السياسات الإسرائيلية تجاه سوريا: تحول من رؤية أمنية، إلى خطة توسعية ممتدة

الملخص التنفيذي:
يعرض هذا التقرير قراءة تحليلية معمَّقة للسياسات الإسرائيلية تجاه الساحة السورية كما عكستها تصريحات رسمية، وتقارير ميدانية، وتحليلات صادرة عن وسائل إعلام ومراكز بحث إسرائيلية.
وتُظهر المواد الواردة أن إسرائيل لا تعتزم، في المرحلة الراهنة، الانخراط في أي أفق سياسي للتسوية مع دمشق، مقابل تصاعد التركيز على منع تشكُّل وقائع أمنية جديدة قرب حدودها.
كما تكشف التقارير عن توسُّع العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية، وتنامي الاهتمام الإسرائيلي بإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية السورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، سواء عبر الوجود العسكري المباشر أو من خلال التأثير غير المباشر في مسارات إعادة بناء الدولة.
وفي هذا السياق، تعكس المواد الإسرائيلية تصورًا يتجاوز الاعتبارات الدفاعية التقليدية، يقوم على التعامل مع هشاشة الدولة السورية كحالة قابلة للإدارة والاستثمار، بما يخدم إبقاء سوريا في وضع مجزَّأ وضعيف، يحدُّ من قدرتها على استعادة سيادتها الكاملة أو لعب دور فاعل في معادلة الصراع الإقليمي.
وبذلك، ترتكز المقاربة الإسرائيلية تجاه سوريا على منع إعادة تشكُّل دولة سورية موحدة وقادرة، باعتبار أن وحدتها وقوتها تمثلان، في جوهرهما، مصدر القلق الأساسي في الحسابات الإسرائيلية.
أولًا: التقديرات العسكرية الإسرائيلية بعد سقوط نظام بشار الأسد:
المصدر: صحيفة “يسرائيل هيوم”.
يقدم اللواء (احتياط) غيرشون هاكوهين في هذا التقرير قراءة استراتيجية معمقة للسياسة العسكرية الإسرائيلية في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.
ويرى هاكوهين أن ما تسميه إسرائيل “الحملة العسكرية الخفية” يتجاوز مفهوم مكافحة الإرهاب، ليشمل أهدافًا إستراتيجية بعيدة المدى تتعلق بتشكيل البيئة الأمنية المستقبلية.
وبحسب التحليل، أدى الانهيار المفاجئ للنظام السوري في ديسمبر 2024 إلى تحرُّك إسرائيلي سريع، تمثل في إصدار أوامر للجيش بالسيطرة على المنطقة العازلة في مرتفعات الجولان.
ويكشف هاكوهين أن القوات الإسرائيلية تنتشر حاليًّا في عشرة مواقع متقدمة داخل الأراضي السورية، تمتد من جبل الشيخ إلى جنوب الجولان قرب نهر اليرموك.
ويصف الكاتب الواقع السوري الراهن بأنه شديد التعقيد، نتيجة الانتشار الواسع للسلاح وفقدان الدولة لاحتكار القوة المسلحة، ما أوجد بيئة غير مستقرة تتطلب – من وجهة نظره – تدخلًا إسرائيليًّا استباقيًّا.
ثانيًا: التصريحات الرسمية الإسرائيلية الأخيرة بشأن سوريا واحتمالات التصعيد:
المصدر: إذاعة “كان ريشت بيت”.
تعكس التصريحات الرسمية الإسرائيلية على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس موقفًا متشددًا تجاه سوريا، يقوم على استبعاد أي مسار سلام في المدى المنظور.
ففي جلسة سرية للجنة الخارجية والأمن، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل “ليست في اتجاه سلام مع سورية”، رابطًا هذا الموقف بتقديرات أمنية تتعلق بوجود تهديدات محتملة على الحدود.
وأشار كاتس إلى وجود قوات أو جهات على الحدود السورية يُعتقد أنها تفكر في تنفيذ عمليات توغل بري باتجاه مستوطنات الجولان السوري، وهو ما يعزز المقاربة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الاستعداد لسيناريوهات تصعيدية.
كما لفت إلى أن من بين القوى النشطة في سوريا والتي تُعد تهديدًا محتملاً لإسرائيل في دلالة على رؤية تعتبر الساحة السورية نقطة تلاقٍ لفاعلين إقليميين متعددين.
ثالثًا: العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية (بيت جن):
المصدر: موقع “واللاه” العبري.
تُظهر التقارير الميدانية الإسرائيلية تصعيدًا ملحوظًا في طبيعة العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية.
فقد أفاد موقع «واللاه» بأن الجيش الإسرائيلي يحقق في احتمال تسريب معلومات حساسة في الفرقة 210 قبيل تنفيذ عملية عسكرية في بلدة بيت جن جنوبي سوريا.
وأسفرت العملية عن مقتل ثلاثة عشر شخصًا في البلدة، إضافة إلى إصابة ستة ضباط وجنود إسرائيليين خلال الاشتباكات التي رافقت التوغل العسكري.
وتضمن الهجوم قصفًا جويًّا ومدفعيًّا إسرائيليًّا عقب دخول قوة عسكرية إلى البلدة بهدف اختطاف مواطنين سوريين، ما أدى إلى نزوح عشرات العائلات من المنطقة.
كما تشير التفاصيل إلى أن القوة الإسرائيلية وقعت في كمين مُخطط أثناء انسحابها، تخلَّله إطلاق نار كثيف، ووفق التقرير، لم تُحدد الجهة المنفذة للكمين بشكل قاطع، إلا أن التقديرات الإسرائيلية لا تستبعد تورُّط عناصر من حماس أو الجهاد الإسلامي أو حزب الله اللبناني.
رابعًا: الجمود الأمني والسياسي بين إسرائيل ودمشق في جنوب سوريا:
المصدر: موقع “زمان إسرائيل”.
يركز تحليل الكاتب أمير بار شالوم على حالة الجمود التي تطبع العلاقة الأمنية والسياسية بين إسرائيل ودمشق، خصوصًا في جنوب سوريا.
ويشير إلى أن إسرائيل تمنع الجيش السوري من الانتشار في جنوب الجولان، في الوقت الذي تواصل فيه تنفيذ عمليات عسكرية ضد تنظيمات تسعى للتمركز في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، يوضح التحليل أن المفاوضات بشأن الترتيبات الأمنية مع دمشق لا تزال مجمدة، رغم دخول النظام السوري في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
كما يشير إلى إعلان الرئيس أحمد الشرع استعداده للانضمام إلى اتفاقات أبراهام “في الأوضاع المناسبة”، دون تحديد طبيعة هذه الظروف.
ويؤكد بار شالوم أن الجيش السوري لا يزال ضعيفًا، وأن عشرات الميليشيات لم تنضم إليه، خصوصًا في المناطق ذات الأهمية لإسرائيل جنوب سوريا، حيث تنشط قوى انفصالية وميليشيات محلية متعددة.
خامسًا: الرؤية الإسرائيلية لمستقبل سوريا (الدولة – الأقليات – الخطاب العام):
- بنية الدولة السورية والخطاب الشعبي:
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)([1])
يتناول التحليل بنية الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب، مشيرًا إلى أن سوريا دولة يبلغ عدد سكانها 24 مليون نسمة، وأن إسرائيل لا تطل إلا على جزء محدود من حدودها، ويؤكد أن الفسيفساء الطائفية السورية تفرض واقعًا مختلفًا جذريًّا عن الواقع الفلسطيني، ما يستدعي مقاربات إسرائيلية مختلفة.
كما يلفت التحليل إلى تصاعد الخطاب ضد “الاحتلال الإسرائيلي” في مجموعات تيليجرام السورية، معتبرًا ذلك مؤشرًا على تحولات في الوعي والخطاب الشعبي داخل سوريا.
- طرح إقامة دولة علوية مستقلة:
المصدر: صحيفة “معاريف”.
تطرقت صحيفة «معاريف» إلى طرح سياسي غير مألوف، تمثل في توجه ناشطين من الطائفة العلوية السورية بنداء مباشر إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، طالبين دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا لإقامة دولة علوية مستقلة في سوريا.
وبحسب التقرير، يرى مقدمو الطرح أن هذه الدولة قد تشكل حليفًا استراتيجيًّا لإسرائيل وحصنًا في مواجهة “الإرهاب الجهادي”.
وأكد الناشطان أنهما قدما إلى إسرائيل خصيصًا لعرض ما وصفاه بمعاناة العلويين داخل سوريا، ولطرح مشروع دولة مستقلة ذات تعاون مباشر مع تل أبيب، مؤكدين أن مطلبهم يتمثل في إقامة “دولة علوية كاملة”.
تعليق مركز رؤيا:
تكشف المواد الإسرائيلية التي تناولها هذا التقرير عن رؤية متربصة تجاه الساحة السورية، تبدو في ظاهرها قائمة على اعتبارات أمنية عملية، لكنها في جوهرها تحمل تصورات تتجاوز مجرد التعامل الأمني الآني، لتصل إلى محاولة التأثير في البنية الداخلية للدولة السورية وفي مستقبلها السياسي والاجتماعي.
ومن خلال متابعة التصريحات الرسمية، والتقارير العسكرية، والتحليلات الصادرة عن مراكز بحث إسرائيلية، يتضح أن النظرة الإسرائيلية إلى سوريا لم تعد تقتصر على معادلة الردع أو منع التمركز العسكري المعادي، بل أصبحت تقوم على تصور أوسع يتعامل مع سوريا بوصفها ساحة يمكن تغيير الواقعين الأمني والسياسي لها.
ويبرز من بين ملامح هذه الرؤية أن التصوُّر الإسرائيلي تجاه سوريا يصادم مسألة وصولها لحالة استقرار، ويسعى إلى ترسيخ حالة الضعف والتجزئة، باعتبار الدولة القوية الموحَّدة تمثل تهديدًا لمصالحه الإستراتيجية، ولذلك يُسارع في كل فرصة إلى استهداف البنى التحتية والمنشآت الحيوية، ويُغذِّي الانقسامات.
فالتصريحات الرسمية الإسرائيلية لا تكتفي بنفي وجود أفق للسلام مع دمشق، بل تُسهم في ترسيخ واقع صراع مفتوح وطويل الأمد، وربط الساحة السورية بمجمل التهديدات الإقليمية.
ويعكس هذا الخطاب نزعة واضحة نحو التعامل معها بوصفها حالة خطر دائمة، بما يتيح لإسرائيل هامشًا واسعًا من حرية العمل العسكري.
وفي هذا الإطار، تعكس العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية، كما في حالة بيت جن، تصعيـدًا ممنهجًا في العدوان، يتخطى الضربات الجوية المحدودة إلى التوغلات البرية والاشتباكات المباشرة، استغلالًا لهشاشة الوضع الأمني وتعدد القوى المحلية، غير أن هذا الأسلوب، كما تظهره التقارير الإسرائيلية نفسها، ينطوي على مخاطر واضحة، سواء من حيث الخسائر البشرية، أو من حيث احتمالات الانجرار إلى مواجهات أوسع يصعب ضبط مسارها.
كما أن تسويغ هذه العمليات من خلال اتهام جهات متعددة، من دون تحديد واضح للمسؤولية، يعكس طبيعة بيئة أمنية ضبابية، وهي سياسةٌ مُتَّبعةٌ في الرؤية الأمنية الإسرائيلية، تهدف إلى إبقاء الاتهام مفتوحًا لتسويغ التوسُّع في العدوان، وصرف النظر عن جوهر جرائم إسرائيل: انتهاك السيادة، واستباحة الدم.
ومن زاوية أخرى، تكشف بعض التحليلات العسكرية التي تعبِّر عن الرؤية الأمنية لإسرائيل عن تصورٍ ينظر إلى سوريا بعد سقوط النظام السابق كهدفٍ مُعلن للاستغلال، ومساحةٍ يُراد منها تثبيت وقائع الاحتلال، والتدخل عبر حضور عسكري استيطاني محدود لكنه مُستمر، يُمارَس تحت ذرائع أمنية ملفَّقة، وهدفه الحقيقي هو إضعاف الدولة السورية وتعطيل قدرتها على استعادة سيادتها
غير أن هذا المنطق يحمل في داخله تناقضًا أساسيًّا، إذ يفترض إمكانية تحقيق أمن مستدام لإسرائيل من خلال الإبقاء على حالة عدم الاستقرار داخل سوريا، وهو افتراض قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الأبعد.
وفي مستوى أعمق، تكشف المواد البحثية والإعلامية الصادرة عن المؤسسات الإسرائيلية — لا سيما معهد دراسات الأمن القومي — عن حملةٍ ممنهجة لرسم مستقبل سوري مُجزَّأ، لا تكتفي بتحليل الواقع الديمغرافي والطائفي، بل تتعدَّاه إلى الترويج المتعمّد لسيناريوهات التفكيك، كأطروحة «الدولة العلوية» و«الكيانات المستقلة»، في محاولةٍ لشرعنة التقسيم وتغذية الانقسامات الداخلية، تمهيدًا لتحويل سوريا إلى كياناتٍ ضعيفة يسهل ابتلاعها أو السيطرة عليها.
ورغم محاولة تصوير بعض الأفكار الانفصالية على أنها «مبادرات سورية»، فإن تبنِّيها وتداولها داخل الأوساط الأمنية والإعلامية لإسرائيل، بل وتحليل جدواها الإستراتيجية يعكس نيةً صريحة لتنفيذ مشروع التفكيك، حيث يُراد لسوريا أن تُحوَّل إلى كياناتٍ طائفية ومذهبية تناحر بعضها، لتبقى إسرائيل مُتحكِّمة في توازناتها، ويضمن استمرار هيمنته بالمنطقة.
خلاصة القول، فإن الرؤية الإسرائيلية تجاه سوريا، كما تعكسها المواد التي تناولها التقرير، ليست رؤيةً أمنيةً دفاعية، بل خطة توسعية تهدف إلى إبقاء سوريا مُجزَّأةً وضعيفة، عاجزة عن استعادة سيادتها أو أداء دورها الطبيعي في معادلة الصراع الإقليمي؛ إذ إن قوة سوريا ووحدتها واستعادة الدولة لقدرتها هي في جوهرها، ما يُثير القلق الإسرائيلي الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، تبدو السياسات الإسرائيلية القائمة على توسيع نطاق التدخل العسكري، وتعميق هشاشة البنية الداخلية السورية، والتعامل مع التفكك بوصفه حالة قابلة للإدارة بل والاستثمار، جزءًا من إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى منع تشكُّل دولة سورية مستقرة وقادرة على فرض معادلات ردع، أو القيام بدور فاعل في محيطها الإقليمي.
———————————————————————————————————–
([1])https://www.inss.org.il/he/social_media/%d7%a9%d7%a0%d7%94-%d7%9c%d7%a0%d7%a4%d7%99%d7%9c%d7%aa-%d7%9e%d7%a9%d7%98%d7%a8-%d7%90%d7%a1%d7%93-%d7%97%d7%9e%d7%a9-%d7%aa%d7%95%d7%91%d7%a0%d7%95%d7%aa/






