إسرائيل من الداخلحدث ورؤياملفات

رؤية الداخل الإسرائيلي لتصاعد التوتر مع تركيا

يتناول هذا التقرير مجموعة من المواد الإعلامية والبحثية الصادرة عن جهات إسرائيلية مختلفة، تشمل تقارير إخبارية ومقالات تحليلية ودراسات صادرة عن مراكز بحثية وأكاديمية، بلغ عددها خمس مواد رئيسية، تركز جميعها على تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا خلال الفترة الحالية.

تكشف هذه المواد عن انتقال العلاقات بينهما إلى حالة واسعة من التوتر الحاد إذ تعكس بعض التقارير تصعيدًا قانونيًا تركيًا غير مسبوق ضد القيادة الإسرائيلية، وتُظهر كذلك بعض المواد تصعيدًا سياسيًا وإعلاميًا متبادلًا بلغ حد التراشق المباشر بين قيادة الطرفين، في حين تقدم بعض الدراسات البحثية الإسرائيلية إطارًا تحليليًا أعمق يفسر هذا التوتر بوصفه تحولًا في بنية السياسة التركية.

وتتجاوز بعض المواد ذلك، لتربط الأمر باستراتيجية تركية أوسع تشمل توسيع النفوذ العسكري والصناعي، وكذلك التأثير على السياسات الأمريكية تجاه إيران، خاصة فيما يتعلق بالقضية الكردية.

بناءً على ذلك، يخلص التقرير إلى أن العلاقات الإسرائيلية–التركية لم تعد تمر بأزمة ظرفية، بل تشهد إعادة تشكل قد تفضي إلى احتكاكات أوسع في الإقليم، وإلى أنماط صراع غير مباشرة متعددة في المستقبل.

تناولت هيئة البث “مكان” في تقريرها المعنون “تركيا تتهم نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين وتطالب بعقوبات قاسية”، تصعيدًا قانونيًا لافتًا من جانب السلطات التركية، حيث أعلنت النيابة العامة في إسطنبول بتاريخ 11 أبريل 2026 تقديم لائحة اتهام واسعة النطاق ضد 35 مسؤولًا إسرائيليًا، يتقدمهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وذلك على خلفية عملية اعتراض نفذتها البحرية الإسرائيلية ضد سفن كانت ضمن أسطول متجه إلى قطاع غزة في أكتوبر من العام السابق.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام تركية، تضمنت لائحة الاتهام مطالب بفرض عقوبات مشددة تصل إلى السجن المؤبد، إلى جانب أحكام تراكمية تتراوح بين 1102 و4596 عامًا، دون تحديد العقوبة الخاصة بكل متهم على حدة، ما يعكس الطابع الرمزي والسياسي للائحة الاتهام أكثر مما يعكس بعدها القانوني.

وشملت قائمة المتهمين عددًا من كبار المسؤولين الإسرائيليين، من بينهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس، وسلفه يوآف جلانت، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير التراث عميحاي إلياهو، ورئيس الأركان إيال زامير، وقائد سلاح البحرية دافيد ساعر، إلى جانب شخصيات أخرى مثل رئيس الموساد السابق يوسي كوهين، والمتحدث السابق باسم الجيش دانيال هجاري، والنائبة في الكنيست تالي جوتليب.

وتتهم النيابة التركية هؤلاء المسؤولين بالتورط في تنفيذ عملية عسكرية ضد سفن مدنية في المياه الدولية، معتبرة أن هذه العملية لا تستند إلى مبررات مشروعة، بل تمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، كما تضمنت للائحة اتهامات ارتكاب جرائم أخرى، من بينها “جرائم ضد الإنسانية” و”الإبادة الجماعية” و”الاحتجاز القسري” و”سوء المعاملة” و”النهب” والإضرار بالممتلكات.

وأشار الادعاء أيضًا إلى أن المشاركين في الأسطول، ومن بينهم مواطنون أتراك، تعرضوا للاحتجاز القسري، وبعضهم لإصابات جسدية، إضافة إلى منعهم من الحصول على المساعدة، وهو ما يعزز الطابع الإنساني للقضية.

كما أكدت لائحة الاتهام أن العملية نُفذت بشكل منظم وبمشاركة جهات متعددة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وربطت بين الحادثة والوضع الإنساني في قطاع غزة، الذي يعاني أهله ظروفًا صعبة تشمل نقص الإمدادات الأساسية للحياة.

وكانت السلطات التركية قد أصدرت في نوفمبر السابق أوامر اعتقال بحق عدد من المسؤولين المذكورين، في خطوة ذات طابع رمزي، إذ من المتوقع أن تُجرى أي محاكمة محتملة غيابيًا لعدم وجود المتهمين داخل الأراضي التركية.

وفي تعليق رسمي، أكد وزير العدل التركي يلماز تونج أن هذه الخطوة تعكس التزام النظام القضائي التركي بتطبيق القانون الدولي، مشددًا على أن المسؤولين المعنيين سيتعرضون للمحاسبة.

في سياق التصعيد المتبادل، تناولت التصريحات الرسمية المنشورة عبر منصة “إكس” في 9 أبريل 2026، هجومًا حادًا شنه بنيامين نتنياهو وعدد من الوزراء الإسرائيليين ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وذلك على خلفية إعلان تركيا إعداد لائحة اتهام بحق 35 إسرائيليًا.

اتهم نتنياهو الرئيس التركي بدعم النظام الإيراني، ووجه إليه انتقادات حادة، مشيرًا إلى أن إسرائيل ستواصل، تحت قيادته، محاربة ما وصفه بـ “النظام الإيراني الإرهابي ووكلائه”، في مقابل اتهامه لأردوغان بالتسامح معهم، بل وذهب إلى اتهامه بقتل مواطنيه الأكراد.

من جهته، صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من حدة الخطاب، واتهمه باللجوء إلى معاداة السامية، معتبرًا أن إعلانه عن محاكمات ضد القيادة الإسرائيلية يعكس محاولة للهروب من أزماته.

وتعكس هذه التصريحات مستوى غير مسبوق من التدهور في الخطاب السياسي بين الطرفين، حيث انتقل من الانتقادات الدبلوماسية التقليدية إلى تبادل الاتهامات الشخصية والسياسية المباشرة، ما يشير إلى عمق الأزمة، وإلى تحولها إلى صراع على مستوى الخطاب والرأي العام.

يقدم الباحث حاي إيتان كوهين يانروجاك، في دراسته المنشورة على موقع “زمان إسرائيل”، تحليلًا معمقًا للسياسة التركية تجاه إسرائيل، مؤكدًا أن ما يجري لا يمثل تحولًا مفاجئًا، بل تعميقًا منهجيًا لاتجاه قائم.

يرى الباحث أن التوجه الأول يتمثل في انتقال الخطاب التركي من مستوى التصريحات إلى مستوى السياسة الفعلية، حيث لم تعد الاتهامات الموجهة لإسرائيل، مثل الإبادة الجماعية والدعوة لفرض عقوبات، مجرد أدوات خطابية، بل أصبحت جزءًا ثابتًا من الخطاب الرسمي، بما يساهم في تهيئة البيئة الداخلية والخارجية لاتخاذ خطوات عملية.

أما التوجه الثاني، فيتمثل في تحول تركيا من موقع الناقد إلى موقع الفاعل، حيث عززت انخراطها في الساحة الفلسطينية ليس فقط عبر المساعدات الإنسانية، بل أيضًا من خلال علاقات مباشرة مع قيادة حركة حماس، وسعيها للمشاركة في آليات دولية وربما أمنية في قطاع غزة، وهو ما يشكل تحولًا نوعيًا في دورها الإقليمي.

ويشير الباحث إلى اتساع الإطار الجغرافي والاستراتيجي للصراع، حيث بات يُقدَّم في الخطاب التركي كجزء من نظام إقليمي أوسع يشمل سوريا والقرن الإفريقي وحتى إيران، ما يجعل إسرائيل عنصرًا ضمن منظومة تهديد أوسع، ويزيد من احتمالات الاحتكاك في ساحات متعددة.

كما يبرز البعد الأيديولوجي في السياسة التركية، حيث تُعد مفاهيم “العثمانية الجديدة” و”الوحدة الإسلامية” أدوات فاعلة في صياغة السياسة، وتعكس طموح أنقرة لقيادة نظام إقليمي بديل، تكون فيه مركز قوة، مع تصوير إسرائيل كتهديد يجب موازنته أو احتواؤه.

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث أن السياسات الإسرائيلية خاصة في الضفة الغربية، تُفسر في أنقرة على أنها خطوات نحو ضم فعلي، ما يبرر من وجهة النظر التركية، تصعيد المواقف، وينتج عن ذلك من تعزز الشعور بالتهديد.

ويخلص إلى أن العلاقات بين إسرائيل وتركيا لا تمر بأزمة مؤقتة، بل تشهد تحولًا بنيويًا، حيث لم تعد تركيا مجرد ناقد، بل فاعلًا إقليميًا يرسخ موقعه في مواجهة إسرائيل، بما قد يفضي في النهاية إلى سياسات أكثر حدة وربما إلى صراعات غير مباشرة.

يتناول هذا التقرير الصادر عن منتدى الشرق الأوسط البحثي الإسرائيلي (MEF)، للباحث عبد الله بوزكورت، البعد العسكري والاستراتيجي في السياسة التركية، مسلطًا الضوء على توسع أنقرة في مجال الصناعات الدفاعية.

يشير التقرير إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب دائرته المقربة، أحكم سيطرته على المجمع الصناعي العسكري التركي خلال العقد الماضي، وأشرف على توقيع ما يقرب من مائة اتفاقية تعاون دفاعي ثنائي مع حكومات أجنبية.

وتُستخدم هذه الاتفاقيات كأداة استراتيجية لتعزيز النفوذ التركي عالميًا، حيث تتيح لأنقرة توسيع صادراتها من الأسلحة ونقل التكنولوجيا العسكرية، بما يعزز مكانتها كفاعل دولي في سوق الدفاع.

ويرى الكاتب أن هذه السياسة تمثل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء شبكة نفوذ عالمية، تُستخدم فيها الصناعات الدفاعية كأداة للسياسة الخارجية التركية، وهو ما ينعكس بدوره على موازين القوى الإقليمية، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل، في ظل سعي تركيا إلى تعزيز وضعها الاستراتيجي وتوسيع دائرة تأثيرها.

تناول ديفيد رومانو، في مقاله المنشور بدورية القدس الإستراتيجية، تأثير تركيا على السياسة الأمريكية تجاه إيران، خاصة فيما يتعلق باستخدام الجماعات الكردية الإيرانية.

يشير الكاتب إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يدرس في بداية الحملة ضد إيران استخدام الجماعات الكردية الإيرانية، قبل أن يتراجع عن هذا الخيار، مرجحًا أن يكون ذلك نتيجة تأثير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي تربطه به علاقة جيدة.

ويبرز المقال تعقيد الموقف الكردي، حيث تسعى الجماعات الكردية إلى استغلال الفرصة لتحقيق مكاسب سياسية، لكنها تخشى في الوقت نفسه من تكرار تجربة الأكراد في سوريا، حيث تُركوا لمواجهة التدخل التركي.

وتؤكد الدراسة أن تركيا ترفض بشكل قاطع أي سيناريو يؤدي إلى حكم ذاتي كردي في إيران، نظرًا لوجود أقلية كردية كبيرة داخلها، وما قد يمثله ذلك من تهديد لوحدتها الداخلية، كما يشير إلى ارتباط بعض الجماعات الكردية الإيرانية بحزب العمال الكردستاني، ما يزيد من حساسية الموقف التركي.

وفي ظل كون تركيا حليفًا رئيسيًا في حلف الناتو، وعلاقاتها الجيدة مع الإدارة الأمريكية، فإن مخاوفها تحظى بوزن معتبر في واشنطن، ما يمنحها قدرة على التأثير في صياغة السياسات الأمريكية.

ويطرح المقال تساؤلًا حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستستمر في مراعاة التفضيلات التركية، أم أن متطلبات الحرب ضد إيران قد تدفعها إلى تجاوز هذه الاعتبارات؟!

تُظهر هذه المواد مجتمعة أن التوتر بين إسرائيل وتركيا لم يعد محصورًا في الخلافات السياسية التقليدية، بل بات يتسم بتعدد أبعاده، حيث تمتد تجلياته لتشمل القانون والسياسة والأيديولوجيا والاستراتيجية الإقليمية.
 وفي هذا السياق، فإن التصعيد القانوني التركي، وما قابله من ردود سياسية إسرائيلية، إلى جانب ما تقدمه التحليلات البحثية من إشارات إلى تحول بنيوي في السياسة التركية، كلها عناصر تعكس مجتمعة انتقال العلاقة بين الطرفين إلى مرحلة جديدة من التوتر تتسم بتصاعد متوقع لمساحات الصراع القادم.

ويُبرز هذا الخطاب بوضوح هواجس أمنية إسرائيلية متزايدة، تتعلق باتساع الدور التركي إقليميًا، خاصة مع تحوله إلى فاعل ميداني في ملفات فلسطين وإيران، وكذلك مع توسعه في بناء شبكة علاقات دفاعية عالمية.

ويظهر في هذه المواد ميل واضح إلى تفسير السلوك التركي بوصفه تهديدًا متصاعدًا لإسرائيل، خاصة فيما يتعلق بقدرته على التأثير على السياسات الأمريكية، وبالسياسات في قطاع غزة، غير أن هذا الطرح يُغفل الدور الإسرائيلي الأصلي في إنتاج هذا التوتر من البداية.

كما يُغفل هذا الطرح حقيقة أن السلوك التركي في هذا السياق ينطلق أيضًا من اعتبارات أمن قومي داخلية، خاصة فيما يتعلق بالقضية الكردية، وأنه يمتد في جوهره ليشمل التعامل مع مختلف مصادر التهديد المحتملة التي تراها أنقرة مؤثرة على أمنها واستقرارها.

وفي هذا السياق، يرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن التصعيد السياسي الإسرائيلي ليس مجرد رد فعل، بل هو سعي من إسرائيل لإيجاد “عدو جديد”، حيث صرح بأن بنيامين نتنياهو يحاول وضع تركيا في هذا الموقع بعد إيران.

وتعكس هذه التصريحات فهمًا تركيًا لطبيعة الخطاب الإسرائيلي، الذي يتجه نحو توسيع دائرة الخصومة لتشمل تركيا، وهو ما يشير لاحتمال استمرار التوتر وتصاعده في المرحلة المقبلة.

وفي الإطار ذاته، يبرز توظيف تركيا المتزايد للقوة الناعمة ذات الطابع الديني، حيث تعمل على تعزيز هذا البعد عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية والخطاب العام، بما يسهم في ترسيخ هوية جامعة وتماسك داخلي.

ويعكس هذا التوجه سعيًا لبناء اصطفاف داخلي قوي وتشكيل جبهة داخلية مترابطة، يمكن الاعتماد عليها في حال تصاعد التوترات أو الانخراط في أي مواجهة محتملة.

وعليه يمكن القول إن العلاقات بين الطرفين تتجه نحو مزيد من التصعيد، في ظل غياب مؤشرات على التهدئة، وأن مستقبل هذه العلاقة بات مفتوحًا على سيناريوهات عديدة، تتراوح بين التوتر المستمر والتصعيد في ساحات إقليمية متعددة.

زر الذهاب إلى الأعلى