الرؤية الإسرائيلية الداخلية تجاه «مجلس السلام» انخراط رسمي وتحفظ داخلي!

المقدمة:
تعكس هذه الأوراق البحثية الأربعة الواردة في النشرات الإسرائيلية والتقارير المتداولة في مراكزهم البحثية حول «مجلس السلام»، أن الموقف الإسرائيلي من هذا المجلس الذي أعلن عنه دونالد ترامب يتراوح بين الانخراط الرسمي والتحفُّظ السياسي، مصحوبًا بقدر كبير من القلق الإستراتيجي والأمني.
فالخطوة الأمريكية لإنشاء المجلس ضمن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة تضع إسرائيل أمام تحدٍ مُركَّب: فمن جهة، هناك حاجة لديها إلى ضمان في ترتيبات إدارة القطاع، بما يحفظ مصالحها الأمنية، ويمنع نشوء فراغ أمني، ومن جهة أخرى، فإن التعامل مع إطار دولي يضم أطرافًا متباينة، مثل تركيا وقطر، لا يوافق توجهاتها، إلى جانب مخاوفها من فقدان السيطرة على مسار القرار إذا غابت إسرائيل عن عملية صنع القرار الرسمية.
وتشير الأوراق أيضًا إلى أن هذه المقاربة الإسرائيلية تنطوي على تقييم مزدوج: بين الاعتراف بأهمية الانخراط في المجلس لضمان تمثيل مصالحها، وتأكيد التحفُّظ على آليات عمل المجلس وصلاحياته.
كما تعكس هذه الأوراق القلق الإسرائيلي من أبعاد المبادرة الدولية على الصعيد الدولي، إذ إن المواقف الأوروبية الرافضة أو المتحفظة، تزيد من حالة عدم اليقين لديها حول قدرة المجلس على فرض ترتيبات لمصلحتها في ظل التراجع الأوروبي.
وبذلك، تقدم هذه الأوراق صورة عن المقاربة التي تتبعها إسرائيل بين الانخراط المباشر لضمان مصالحها، والتحفّظ من تبعات إشراك أطراف إقليمية غير مرغوب بها إسرائيليًّا.
الورقة الأولى بعنوان: مصر توافق على الانضمام إلى مجلس السلام بدعوة ترامب
المصدر: موقع srugim

توضح هذه الورقة الموقف المصري من الانضمام إلى «مجلس السلام» الدولي، كما ورد في التصريحات الرسمية والتغطية الإعلامية الإسرائيلية، في سياق المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب في قطاع غزة.
وتعكس الموافقة المصرية على الانضمام إلى «مجلس السلام» الدولي مقاربة حذرة؛ فبحسب ما أفاد به الموقع، جاء الإعلان المصري عقب دعوة وجهها دونالد ترامب، ما يشير إلى حرص القاهرة على تثبيت حضورها المبكر داخل أي إطار دولي جديد يتولى الإشراف على إدارة القطاع، ومنع تهميش دورها في ملف ترتبط به مباشرة اعتبارات الأمن القومي المصري.
ويؤكد بيان وزارة الخارجية المصرية أن الانضمام إلى المجلس يتم في إطار دعم مهمة مجلس السلام كجزء من المرحلة الثانية من الخطة المعتمدة دوليًّا لإنهاء الحرب، ووفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي هذا السياق، يكتسب الانخراط المصري بعدًا إقليميًّا أوسع، إذ تمنح مشاركة دولة مركزية كمصر مجلس السلام غطاءً سياسيًّا عربيًّا، ويصعِّب التعامل معه كترتيب عابر أو مؤقت.
وبالنسبة لإسرائيل، يشكِّل هذا المعطى عنصرًا مؤثرًا في التعاطي مع المجلس، إذ يدفعها نحو الانخراط فيه بوصفه إطارًا دوليًّا آخذًا في التشكل، فإدارة قطاع غزة تمثل ملفًا أمنيًّا مباشرًا لا يمكن تركه لقوى إقليمية دون مشاركة إسرائيلية فاعلة.
ويعكس ذلك التوجه تحول مجلس السلام لمكون سياسي–إقليمي يفرض نفسه ضمن معادلات ما بعد الحرب في قطاع غزة.
الورقة الثانية: نتنياهو ينضم إلى مجلس السلام الذي أعلن عنه ترامب:
المصدر: هيئة البث (مكان):تشير الورقة إلى أن انضمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى «مجلس السلام الأعلى» يمثل خطوة إستراتيجية تعكس انخراط إسرائيل المباشر في الإطار الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لإدارة المرحلة التالية للحرب في قطاع غزة.
فقد أعلن ديوان رئاسة الوزراء، بتاريخ 21-1-2026، أن نتنياهو استجاب لدعوة دونالد ترامب ليصبح عضوًا في المجلس، ما يمنح إسرائيل موقعًا رسميًّا داخل آلية صنع القرار المرتبطة بمستقبل القطاع.
وفي الوقت نفسه، فإن هذه الخطوة لا تلغي التحفظات الإسرائيلية الأوسع تجاه صلاحيات المجلس وآليات عمله، لكن حضورها يوفر مراقبة لتوجهاته والتأثير في قراراته، ما يعكس محاولة إسرائيلية للجمع بين القبول المشروط بالمبادرة الأمريكية، والسعي إلى احتوائها وتوجيهها، بما يخدم أولوياتها الإستراتيجية.
على الصعيد الدولي، واجهت المبادرة الأمريكية معارضة من دول الاتحاد الأوروبي، إذ أشارت مصادر دبلوماسية إسرائيلية إلى أنه «لا يُتوقَّع أن توافق أي دولة أوروبية على ذلك»، ما يعكس تحفظًا على آليات المجلس وشرعيته السياسية، ويضيف بعدًا دوليًّا معقَّدًا يَحدُّ من فرص حصوله على إجماع أو دعم واسع.
ويمكن قراءة هذا الانضمام كتحرك محسوب يهدف إلى تثبيت موقع إسرائيل داخل هذا الإطار الجديد المتعلق بترتيبات ما بعد الحرب، ويبدو أنه خطوة استباقية منها في محاولة لضبط مسار المجلس من الداخل، أو على الأقل منع تحوله إلى منصة تُفرض من خلالها ترتيبات تتعارض مع المصالح الأمنية الإسرائيلية.
الورقة الثالثة: انتقادات داخل الائتلاف لانضمام نتنياهو إلى مجلس السلام/ معارضة أوروبية متوقعة:
المصدر: هيئة البث «مكان» – صحيفة «هآرتس»:
توضح هذه الورقة طبيعة الانتقادات السياسية التي أُثيرت داخل إسرائيل عقب إعلان انضمام بنيامين نتنياهو إلى «مجلس السلام»، وما تعكسه من تحفظات على توقيت المجلس وتركيبته ومساره.
وقد أظهر قرار الانضمام انتقادات داخل الائتلاف الحاكم، حيث عبر عضو الكنيست يولي إدلشتاين عن شكوكه حيال الخطوة، معتبرًا أن الانضمام «ليس بالضرورة القرار الصحيح»، خصوصًا مع مشاركة دول مثل تركيا، الصين وبيلاروسيا، ما يعكس قلقًا من تركيبة المجلس، وإشراك أطراف يُنظر إليها على أنها غير متوافقة مع المصالح الأمنية الإسرائيلية، أو مع التوجهات الغربية التقليدية.
وأضاف إدلشتاين أن الانتقال إلى المرحلة الثانية يجري قبل استعادة جميع الجثث (وقد استُعيدت آخر جثة لها في غزة قبل أيام)، ودون نزع سلاح حركة حماس، يثير المخاوف السياسية من أن المجلس قد يدفع باتجاه ترتيبات غير مناسبة، قبل استكمال الشروط الأمنية الأساسية، وهو ما قد يؤدي إلى تكريس واقع أمني غير مستقر لصالح إسرائيل.
وعلى الصعيد الدولي، واجهت المبادرة الأمريكية معارضة من دول الاتحاد الأوروبي، إذ أشارت مصادر دبلوماسية إسرائيلية إلى أنه «لا يُتوقَّع أن توافق أي دولة أوروبية على ذلك»، ما يعكس تحفظًا على آليات المجلس وشرعيته السياسية، ويضيف بعدًا دوليًّا معقَّدًا يَحدُّ من فرص حصوله على إجماع أو دعم واسع.
وتكشف هذه الانتقادات الداخلية عن هشاشة القرار الإسرائيلي، فالقلق داخل الائتلاف من تركيبة المجلس، ولا سيما مع مشاركة دول مثل تركيا، يعكس مخاوف جديَّة بشأن المصالح الأمنية، في حين أن الموقف الأوروبي الرافض يزيد حالة عدم اليقين حول مدى شرعية المجلس ومصداقيته.
ومن المفارقة أن هذا الرفض، رغم كونه عامل إضعاف للمجلس، قد يُنظر إليه إسرائيليًّا كحاجز يحدُّ من قدرة المجلس على فرض التزامات سياسية ملزمة على إسرائيل، ما يجعل التعامل مع «مجلس السلام» حذرًا، إذ يجمع بين الفرصة والمخاطرة دون الوصول إلى الالتزام الكامل.
الورقة الرابعة بعنوان: الانتقال إلى المرحلة الثانية في قطاع غزة هو تحدٍ غير مسبوق بالنسبة إلى إسرائيل:
المصدر:
صحيفة جيروزاليم بوست – تحليل ضمن دراسة يوحنان تسوريف، معهد دراسات الأمن القومي

توضح هذه الورقة طبيعة الحذر العميق والتشكيك الذي تتعامل به إسرائيل مع «مجلس السلام» الدولي المقترح في إطار المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، انطلاقًا من اعتبارات سياسية وأمنية معًا.
فقد حذرت صحيفة جيروزاليم بوست من أن المرحلة الثانية ليست سوى «سراب»، معتبرة أن الخطة القائمة على نقل السلطة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية تحت إشراف مجلس سلام دولي برئاسة دونالد ترامب تستند إلى قراءة خاطئة لطبيعة الحروب في الشرق الأوسط.
وترى إسرائيل أن الحوكمة والإدارة لا يمكن أن تسبق الحسم الأمني، وأن الإشراف الدولي لا يغني عن تغيير فعلي في ميزان القوة، أو عن نزع السلاح القسري للفصائل المسلحة.
على المستوى العملي، ينعكس هذا الشك في مطالبة إسرائيل بتوضيحات من إدارة ترامب حول كيفية ضمان أمنها في ظل مجلس السلام، خصوصًا في ظل المخاطر المرتبطة بإشراك تركيا وقطر، وغياب التدرج الواضح في تنفيذ المرحلة الثانية.
وتخشى إسرائيل أن يؤدي نقل الصلاحيات إلى هيئات دولية لا تملك فيها تمثيلاً رسميًّا إلى تقليص حرية عملها العملياتي، وفرض قيود أمنية غير قابلة للضبط، ما يجعل مجلس السلام إطارًا قد يدوِّل الصراع بدل احتوائه والهيمنة عليه إسرائيليًّا.
ويعكس هذا الطرح بوضوح المقاربة الأمنية التقليدية التي تحكم التفكير الإسرائيلي في إدارة الصراعات، حيث يُقدِّم البعد الأمني باعتباره شرطًا سابقًا على أي مسار سياسي أو إداري.
كما أن التشكيك الإسرائيلي في الإشراف الدولي يعكس خوفًا بنيويًّا من فقدان السيطرة، حيث تكشف المخاوف المرتبطة بإشراك دول مثل تركيا وقطر، أو بتقييد حرية العمل العملياتي، عن هاجس الحفاظ على هامش الحركة العسكرية، على حساب الانخراط في ترتيبات دولية، قد تفرض ضوابط جديدة على السلوك الأمني.
وفي المقابل، لا يتناول هذا المنظور كلفة استمرار إدارة الصراع بالوسائل العسكرية نفسها، ولا يجيب عن سؤال جوهري حول قدرة النهج الأمني الخالص على إنتاج استقرار مستدام، ما يضع إسرائيل أمام معضلة بين الحفاظ على السيطرة الآنية، والمخاطرة بحصول عدم الاستقرار على المدى الطويل.
خاتمة:
يُظهر استعراض الأوراق البحثية الإسرائيلية المتعلقة بـ«مجلس السلام» أن إسرائيل تتعامل مع هذا الإطار الجديد الذي أعلن عنه دونالد ترامب بوصفه مسارًا سياسيًّا قيد التشكُّل، تفرضه موازين القوة والتحولات الدولية أكثر مما ينبع من توافق داخلي راسخ.
فالمخاوف الإسرائيلية تنبثق من عدة مصادر مترابطة:
أولًا: القلق من فقدان السيطرة على قطاع غزة، إذا ما مُنحت صلاحيات واسعة لمجلس دولي يضم أطرافًا تعتبر إسرائيل توجهاتها إشكالية ومعاكسة لمصالحها الأمنية.
ثانيًا: الخشية من تسريع المرحلة الثانية من الخطة، قبل استكمال الشروط الأساسية للأمن وفق الرؤية الإسرائيلية، بما في ذلك نزع السلاح، وهو ما قد يؤدي إلى تكريس واقع أمني غير مستقر.
ثالثًا: المخاوف من التأثير المحدود، أو الغياب عن صنع القرار، في حال بقيت إسرائيل خارج المجلس، مما يعني فقدان القدرة على احتواء التهديدات، وإدارة ترتيبات ما بعد الحرب وفق أولوياتها الإستراتيجية.
في المقابل، تكشف التحفُّظات الداخلية والمواقف الأوروبية الرافضة عن حدود هذا الانخراط، وعن إدراك إسرائيلي للمخاطر الكامنة في تركيبة المجلس وتعدد أطرافه، فمشاركة دول كتركيا تُعد إشكالية من المنظور الإسرائيلي، إلى جانب غياب حالة الإجماع الدولي الواسع، تجعل من المجلس أداة سياسية غير مستقرة، تُدار بمنطق التجربة والاختبار أكثر من كونها مرجعية نهائية محسومة.
إن المعارضة الأوروبية لمبادرة ترامب، والتحديات المرتبطة بآليات عمل المجلس وشرعيته السياسية، تضع إسرائيل أمام معضلة بين المشاركة المشروطة وبين الاحتفاظ بالتحكم المباشر في الأمن والعمليات.
كما أن التشكك الإسرائيلي في فعالية هذا الإشراف الدولي يعكس هاجسًا أمنيًّا راسخًا، ترى فيه إسرائيل أن القوة الصلبة والتحكم العملياتي ضرورة لإدارة الصراع، رغم إغفالها للكلفة الكبيرة من الخسائر التي لحقتها من هذا الخيار على يد المقاومة الفلسطينية.
وفي هذا الإطار، تبدو إسرائيل واقعة في معادلة خاسرة في كل الأحوال، إذ إن الخيارات المتاحة أمامها لا تفضي إلى مكاسب واضحة، بقدر ما تعكس محاولة لتقليل الخسائر في ظل واقع إقليمي ودولي متحوِّل.
وعليه، يمكن القول: إن الرؤية الإسرائيلية الداخلية تجاه «مجلس السلام» تقوم على معادلة مركبة: انخراط لا يمكن تفاديه، وتحفُّظ وخوف لا يمكن إنكاره!
وهي معادلة تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية في غزة، ما يجعل مسار مجلس السلام في هذه المرحلة إطارًا هشًّا ومفتوحًا، في ظل أنه لم تُحسم بعد ملامح النظام الدولي أو الإقليمي الذي يواكب هذا الترتيب الجديد.
في المقابل وفيما يخص الموقف العربي، فإذا كانت إسرائيل، رغم ما تحظى به من دعم أمريكي غير مسبوق، تُبدي هذا القدر من القلق والتحفظ حيال مجلس السلام وتداعياته، فإن التساؤل يصبح أكثر إلحاحًا بشأن الموقف العربي الذي يندفع كليًا، نحو قبول شامل لهذه المبادرة الأمريكية.
فلم يُسجَل موقف علني لمسؤول عربي ، ولا صدر عن مركز بحثي عربي مؤثر، تحذير واضح من مخاطر الانجراف العربي وراء هذا المجلس أو من تداعياته على القضية الفلسطينية، وتزداد هذه المفارقة وضوحًا إذا ما قورنت بحالة إسرائيل، المستفيدة موضوعيًا، ومع ذلك تُعبّر بوضوح عن ثغرات القلق الكامنة في هذه الخطوة.
وكان من المفترض أن يشكّل الموقف الأوروبي الرافض دعما لتخوف عربي، إذ أن الموقف الأوروبي يرى في هذه الخطوة انقلابًا على قواعد النظام الدولي، وكان من الممكن أن يشكل ذلك الموقف المتحفظ سندًا لهذه المخاوف العربية والتي تندفع حاليًا للقبول الكلي بالتوجيهات الأمريكية.






