إسرائيل من الداخلملفات

الرؤية الإسرائيلية للتعامل مع إيران وحزب الله

بين تفكيك الداخل والهجوم العسكري

يعرض هذا التقرير الرؤية الإسرائيلية للتعامل مع إيران وحزب الله، كما وردت في تقارير وورقات بحثية صادرة عن مراكز أبحاث إسرائيلية، وتصريحات وتحليلات لشخصيات أمنية وإستراتيجية بارزة.

وتُظهر هذه المواد تصورًا إسرائيليًّا يقوم على اعتبار إيران التهديد الإستراتيجي، الذي يتجاوز البُعد النووي ليشمل القدرات الصاروخية، وشبكة الوكلاء، والقدرة على إعادة بناء القوة.
وفي هذا السياق، تُفهم الأدوات الإسرائيلية المستخدمة، من التحريض على الاحتجاجات الداخلية، مرورًا بالعمليات العسكرية والأمنية، وصولًا إلى الاستعداد لسيناريوهات المواجهة، باعتبارها حلقات ضمن مسار واحد متكامل.

أما حزب الله، فيظهر في هذه الرؤية بوصفه التهديد العسكري الأكثر مباشرة، والقادر على إعادة التكيُّف، ما يجعل التعامل معه جزءًا لا ينفصل عن مقاربة إسرائيل لإيران ومحورها الإقليمي.

جاء في تقرير لموقع “واللاه” أن رئيس الموساد، ديفيد برنياع، حذَّر من أن المشروع النووي الإيراني، رغم الأضرار التي لحقت به، لم يُدفن بعد.

 وأكد برنياع أن الخطر النووي لا يزال قائمًا، وأنه يتعين ضمان عدم وصوله إلى مرحلة الإنتاج العسكري.

ويعكس هذا التقدير قناعة إسرائيلية بأن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز تعطيلًا مؤقتًا، وأن البرنامج النووي الإيراني يتمتع بقدرة على التعافي والاستمرار.

 كما يبرز هذا الطرح رفضًا إسرائيليًّا لفكرة الاكتفاء بإدارة الخطر، مقابل الإصرار على منعه بشكل جذري، باعتباره أحد أعمدة التهديد الإستراتيجي.

عرض موقع “واللاه” تقريرا استخباراتيًّا إسرائيلي، أوردته مصادر أمنية يفيد أن إيران تجري تجارب على منصات إطلاق وصواريخ جديدة، في إطار مساعٍ متواصلة لإعادة بناء ترسانتها الصاروخية.

وأشار التقرير إلى أن هذه الاختبارات تهدف إلى فحص الجاهزية القتالية وتعويض الخسائر التي لحقت بالقدرات العسكرية.

ويربط التقرير بين هذه الجهود وبين الأزمة الداخلية المتفاقمة في إيران، مرجحًا أن تلجأ طهران إلى استعراض قدراتها الصاروخية أو استخدام الطائرات المسيَّرة لصرف الأنظار عن الاحتجاجات والمطالب الاقتصادية.

ويعكس هذا الربط تصورًا إسرائيليًّا يعتبر السلوك العسكري الإيراني جزءًا من إدارة الأزمات الداخلية.

جاء في ورقة بحثية بمعهد السياسة والإستراتيجية – جامعة رايخمان، أعدها اللواء المتقاعد عاموس جلعاد، أن المرشد الأعلى الإيراني مصمم على استعادة القدرات الدفاعية والهجومية لإيران، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بمكونات القوة العسكرية.

وبيَّنت الورقة أن التركيز ينصب على أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي، بالتوازي مع استمرار الدعم العسكري والمالي لحزب الله وغيره من الوكلاء، ما يعزز القناعة الإسرائيلية بأن التعافي الإيراني سينعكس مباشرة على ساحات المواجهة المحيطة بإسرائيل. ([1])  

جاء في تحليل للمراسل العسكري لصحيفة “معاريف”، آفي أشكنازي، أن إيران تواجه حالة تآكل متزايدة ومأزقًا حقيقيًّا، ما يثير داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تساؤلات حول احتمال لجوء النظام إلى هجوم صاروخي على إسرائيل في محاولة يائسة لتغيير المعادلة.

ويشير التحليل إلى أن التقديرات الدفاعية الإسرائيلية ترى أن إيران لا ترغب حاليًّا في خوض حرب شاملة، نظرًا لمحدودية قدراتها وانكشاف دفاعها الجوي.

ومع ذلك، ينقل التقرير عن مصادر عسكرية أن النظام الإيراني يضع بناء منظومة هجومية ضد إسرائيل في صدارة أولوياته، حتى قبل معالجة أزماته الاقتصادية، ما يبقي خيار التصعيد قائمًا.

جاء في تقرير القناة السابعة الإسرائيلية أن جهاز الموساد وجَّه دعوة علنية للإيرانيين من أجل النزول إلى الشوارع والانضمام إلى الاحتجاجات المناوئة للنظام، مستخدمًا حسابًا ناطقًا بالفارسية على منصة “إكس”.  

ويضع هذا الطرح التحريض العلني في سياق الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية وانهيار العملة المحلية، ما يعكس رؤية إسرائيلية ترى في التصدعات الداخلية ساحة مواجهة موازية للساحات العسكرية.

ويُفهم من ذلك أن الضغط على النظام الإيراني لا يُراد فقط من زاوية الردع الخارجي، بل من خلال محاولة إنهاكه داخليًّا واستنزاف قدرته على ضبط المجال العام.

جاء في ورقة بحثية أعدها مائير بن شبات، مدير معهد “مسجاف” للأمن القومي، أن الهدف الحقيقي في التعامل مع إيران هو الإطاحة بالنظام، معتبرًا أن هذا الهدف يشكل البوصلة غير المعلنة التي يجب أن توجه الجهود المختلفة.

وأوضح بن شبات أن أي تباطؤ مؤقت أو خفض حدة المواجهة لا يمثل تراجعًا عن هذا الهدف، بل جزءًا من إستراتيجية طويلة الأمد تراعي الظروف الدولية والإقليمية.

كما دعا إلى النظر إلى ظاهرة التسلح الإيرانية بصورة شاملة، تشمل مختلف الساحات المرتبطة بالمشروع الإيراني. ([2])   

جاء في تقرير أوردته قناة i24News أن إسرائيل رفعت مستوى التأهب في ضوء تصاعد الاحتجاجات في إيران وازدياد التوتر الداخلي.

وذكر التقرير أن المؤسسة الأمنية ناقشت سيناريوهات متعددة، مع توجيه من رئيس الأركان برفع الجاهزية تحسبًا لاحتمال اندلاع مواجهة مفاجئة على مختلف الجبهات.

ويعكس هذا التوجه إدراكًا إسرائيليًّا بأن التفاعلات الداخلية في إيران قد تفضي إلى سلوك خارجي غير متوقع.

المصدر: jcfa

جاء في ورقة بحثية أعدتها الباحثة إيلا روزنبرغ وسوجاند فاخري أن الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025 كشفت شروخًا عميقة في بنية النظام الإيراني.

 وأوضحت الورقة أن الصراع لم يستنزف البنية التحتية النووية فحسب، بل أدى أيضًا إلى استنزاف الاحتياطيات المالية السائلة.

وأشارت إلى أن استهداف مركز الإذاعة والتلفزيون الإيراني شكَّل ضربة رمزية قوية، إذ لم يكن مجرد إخفاق عسكري، بل كسر وَهْم قدرة النظام على التحكم بالرواية الإعلامية والاستمرار بلا هزيمة، ما عمَّق أزمة الشرعية الداخلية. ([3])  

جاء في تحليل للجنرال جيورا آيلاند على موقع “واللاه”، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي، أن المشكلة الأساسية في المقاربات الدولية تكمن في ترتيب العمليات، مؤكدًا أن التهديد الإيراني يمثل خطرًا وجوديًّا من منظور إسرائيلي.

وأوضح آيلاند أن إيران تسعى إلى بناء قدرات عسكرية تفوق ما امتلكته سابقًا، وأن منع تحقق هذا المسار يشكل مصلحة إسرائيلية قصوى لا تحتمل التأجيل أو التسويات الجزئية.

1-استمرار حزب الله كقوة فاعلة رغم الضربات:

جاء في تحليل للجنرال جيورا آيلاند على موقع “واللاه” أن حزب الله لا يزال يتمتع بوجود قوي رغم الضربات التي تلقاها، ويسعى باستمرار إلى إعادة بناء قدراته.

 وأوضح أن عجز الدولة اللبنانية عن نزع سلاح الحزب يدفع إسرائيل إلى اعتبار تجديد الحرب خيارًا مطروحًا لمعالجة التهديد.

ويبرز التحليل تباينًا مع الموقف الأمريكي، الذي يراهن على الضغوط السياسية والاقتصادية لتحييد الحزب على المدى الطويل.

2-استهداف القيادات وتأثيره المحدود على بنية الحزب:

جاء في بيان صادر عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أن القوات الإسرائيلية قضت خلال العام الماضي على مئات العناصر، بينهم قيادات بارزة في صفوف حزب الله.
وعدَّد البيان أسماء شخصيات قيادية في الأركان واللوجستيات والقوة البحرية.

ويُدرج هذا المعطى في الخطاب الإسرائيلي بوصفه دليلًا على فاعلية الضربات، مع الإقرار الضمني بأن هذه الخسائر لم تُنهِ قدرة الحزب على إعادة التنظيم والاستمرار. ([4])  

3-تعثر مساعي نزع السلاح واستمرار المعضلة:

جاء في دراسة أعدها كوبي ميخال، صادرة عن معهد “مسجاف”، أن إخفاق نزع سلاح حماس يعكس نموذجًا أوسع ينطبق أيضًا على حزب الله، بوصفه جزءًا من محور واحد.

وأكدت الدراسة أن هذه القوى تعمل على توظيف الظروف السياسية والأمنية لضمان بقائها كفاعلين لا يمكن تجاوزهم.

ويخلص هذا الطرح إلى أن التعامل مع حزب الله لا يزال يمثل معضلة مفتوحة في الرؤية الإسرائيلية، رغم الضربات والضغوط المتواصلة. ([5])  

تُظهر الرؤية الإسرائيلية للتعامل مع إيران وحزب الله، كما عكستها أوراق مراكز البحث والتقديرات الأمنية الواردة في هذا التقرير، تصورًا يقوم على الجمع بين تنويع أدوات الضغط والعمل العسكري والأمني، ضمن مقاربة واحدة.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى إيران بوصفها مركز الثقل الذي يُنتج التهديد، فيما يُتعامل مع حزب الله كأخطر تجليَّاته العسكرية المباشرة على الحدود الإسرائيلية.

وينطلق هذا التصور من افتراض أساسي مفاده أن النظام الإيراني، رغم ما تعرض له من ضربات خلال عام 2025، لا يزال يحتفظ بإرادة إستراتيجية وقدرة تنظيمية تسمح له باستعادة عناصر القوة، سواء في المجال النووي أو الصاروخي أو عبر الوكلاء.

ومن هنا، تتبنى إسرائيل رؤية ترى أن تعطيل القدرات لا يكفي بذاته، بل يجب أن يُستكمل بإضعاف الداخل الإيراني، واستثمار الاحتجاجات والأزمات الاقتصادية، وتآكل الشرعية، بما يحدُّ من قدرة النظام على الاستمرار.

 غير أن هذا التصور، يثير جملة من الإشكاليات في ضوء نتائج الضربات الإسرائيلية السابقة:

فعلى مستوى إيران، تُظهر تجربة عام 2025 أن الضربات الإسرائيلية، رغم تأثيرها الواضح على بعض البنى التحتية العسكرية والرمزية، لم تؤدِّ إلى إحداث تحوُّل إستراتيجيٍّ حاسم في بنية النظام.

وقد كشفت الوقائع أن طهران نجحت، ولو تدريجيًّا، في امتصاص الصدمة، والانتقال من مرحلة الدفاع إلى إعادة التنظيم، مستندة إلى قدرة مؤسساتها الأمنية والعسكرية على التكيّف مع الخسائر.

كما أن الرهان الإسرائيلي على أن الضغط العسكري سيقود تلقائيًّا إلى إنهاك شامل أو إلى تفكُّك داخليٍّ قد يكون مبالغًا فيه، أو على الأقل غير مضمون النتائج.

لا سيما في ضوء طبيعة المعارضة داخل إيران، التي رغم اتساع مظاهر السخط الشعبي، لا تزال تعاني من التشتت التنظيمي وغياب القيادة الموحدة.

ما يضع علامات استفهام حول مدى واقعية الرهان الإسرائيلي حاليًّا على الداخل الإيراني كأداة ضغط إستراتيجية حاسمة.

على صعيد حزب الله، تكشف الرؤية الإسرائيلية عن فجوة واضحة بين حجم الضربات العسكرية ونتائجها بعيدة المدى، حيث تُظهر نتائج عام 2025 أن الضربات، رغم شدتها، لم تُفضِ إلى نزع سلاح الحزب أو تحييده حتى الآن.

ويبرز في هذا السياق أن المقاربة الإسرائيلية تجاه حزب الله لا تزال أسيرة معضلة أساسية:

 فالحرب الشاملة تحمل كلفة عالية وغير مضمونة النتائج، في حين أن الضربات المحدودة لا تحقق هدف التحجيم الإستراتيجي.

أما الولايات المتحدة، فترى في التعامل الإسرائيلي مع إيران وحزب الله امتدادًا لحملتها للضغط الأقصى تحت إدارة ترامب في 2025، حيث تدعم الضربات العسكرية لاحتواء البرنامج النووي والصاروخي، مع تقديم دعم استخباراتي وعسكري.

وخلاصة القول، إن تجربة الضربات الإسرائيلية في عام 2025 أظهرت أنها قادرة على إلحاق أضرار ملموسة بحزب الله وإيران، لكنها عاجزة حتى الآن عن إنتاج تحولات إستراتيجية نهائية، سواء على مستوى تغيير سلوك إيران النووي أو كسر قدرة حزب الله على البقاء والاستمرار، حتى مع اعتمادها على التنسيق الأمريكي لتعزيز الفعالية دون مخاطر تصعيد كبرى.
وهو ما يجعل هذه الرؤية، في جوهرها، تعبيرًا عن إدارة أزمة إسرائيلية أمنية مزمنة، أكثر من كونها تحوي مسارًا لإغلاق ملفي إيران وحزب الله بصورة نهائية في المدى القريب.

 وفي الختام إذا كانت إسرائيل تفكر في التعامل مع إيران وحزب الله ضمن مقاربة مركبة تجمع بين الضغط العسكري، وتفكيك الداخل، وتحرص على بلورة هذه الرؤية عبر دراسات وأوراق بحثية ومؤسسات إستراتيجية فاعلة، فإن السؤال المهم في هذا السياق: أين تقع الرؤية العربية إزاء هذا الصراع، ولا سيما لدى الدول العربية المتشاركة جغرافيًّا مع ساحات التوتر وتداعياته المباشرة؟

ويزيد من أهمية تلك الرؤية ذلك الترويج الأوروبي والغربي، بالتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية، لسيناريو يقوم على إعادة إنتاج نظام إيراني تابع أو مندمج كليًّا في المنظومة الغربية وهو الأمر الذي له تأثيره على المصالح العربية، خاصة في ظل غياب ضمانات بأن أي تحوُّل في طبيعة النظام الإيراني سيكون بالضرورة لصالح الأمن العربي أو استقراره، لا مجرد إعادة تموضع تخدم أولويات غربية وإسرائيلية بالدرجة الأولى.


([1]) https://www.runi.ac.il/research-institutes/government/ips/activities/newsletter/insights/insights-25-12-25h

([2]) https://www.misgavins.org/ben-shabbat-from-tehran-to-tarabin

([3]) https://jcfa.org/the-digital-frontline-is-this-the-end-for-the-islamic-republic /

([4]) https://x.com/AvichayAdraee

([5]) https://www.misgavins.org/michael-hamas-message  

زر الذهاب إلى الأعلى