورية القدس الاستراتيجية بعنوان "نهاية الأوهام: كيف أساءت الصين وإسرائيل فهم بعضهما البعض" للباحثة يانغ منغ، والتي تبحث في طبيعة العلاقات الصينية الإسرائيلية بعد أحداث السابع من أكتوبر، وتفسر أسباب التباعد الذي ظهر بين الجانبين رغم سنوات طويلة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي. وترى الدراسة أن الأزمة لم تكن وليدة الحرب وحدها، بل كشفت عن اختلالات متراكمة في فهم كل طرف للآخر، حيث نظرت الصين إلى إسرائيل من خلال أطر سياسية وأيديولوجية تهتم بالقضية الفلسطينية والعلاقات الدولية، بينما أخفقت في فهم المجتمع الإسرائيلي وهواجسه الأمنية. في المقابل، بالغت إسرائيل في الاعتقاد بأن التعاون الاقتصادي والتكنولوجي كفيل ببناء شراكة مستقرة مع الصين، متجاهلة تأثير الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية في توجهات بكين.

أوضحت الدراسة أن أحداث السابع من أكتوبر أنهت "وهم الشراكة الطبيعية" بين الطرفين، وأظهرت أن العلاقات الاقتصادية وحدها لا تكفي لتجاوز الخلافات المرتبطة بالهوية والسياسة والأمن، خاصة في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتزايد حضور الاعتبارات الأيديولوجية في تشكيل السياسات الدولية. كما كشفت الحرب تراجع عدد من المسلمات السياسية التي اعتقدت إسرائيل أنها تحظى بإجماع واسع داخل المجتمع الدولي، وبرزت مواقف مختلفة في الجامعات والمنظمات الدولية، مما عكس تغيرًا في طريقة النظر إلى الصراع. ترى الدراسة أن الموقف الصيني لم يكن استثناءً، بل نموذجًا واضحًا لتحولات نظرة القوى الدولية إلى إسرائيل بعد الحرب.

على مدار العقدين الماضيين، ساد اعتقاد لدى الجانبين بأن العلاقات الصينية الإسرائيلية تتجه نحو شراكة طبيعية ومستقرة، مدفوعة بتوسع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وازدياد التبادل بين الجامعات والمؤسسات البحثية، واهتمام الصين بالخبرات الإسرائيلية في مجالات الابتكار. افترض الطرفان أن المصالح الاقتصادية، والتعاون التكنولوجي، والعلاقات بين الشعوب، قادرة على تجاوز الخلافات السياسية القائمة، وأن هذه المصالح ستوفر أساسًا دائمًا لاستمرار العلاقات الثنائية. غير أن أحداث السابع من أكتوبر كشفت أن هذه الرؤية كانت تقوم على تقديرات غير دقيقة من الجانبين، وأن الثقة التي بُنيت خلال السنوات الماضية لم تستند إلى فهم حقيقي لطبيعة كل مجتمع، بل إلى توقعات متفائلة لم تصمد أمام اختبار الأزمة.

أحد أسباب سوء الفهم بين الصين وإسرائيل يعود إلى طبيعة المعرفة الصينية المتعلقة بالشرق الأوسط، والتي اتسمت لفترة طويلة باختلال واضح في الاهتمام الأكاديمي. ركزت المؤسسات الأكاديمية الصينية بصورة أساسية على دراسة الدول العربية، والسياسات الإقليمية، والعلاقات الدولية، والقضايا الاستراتيجية، في حين ظل الاهتمام بالمجتمع الإسرائيلي المعاصر محدودًا نسبيًّا. كما انصرفت نسبة كبيرة من الدراسات الصينية المتعلقة باليهود إلى الجوانب الدينية والتاريخية والأدبية، وتاريخ الجاليات اليهودية في الصين، دون أن تمنح مساحة كافية لدراسة السياسة الإسرائيلية، وبنية المجتمع، والهواجس الأمنية التي تؤثر في صناعة القرار داخل إسرائيل. هذا الاختلال انعكس على طبيعة تفسير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية الصينية.

تأثرت النظرة الصينية إلى إسرائيل على مدى عقود بعدد من التصورات التاريخية والثقافية، إذ ارتبط اليهود في الوعي الصيني بصفات مثل الاجتهاد والنجاح في مجالات التجارة والعلوم والتعليم، إلا أن هذه الصورة لم تنعكس بالضرورة على الموقف من السياسات الإسرائيلية، إذ بقي التمييز قائمًا بين الإعجاب بالنجاحات اليهودية وبين تقييم السلوك السياسي لإسرائيل في الصراع مع الفلسطينيين. هذا الفصل بين الجانبين أدى إلى بقاء التعاطف الثقافي مع اليهود دون أن يتحول إلى تأييد سياسي لإسرائيل، وهو ما ظهر بصورة أوضح مع اندلاع الحرب بعد السابع من أكتوبر، حيث مالت قطاعات واسعة من الرأي العام الصيني إلى التركيز على الأبعاد الإنسانية والسياسية للصراع، أكثر من تركيزها على الاعتبارات الأمنية التي طرحتها إسرائيل لتسويغ عملياتها العسكرية.

يميل النقاش العام في الصين إلى تفسير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال أطر مألوفة، مثل القومية العربية، ومناهضة الاستعمار، والتنافس بين القوى الكبرى، وخطاب "الجنوب العالمي"، بدلاً من تفسيره انطلاقًا من التجربة التاريخية للمجتمع الإسرائيلي أو اعتبارات الأمن التي تحكمه. غالبية المواطنين الصينيين لا يملكون احتكاكًا مباشرًا باليهود، ولذلك تتشكل تصوراتهم بصورة رئيسة من الكتب، ووسائل الإعلام، والأفلام، والمنصات الرقمية. اعتقدت دوائر سياسية واقتصادية إسرائيلية أن توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار والاستثمار والبنية التحتية سيؤدي تدريجيًّا إلى تعزيز التقارب السياسي، وأن المصالح الاقتصادية المشتركة ستكون كافية لتقليل تأثير الخلافات المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

إلا أن أحداث السابع من أكتوبر كشفت أن هذا التصور لم يكن دقيقًا، إذ حافظت الصين على مواقفها السياسية التقليدية تجاه الصراع، ولم تسمح للمصالح الاقتصادية بأن تغير ثوابتها في السياسة الخارجية، وهو ما شكل صدمة لدى قطاعات إسرائيلية كانت تتوقع موقفًا أكثر قربًا من تل أبيب نتيجة سنوات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي. كشفت الأزمة أيضًا حدود الدبلوماسية الاقتصادية عندما لا تكون مدعومة بفهم متبادل للخلفيات التاريخية والثقافية والسياسية، وهو ما جعل الحرب لحظة فاصلة أنهت كثيرًا من التصورات التي حكمت العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية.

تربط الدراسة بين تطور العلاقات الصينية الإسرائيلية وبين التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي، وإعادة تشكيل التحالفات الدولية، وكلها عوامل انعكست على طريقة تعامل الصين مع الحرب في غزة. هذه المتغيرات جعلت بكين أكثر تمسكًا بخطابها التقليدي الداعي إلى احترام القانون الدولي، وإقامة الدولة الفلسطينية، ورفض توسيع العمليات العسكرية، وهو ما زاد من اتساع الفجوة مع الرؤية الإسرائيلية للأحداث. فهم هذه التحولات أصبح ضروريًّا لتفسير طبيعة العلاقات الصينية الإسرائيلية، لأن الخلاف لم يعد مرتبطًا بحدث عابر، وإنما يعكس اختلافًا في قراءة النظام الدولي وأولويات السياسة الخارجية لدى كل طرف.

رغم أهمية ما قدمته الدراسة من تحليل لطبيعة التحولات التي طرأت على العلاقات الصينية الإسرائيلية، ورصدها لتداعيات الحرب على مستوى التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، فإنها لم تستوفِ بعض الأبعاد الاستراتيجية الأوسع التي تحكم الموقف الصيني وتحدد مسارات العلاقة بين الطرفين. فقد أغفلت الدراسة أن الموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية والعلاقات مع الاحتلال يمكن فهمه كذلك، بحسابات المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، إذ تمنح القضية الفلسطينية بكين مساحة لتعزيز صورتها كقوة دولية ذات رؤية مختلفة عن النموذج الغربي في إدارة الأزمات، وترسيخ حضورها لدى دول الإقليم، دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع واشنطن.

حرصت الصين خلال السنوات الأخيرة على تقديم نفسها بوصفها طرفًا يدعو إلى تعددية الأقطاب، وينتقد ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية، وهو ما جعل موقفها من القضية الفلسطينية جزءًا من خطاب سياسي أوسع، فالصين تنظر للمنطقة ضمن شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية تشمل أمن الطاقة، والأسواق، وممرات التجارة، ومبادرة الحزام والطريق، وتمثل المنطقة العربية عنصرًا مهمًا في الرؤية الصينية للتوسع الاقتصادي والجيوسياسي. كما يظل أحد الأبعاد المهمة لفهم الموقف الصيني مرتبطًا بعلاقة بكين الاستراتيجية بطهران، إذ تمثل الشراكة الصينية الإيرانية عنصرًا مؤثرًا في الحسابات الإقليمية للصين، فخطة التعاون طويلة الأمد بين البلدين، الممتدة لـ 25 عامًا، والتي تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار والتعاون الأمني، تمنح بكين مصالح استراتيجية في الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران، باعتبارها دولة ذات موقع جيوسياسي مؤثر وممر مهم في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي.

لم تتناول الدراسة أثر الضغوط الأمريكية المتزايدة في رسم حدود التعاون بين الاحتلال والصين، خاصة في المجالات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والاستثمارات الاستراتيجية. فقد أصبحت قطاعات مثل الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، والبنية التحتية الرقمية، ساحات رئيسة للتنافس الأمريكي الصيني، وهو ما انعكس على قدرة إسرائيل على توسيع علاقاتها مع بكين في المجالات الحساسة. اتخذت إسرائيل إجراءات رسمية، وفي مقدمتها إنشاء آليات لفحص الاستثمارات الأجنبية تحت ضغط أمريكي مباشر، بهدف مراجعة الاستثمارات الأجنبية، لا سيما الصينية منها، في القطاعات ذات الحساسية الاستراتيجية، مثل التكنولوجيا المتقدمة، والبنية التحتية، والمجالات ذات الاستخدامات المزدوجة.

تنظر الولايات المتحدة إلى بعض أشكال التعاون الصيني الإسرائيلي باعتبارها مرتبطة باعتبارات الأمن القومي، الأمر الذي دفع إلى ممارسة ضغوط متزايدة للحد من هذا التعاون أو ضبطه. وعليه، فإنه مع هذا الارتباط العضوي بين إسرائيل والولايات المتحدة، سيظل سقف تحسن العلاقات الصينية مع إسرائيل محدودًا، فبكين تدرك أن الاحتلال يمثل قاعدة أمريكية متقدمة في المنطقة. رصدت الدراسة عددًا من مواطن الضعف التي كشفتها الحرب في إدارة إسرائيل لعلاقاتها مع الصين، أولها تلك المبالغة في تقدير أثر التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، والاعتقاد بأن تشابك المصالح كفيل بإحداث تحول في المواقف السياسية الصينية تجاه إسرائيل، وهو ما يعكس ضعف الاهتمام الإسرائيلي ببناء فهم أعمق للبيئة الفكرية والسياسية داخل الصين، وعدم وعيها بطبيعة الخطاب الصيني تجاه القضية الفلسطينية، أو لمكانة العالم العربي في السياسة الخارجية لبكين.

توحي المعطيات بأن العلاقة بين الصين وإسرائيل مرشحة لأن تبقى محصورة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، مع استمرار التباعد السياسي، إذ تبدو بكين غير مستعدة لربط مصالحها الاقتصادية بتعديل ثوابتها تجاه قضايا العالم العربي. تكشف هذه الأزمة أن النظام الدولي لم يعد خاضعًا لهيمنة القطب الأمريكي، مع بروز قوى أخرى، مثل الصين وروسيا، تمتلك أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية تمكنها من التأثير في عدد متزايد من الملفات الدولية والإقليمية. تشير هذه التحولات إلى اتساع هامش الحركة أمام الدول العربية في بناء شراكاتها مع الصين، ليس فقط في مجالات الطاقة، والاستثمار، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والتجارة، وإنما أيضًا في المجال السياسي، فتنوع الشراكات يمنح الدول العربية مساحة أكبر للمناورة في ظل بيئة دولية تتعدد فيها مراكز التأثير ولا تقتصر على قوة دولية واحدة، بما يمنح هذه الدول إن أرادت مساحة أوسع لتنويع تحالفاتها خلال الفترة القادمة. وختامًا، لا شك أن أحداث طوفان الأقصى أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها أو اختزالها، وفي هذا السياق، ستواصل الصين صياغة سياستها تجاه الإقليم انطلاقًا من رؤيتها لمكانتها الدولية، ومصالحها مع العالم العربي، وحساباتها في المنافسة العالمية، بما يؤكد أن تداعيات السابع من أكتوبر تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتؤثر بشكل أوسع في طبيعة العلاقات الدولية.

يتناول هذا التقرير مضامين الدراسة الصادرة عن دورية القدس الاستراتيجية (JST) بعنوان “نهاية الأوهام: كيف أساءت الصين وإسرائيل فهم بعضهما البعض، من إعداد الباحثة يانغ منغ، والتي تبحث في طبيعة العلاقات الصينية الإسرائيلية بعد أحداث السابع من أكتوبر، وتفسر أسباب التباعد الذي ظهر بين الجانبين عقب الحرب، رغم سنوات طويلة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي.

وتذهب الدراسة إلى أن الأزمة لم تكن وليدة الحرب وحدها، وإنما كشفت عن اختلالات متراكمة في فهم كل طرف للطرف الآخر. فالصين، بحسب الدراسة، نظرت إلى إسرائيل من خلال أطر سياسية وأيديولوجية يغلب عليها الاهتمام بالقضية الفلسطينية والعلاقات الدولية، بينما أخفقت في تكوين فهم متوازن للمجتمع الإسرائيلي وهواجسه الأمنية.

 وفي المقابل، بالغت إسرائيل في الاعتقاد بأن التعاون الاقتصادي والتكنولوجي كفيل ببناء شراكة مستقرة مع الصين، متجاهلة تأثير الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية في توجهات بكين.

كما توضح الدراسة أن أحداث السابع من أكتوبر أنهت ما تصفه بـ”وهم الشراكة الطبيعية” بين الطرفين، وأظهرت أن العلاقات الاقتصادية وحدها لا تكفي لتجاوز الخلافات المرتبطة بالهوية والسياسة والأمن، خاصة في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتزايد حضور الاعتبارات الأيديولوجية في تشكيل السياسات الدولية.

إعداد: يانغ منغ دورية القدس الاستراتيجية (JST)

ذكرت الدراسة أن إسرائيل، بعد أحداث السابع من أكتوبر، واجهت أخطر أزمة أمنية في تاريخها الحديث، إلا أن الصدمة الأكبر لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين لم تقتصر على الهجوم نفسه، بل امتدت إلى طبيعة ردود الفعل الدولية التي تلته.

وأوضحت الباحثة أن الحرب كشفت تراجع عدد من المسلمات السياسية التي اعتقدت إسرائيل أنها تحظى بإجماع واسع داخل المجتمع الدولي. فقد برزت مواقف مختلفة في الجامعات الأوروبية والأمريكية، والمنظمات الدولية، والعديد من الساحات الفكرية والسياسية، بما عكس تغيرًا في طريقة النظر إلى الصراع.

وفي هذا السياق، ترى كاتبة الدراسة أن الموقف الصيني لم يكن حالة استثنائية، لكنه مثل نموذجًا واضحًا لفهم طبيعة التحولات التي طرأت على نظرة عدد من القوى الدولية إلى إسرائيل بعد الحرب.

تشير الدراسة إلى أنه على مدار العقدين الماضيين، ساد اعتقاد لدى الجانبين بأن العلاقات الصينية الإسرائيلية تتجه نحو شراكة طبيعية ومستقرة، مدفوعة بتوسع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وازدياد التبادل بين الجامعات والمؤسسات البحثية، إلى جانب اهتمام الصين بالخبرات الإسرائيلية في مجالات الابتكار.

وبحسب الدراسة، افترض الطرفان أن المصالح الاقتصادية، والتعاون التكنولوجي، والعلاقات بين الشعوب، قادرة على تجاوز الخلافات السياسية القائمة، وأن هذه المصالح ستوفر أساسًا دائمًا لاستمرار العلاقات الثنائية.

غير أن أحداث السابع من أكتوبر، وفق الباحثة، كشفت أن هذه الرؤية كانت تقوم على تقديرات غير دقيقة من الجانبين، وأن الثقة التي بُنيت خلال السنوات الماضية لم تستند إلى فهم حقيقي لطبيعة كل مجتمع، بل إلى توقعات متفائلة لم تصمد أمام اختبار الأزمة.

ترى كاتبة الدراسة أن أحد أسباب سوء الفهم بين الصين وإسرائيل يعود إلى طبيعة المعرفة الصينية المتعلقة بالشرق الأوسط، والتي اتسمت لفترة طويلة باختلال واضح في الاهتمام الأكاديمي.

وتوضح الباحثة أن المؤسسات الأكاديمية الصينية ركزت بصورة أساسية على دراسة الدول العربية، والسياسات الإقليمية، والعلاقات الدولية، والقضايا الاستراتيجية، في حين ظل الاهتمام بالمجتمع الإسرائيلي المعاصر محدودًا نسبيًّا.

كما انصرفت نسبة كبيرة من الدراسات الصينية المتعلقة باليهود إلى الجوانب الدينية والتاريخية والأدبية، وتاريخ الجاليات اليهودية في الصين، دون أن تمنح مساحة كافية لدراسة السياسة الإسرائيلية، وبنية المجتمع، والهواجس الأمنية التي تؤثر في صناعة القرار داخل إسرائيل.

وتؤكد الدراسة أن هذا الاختلال لا يعني غياب المعرفة بإسرائيل، وإنما يشير إلى أنها لم تحتل مكانة متوازنة داخل الدراسات الصينية الخاصة بالشرق الأوسط، الأمر الذي انعكس على طبيعة تفسير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية الصينية.

توضح الدراسة أن النظرة الصينية إلى إسرائيل تأثرت على مدى عقود بعدد من التصورات التاريخية والثقافية، إذ ارتبط اليهود في الوعي الصيني بصفات مثل الاجتهاد والنجاح في مجالات التجارة والعلوم والتعليم، إلا أن هذه الصورة، بحسب الباحثة، لم تنعكس بالضرورة على الموقف من السياسات الإسرائيلية، إذ بقي التمييز قائمًا بين الإعجاب بالنجاحات اليهودية وبين تقييم السلوك السياسي لإسرائيل في الصراع مع الفلسطينيين.

وترى كاتبة الدراسة أن هذا الفصل بين الجانبين أدى إلى بقاء التعاطف الثقافي مع اليهود دون أن يتحول إلى تأييد سياسي لإسرائيل، وهو ما ظهر بصورة أوضح مع اندلاع الحرب بعد السابع من أكتوبر، حيث مالت قطاعات واسعة من الرأي العام الصيني إلى التركيز على الأبعاد الإنسانية والسياسية للصراع، أكثر من تركيزها على الاعتبارات الأمنية التي طرحتها إسرائيل لتسويغ عملياتها العسكرية.

توضح الدراسة أن النقاش العام في الصين يميل إلى تفسير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال أطر مألوفة، مثل القومية العربية، ومناهضة الاستعمار، والتنافس بين القوى الكبرى، وخطاب “الجنوب العالمي”، بدلاً من تفسيره انطلاقًا من التجربة التاريخية للمجتمع الإسرائيلي أو اعتبارات الأمن التي تحكمه.

كما تلفت الدراسة إلى أن غالبية المواطنين الصينيين لا يملكون احتكاكًا مباشرًا باليهود، ولذلك تتشكل تصوراتهم بصورة رئيسة من الكتب، ووسائل الإعلام، والأفلام، والمنصات الرقمية.

وتشير الباحثة إلى أن دوائر سياسية واقتصادية إسرائيلية اعتقدت أن توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار والاستثمار والبنية التحتية سيؤدي تدريجيًّا إلى تعزيز التقارب السياسي، وأن المصالح الاقتصادية المشتركة ستكون كافية لتقليل تأثير الخلافات المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

إلا أن أحداث السابع من أكتوبر كشفت، وفق الدراسة، أن هذا التصور لم يكن دقيقًا، إذ حافظت الصين على مواقفها السياسية التقليدية تجاه الصراع، ولم تسمح للمصالح الاقتصادية بأن تغير ثوابتها في السياسة الخارجية، وهو ما شكل صدمة لدى قطاعات إسرائيلية كانت تتوقع موقفًا أكثر قربًا من تل أبيب نتيجة سنوات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي.

وترى كاتبة الدراسة أن الأزمة كشفت أيضًا حدود الدبلوماسية الاقتصادية عندما لا تكون مدعومة بفهم متبادل للخلفيات التاريخية والثقافية والسياسية، وهو ما جعل الحرب لحظة فاصلة أنهت كثيرًا من التصورات التي حكمت العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية.

تربط الدراسة بين تطور العلاقات الصينية الإسرائيلية وبين التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي، وإعادة تشكيل التحالفات الدولية، كلها عوامل انعكست على طريقة تعامل الصين مع الحرب في غزة.

وتشير الباحثة إلى أن هذه المتغيرات جعلت بكين أكثر تمسكًا بخطابها التقليدي الداعي إلى احترام القانون الدولي، وإقامة الدولة الفلسطينية، ورفض توسيع العمليات العسكرية، وهو ما زاد من اتساع الفجوة مع الرؤية الإسرائيلية للأحداث.

وترى كاتبة الدراسة أن فهم هذه التحولات أصبح ضروريًّا لتفسير طبيعة العلاقات الصينية الإسرائيلية، لأن الخلاف لم يعد مرتبطًا بحدث عابر، وإنما يعكس اختلافًا في قراءة النظام الدولي وأولويات السياسة الخارجية لدى كل طرف.

رغم أهمية ما قدمته الدراسة من تحليل لطبيعة التحولات التي طرأت على العلاقات الصينية الإسرائيلية، ورصدها لتداعيات الحرب على مستوى التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، فإنها لم تستوفِ بعض الأبعاد الاستراتيجية الأوسع التي تحكم الموقف الصيني وتحدد مسارات العلاقة بين الطرفين.

فقد أغفلت الدراسة أن الموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية والعلاقات مع الاحتلال يمكن فهمه كذلك، بحسابات المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، إذ تمنح القضية الفلسطينية بكين مساحة لتعزيز صورتها كقوة دولية ذات رؤية مختلفة عن النموذج الغربي في إدارة الأزمات، وترسيخ حضورها لدى دول الإقليم، دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع واشنطن.

وقد حرصت الصين خلال السنوات الأخيرة على تقديم نفسها بوصفها طرفًا يدعو إلى تعددية الأقطاب، وينتقد ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية، وهو ما جعل موقفها من القضية الفلسطينية جزءًا من خطاب سياسي أوسع، فالصين تنظر للمنطقة ضمن شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية تشمل أمن الطاقة، والأسواق، وممرات التجارة، ومبادرة الحزام والطريق، وتمثل المنطقة العربية عنصرًا مهمًا في الرؤية الصينية للتوسع الاقتصادي والجيوسياسي.

كما يظل أحد الأبعاد المهمة لفهم الموقف الصيني_ وهو ما لم يرد بالدراسة _مرتبطًا بعلاقة بكين الاستراتيجية بطهران، إذ تمثل الشراكة الصينية الإيرانية عنصرًا مؤثرًا في الحسابات الإقليمية للصين، فخطة التعاون طويلة الأمد بين البلدين، الممتدة لـ 25 عامًا، والتي تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار والتعاون الأمني، تمنح بكين مصالح استراتيجية في الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران، باعتبارها دولة ذات موقع جيوسياسي مؤثر وممر مهم في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي.

كما لم تتناول الدراسة أثر الضغوط الأمريكية المتزايدة في رسم حدود التعاون بين الاحتلال والصين، خاصة في المجالات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والاستثمارات الاستراتيجية. فقد أصبحت قطاعات مثل الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، والبنية التحتية الرقمية، ساحات رئيسة للتنافس الأمريكي الصيني، وهو ما انعكس على قدرة إسرائيل على توسيع علاقاتها مع بكين في المجالات الحساسة، وينبغي هنا الإشارة إلى الإجراءات الرسمية التي اتخذتها إسرائيل، وفي مقدمتها إنشاء آليات لفحص الاستثمارات الأجنبية تحت ضغط أمريكي مباشر، بهدف مراجعة الاستثمارات الأجنبية

لا سيما الصينية منها، في القطاعات ذات الحساسية الاستراتيجية، مثل التكنولوجيا المتقدمة، والبنية التحتية، والمجالات ذات الاستخدامات المزدوجة.

فالولايات المتحدة تنظر إلى بعض أشكال التعاون الصيني الإسرائيلي باعتبارها مرتبطة باعتبارات الأمن القومي، الأمر الذي دفع إلى ممارسة ضغوط متزايدة للحد من هذا التعاون
أو ضبطه.

وعليه، فإنه مع هذا الارتباط العضوي بين اسرائيل والولايات المتحدة، سيظل سقف تحسن العلاقات الصينية مع إسرائيل محدودًا، فبكين تدرك أن الاحتلال يمثل قاعدة أمريكية متقدمة في المنطقة.

وقد رصدت الدراسة عددًا من مواطن الضعف التي كشفتها الحرب في إدارة إسرائيل لعلاقاتها مع الصين، أولها تلك المبالغة في تقدير أثر التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، والاعتقاد بأن تشابك المصالح كفيل بإحداث تحول في المواقف السياسية الصينية تجاه إسرائيل، وهو ما يعكس ضعف الاهتمام الإسرائيلي ببناء فهم أعمق للبيئة الفكرية والسياسية داخل الصين، وعدم وعيها بطبيعة الخطاب الصيني تجاه القضية الفلسطينية، أو لمكانة العالم العربي في السياسة الخارجية لبكين، وتوحي المعطيات بأن العلاقة بين الصين وإسرائيل مرشحة لأن تبقى محصورة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، مع استمرار التباعد السياسي، إذ تبدو بكين غير مستعدة لربط مصالحها الاقتصادية بتعديل ثوابتها تجاه قضايا العالم العربي.

وتكشف هذه الأزمة أن النظام الدولي لم يعد خاضعًا لهيمنة القطب الأمريكي ، مع بروز قوى أخرى، مثل الصين وروسيا، تمتلك أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية تمكنها من التأثير في عدد متزايد من الملفات الدولية والإقليمية، وتشير هذه التحولات إلى اتساع هامش الحركة أمام الدول العربية في بناء شراكاتها مع الصين، ليس فقط في مجالات الطاقة، والاستثمار، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والتجارة، وإنما أيضًا في المجال السياسي، فتنوع الشراكات يمنح الدول العربية مساحة أكبر للمناورة في ظل بيئة دولية تتعدد فيها مراكز التأثير ولا تقتصر على قوة دولية واحدة، بما يمنح هذه الدول إن أرادت مساحة أوسع لتنويع تحالفاتها خلال الفترة القادمة.

وختامًا فلا شك أن أحداث طوفان الأقصى أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها أو اختزالها وفي هذا السياق، ستواصل الصين صياغة سياستها تجاه الإقليم انطلاقًا من رؤيتها لمكانتها الدولية، ومصالحها مع العالم العربي، وحساباتها في المنافسة العالمية، بما يؤكد أن تداعيات السابع من أكتوبر تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتؤثر بشكل أوسع في طبيعة العلاقات الدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى