بعد رفع السرية عن وثائق تفشي وباء كوفيد 19 – الدور الأمريكي في أبحاث كورونا بين التمويل والتستر

في يومها الأخير على رأس الاستخبارات الوطنية الأمريكية، كشفت تولسي غابارد عن وثائق ومراسلات تدعي أنها تكشف "القصة الحقيقية" وراء منشأ فيروس كوفيد-19، مشيرة إلى أن الدكتور أنتوني فاوتشي، بصفته رئيسًا للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، موّل أبحاث "كسب الوظيفة" على فيروسات كورونا في الخفافيش داخل معهد ووهان الصيني لعلم الفيروسات بملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب. وتُعتبر هذه الأبحاث الآن على نطاق واسع مصدر التسرب المختبري غير المقصود الذي أشعل فتيل الجائحة، مخلفًا أكثر من سبعة ملايين قتيل حول العالم، منهم أكثر من مليون ومائتي ألف في الولايات المتحدة.
وأوضحت غابارد في بيان رسمي أن فاوتشي عمل مع قيادات مسيّسة داخل مجتمع الاستخبارات لإخفاء الحقيقة بشأن أفعاله وأصل الفيروس ودوره في توجيه التمويل الأمريكي لهذه الأبحاث. وقد اتهمت غابارد فاوتشي بتمويل أبحاث خطيرة مرتبطة بشركات الأدوية الكبرى، والسعي وراء "لقاحات عالمية" تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات، والعمل من خلف الكواليس مع خبراء اختارهم بنفسه لدفع مجتمع الاستخبارات نحو تبني فرضية الأصل الحيواني الطبيعي لإخفاء أبحاثه الخطيرة. كما أشارت إلى أنه أصبح "معلّق" الجائحة الأول في البلاد، ونشر الأكاذيب والمعلومات المضللة والرقابة علنًا.
وقبل ذلك بأسبوع، كشفت غابارد عن وثائق تظهر تمويلًا حكوميًا أمريكيًا طويل الأمد لأكثر من 120 مختبرًا بيولوجيًا في أكثر من 30 دولة حول العالم، بما في ذلك مختبرات في أوكرانيا، والتي كانت أو لا تزال تُجري أبحاثًا على مسببات أمراض خطيرة وشديدة العدوى، بما في ذلك أبحاث "اكتساب الوظيفة"، وسط ما وصفته بـ"ضعف الرقابة والإشراف". وأكدت أن المعلومات المتعلقة بوجود هذه المختبرات وتاريخها ومواقعها وآليات تمويلها "حُجبت عمدًا عن الشعب الأمريكي"، متهمة مسؤولين وشخصيات نافذة في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بنفي وجودها.
وأشارت غابارد إلى أن وثائق استخبارية سابقة حذرت من أن أحد المختبرات الممولة أمريكيًا في أوكرانيا كان يحتفظ بمسببات أمراض خطيرة، وظل عرضة لأخطار الهجمات أو السيطرة عليه أو تعرضه لأضرار القصف في ظل الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة. واعتبرت أن ما جرى لم يكن مجرد خلاف علمي أو استخباراتي، بل استخدامًا لتكتيكات مأخوذة من "كتاب قواعد الدولة العميقة"، حيث غطّت القيادات المسيّسة على أخطائها وأساءت استخدامها للسلطة، وتلاعبت بالاستخبارات، وكذبت على الكونغرس، وقوضت رئيسًا منتخبًا عبر تقييد وصوله إلى حقائق حيوية.
ويُعتقد أن الكشف عن هذه الوثائق يعكس حالة الانقسام الحاد في المشهد السياسي الداخلي الأمريكي، وربما التوجس من سيطرة محتملة للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر 2026. وقد سبق هذا الكشف تسريبات متنوعة ومتدرجة، خاصة من مجتمع الاستخبارات الأمريكية إلى صحيفة وول ستريت جورنال، والتي أشارت إلى أن ملف أصل كوفيد-19 سيتم فتحه وكشفه.
وفي 25 يناير 2025، بعد أيام من تولي ترامب، وتعيين راتكليف مديرًا لوكالة الاستخبارات المركزية، أشار تقرير إلى أن الوكالة أصبحت ترجّح الآن أن كوفيد-19 نشأ على الأرجح بسبب تسرّب من مختبر في ووهان، وإن كان بدرجة ثقة منخفضة. هذا التحول في التقييمات الرسمية داخل مؤسسات الأمن القومي الأمريكية يربط بتعيين جون راتكليف، الذي كان يرى منذ فترة طويلة أن فرضية التسرب من المختبر هي التفسير الأكثر منطقية.
إن هذا الكشف الصادم يثير تساؤلات حول المسؤولية السياسية والأخلاقية للولايات المتحدة عن الوباء بكل خسائره البشرية والاقتصادية الهائلة. وإصدار عفو رئاسي عن الدكتور فاوتشي من أي ملاحقات قضائية تتعلق بالوباء يُعتبر دليلًا دامغًا على التواطؤ، خاصة في حالة إدارة بايدن التي يُفترض أنها كانت على اطلاع بالأسباب الحقيقية لتفشي الوباء.
إن مؤسسات الحوكمة الدولية تعاني حاليًا من تراجع قدراتها، لكن حدثًا بهذا الحجم والتأثير ينبغي أن تتبناه جهات أممية تسائل به الولايات المتحدة، وتحاسبها على دورها ومسؤوليتها تجاه باقي العالم، فيما تسببت به من كارثة هي الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، لم تصدر أي إدانات أو حتى تعليقات رسمية تجاه الولايات المتحدة من أي دولة على الإطلاق، مما يشير إلى ما أصاب النظام العالمي القائم من تكلس وضعف.
ويُعد التحفظ في صياغة بيان غابارد، حيث قالت إن العمل "يُنظر إليه الآن على نطاق واسع على أنه مصدر التسريب المختبري غير المقصود"، مفهومًا في قضية علمية، لكنه كان كافيًا لظهور موقف دولي صاخب لم يحدث قط. ويُشار إلى أن الجدل حول أبحاث "اكتساب الوظيفة" لا يتعلق بالصين وحدها، بل بفلسفة إدارة المخاطر البيولوجية في العالم كله، حيث كانت الصين تسمح بأبحاث عالية الخطورة على الفيروسات قبل وباء كوفيد-19، وكان معهد ووهان من أبرز المراكز العالمية المتخصصة في فيروسات الخفافيش وفيروسات كورونا.
وأخيرًا، تُثار مخاوف من العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والأمن الحيوي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسرّع بعض مراحل البحث العلمي ويسهل الوصول إلى معارف وخبرات كانت تتطلب سنوات طويلة من الدراسة والتخصص، مما يزيد من قدرات مؤسسات أو مجموعات تمتلك مختبرات وإمكانات علمية متقدمة. ولهذا السبب، بدأت بعض الحكومات والمؤسسات البحثية الكبرى في التفكير في أطر تنظيمية جديدة، وإخضاع النماذج المتقدمة لاختبارات سلامة قبل إطلاقها، وتشديد الرقابة على المختبرات عالية الخطورة ومراقبة تصنيع المواد البيولوجية الحساسة.
في يومها الأخير على رأس الاستخبارات الوطنية الأميركية، رفعت تولسي غابارد السرية عن حزمة وثائق ومراسلات قالت – في بيان مصور[1] – إنّها تكشف “القصة الحقيقية” وراء منشأ فيروس “كوفيد-19″، وأن ذلك كان بتدبير وإدارة أمريكية ترأسها الدكتور أنتوني فاوتشي، بصفته رئيسًا للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، حيث موّل قبل الجائحة بملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب أبحاث “كسب الوظيفة” على فيروسات كورونا في الخفافيش داخل معهد ووهان الصيني لعلم الفيروسات، وهي الأبحاث التي قالت إنّ العمل المُرتبط بها يُنظر إليه الآن على نطاق واسع باعتباره مصدر التسرّب المُختبري غير المقصود الذي أشعل فتيل الجائحة، وخلَّف أكثر من سبعة ملايين قتيل حول العالم، منهم أكثر من مليون ومائتي ألف داخل الولايات المتحدة.
بعض هذه المنشآت كانت أو لا تزال تُجري أبحاثا على مسببات أمراض خطيرة وشديدة العدوى، بما في ذلك ما يُعرف بأبحاث “اكتساب الوظيفة”،
وفي بيان رسمي (انظر نص البيان في ملحق 1)، بعنوان “فاوتشي موّل أبحاث مختبر ووهان التي أشعلت كوفيد“، قالت مدير الاستخبارات الوطنية (وهذا واحد من أكثر المناصب حساسية في الحكومة الأمريكية، وهو منصب يشرف على تنسيق عمل 18 جهازا استخباريا) إنّ الوثائق المنشورة جاءت بعد مراجعة استمرت عامًا كاملًا لرفع السرية، وأنها تكشف كيف عمل فاوتشي مع قيادات مهنية مُسيّسة داخل مجتمع الاستخبارات لإخفاء الحقيقة بشأن أفعاله، وأصل الفيروس المرتبط بالتسرب المختبري، ودوره في توجيه التمويل الأميركي لهذه الأبحاث.
وقدم البيان اتهامات واسعة لدور فاوتشي خلال الجائحة، قائلًا إن علاقاته الوثيقة داخل مجتمع الاستخبارات مكنته من أداء ثلاثة أدوار أساسية، هي:
- تمويل أبحاث خطيرة مرتبطة بشركات الأدوية الكبرى
- والسعي وراء “لقاحات عالمية” تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات
- والعمل من خلف الكواليس مع خبراء اختارهم بنفسه لدفع مجتمع الاستخبارات نحو تبني فرضية الأصل الحيواني الطبيعي لإخفاء أبحاثه الخطيرة، ثم التحول إلى “معلّق” الجائحة الأول في البلاد، ودفع الأكاذيب والمعلومات المضللة والرقابة علنًا عبر المنصات المتاحة، حيث أثّر في تقييمات مجتمع الاستخبارات بشأن “كوفيد-19” وتلاعب بها، وعجّل بنشر ورقة بحثية وصفتها بأنها “مزيفة”، ليستخدمها كمعلومة مشروعة لدعم فرضية الأصل الحيواني ودحض فرضية التسرب المختبري.
إن حدثا بهذا الحجم والتأثير ينبغي أن تتبناه جهات أممية تسائل به الولايات المتحدة، وتحاسبها على دورها ومسئوليتها تجاه باقي العالم، فيما تسببت به من كارثة هي الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
كما أوردت شهادات من مبلغين داخل مجتمع الاستخبارات قالوا إنهم تعرضوا للانتقام بسبب اعتراضهم على التلاعب بالمعلومات المتعلقة بأصل الفيروس، حيث تعرضوا للتهديد والنكسات المهنية، وكانت الرسالة واضحة لهم: “تماشَ مع الأمر أو واجه العقاب”.
واعتبرت غابارد أن ما جرى لم يكن مجرد خلاف علمي أو استخباراتي، بل استخدامًا لتكتيكات مأخوذة من “كتاب قواعد الدولة العميقة”، حيث غطّت القيادات المسيّسة على أخطائها وأساءت استخدامها للسلطة، وتلاعبت بالاستخبارات، وكذبت على الكونغرس، وقوضت رئيسًا منتخبًا عبر تقييد وصوله إلى حقائق حيوية كان يحتاجها للحفاظ على سلامة البلاد.
أصل الحكاية: مختبرات الموت
قبل ذلك بأسبوع واحد (في 12 يونيو 2026) قامت مدير الاستخبارات الوطنية أيضا بالكشف عن وثائق جديدة رُفعت عنها السرية، قالت إنها تظهر تمويلا حكوميا أمريكيا طويل الأمد لأكثر من 120 مختبرا بيولوجيا في أكثر من 30 دولة حول العالم، بينها مختبرات تقع في أوكرانيا[2].
وقالت غابارد، في بيان صادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، إن هذه المختبرات كانت تتلقى تمويلا من دافعي الضرائب الأمريكيين، مشيرة إلى أن بعض هذه المنشآت كانت أو لا تزال تُجري أبحاثا على مسببات أمراض خطيرة وشديدة العدوى، بما في ذلك ما يُعرف بأبحاث “اكتساب الوظيفة“، وسط ما وصفته بـ”ضعف الرقابة والإشراف”. (انظر ملحق 2 لنص بيان غابارد بشأن مختبرات الموت).
وتُعرف أبحاث “اكتساب الوظيفة” بأنها تجارب طبية تتضمن إحداث تغيير جيني في كائن ما بطريقة قد تعزز بعض الوظائف الحيوية، مثل التسبب في المرض أو قابلية الانتقال أو نوع العائل الذي يمكن أن يُصاب بالعدوى (وانظر ملحق 3 للتعرف على شرح مختصر لهذه الأبحاث الخطيرة، وانقسام المجتمع العلمي حولها)
إن خطر ظهور أوبئة جديدة داخل الصين مرتفع نسبيًا، ومن ثم جعلت الصين دراسة هذه الفيروسات مسألة أمن قومي.
وقالت غابارد إن المعلومات المتعلقة بوجود هذه المختبرات وتاريخها ومواقعها وآليات تمويلها “حُجبت عمدا عن الشعب الأمريكي”، متهمة مسؤولين وشخصيات نافذة في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بنفي وجودها والتشكيك في مصداقية من أثاروا هذه القضية في السابق.
وأوضحت غابارد أن وثائق استخبارية سابقة حذرت من أن أحد المختبرات الممولة أمريكيا في أوكرانيا كان يحتفظ بمسببات أمراض خطيرة، وظل عرضة لأخطار الهجمات أو السيطرة عليه أو تعرضه لأضرار القصف في ظل الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة.
ونقل البيان عن غابارد قولها إن “الأبحاث المتعلقة بمسببات الأمراض الخطيرة في المختبرات البيولوجية قد تكون لها تداعيات كارثية على مستوى العالم”، وأضافت أن مكتبها سيواصل العمل مع الجهات الحكومية المختصة لتحديد مواقع هذه المختبرات وطبيعة مسببات الأمراض التي تحتويها.
كما أصدرت غابارد توجيهات جديدة إلى مجتمع الاستخبارات الأمريكي لتعزيز عمليات جمع المعلومات بشأن هذه المنشآت خارج الولايات المتحدة، مؤكدة أن هذه الجهود كشفت بالفعل عن تفاصيل جديدة تتعلق بتجارب سريرية تُجرى داخل بعض هذه المختبرات، الأمر الذي يثير “مخاوف أخلاقية ومالية وأمنية” تتصل بالصحة العامة والأمن القومي الأمريكي، على حد وصفها.
وكانت غابارد (45 عاما) قد قدمت في 22 مايو 2026 استقالتها من منصب مدير الاستخبارات الوطنية بعد أقل من عام ونصف من توليها المنصب، لأسباب عائلية، وأوضحت في رسالة إلى الرئيس الأمريكي أنها تترك منصبها للاعتناء بزوجها بعد تشخيص إصابته “بنوع نادر للغاية من سرطان العظام”، وعلى أن تكون استقالتها نافذة بنهاية يونيو 2026.
لماذا الكشف الآن عن حقائق تدين الدولة لا مجرد أفراد؟
من الصعب تصديق أن السبب وراء رفع السرية عن هذه الوثائق الحساسة كان فقط لأن “من حق الشعب أن يعرف“، وإنما تعكس حالة الانقسام الحاد في المشهد السياسي الداخلي، وربما التوجس من سيطرة محتملة للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر 2026. من المؤكد أن المسألة ليست مجرد إدانة أفراد مثل الدكتور فاوتشي، نحن هنا أمام تعرية لمنظومة سياسية ضربها الفساد والاستهتار الأخلاقي، ويراد تحميلها على إدارة بايدن وحزبه. بشيء يسير من التقصي، نرى هذا الكشف الضخم عن مسئولية الولايات المتحدة في تفشي وباء كورونا، قد سبقته تسريبات متنوعة ومتدرجة (في الغالب من مجتمع الاستخبارات الأمريكية، إلى منفذها المفضل: صحيفة وول ستريت جورنال). نعرض هنا مقتطفات مما نشرته وول ستريت جورنال في 2023 و 2024، وخاصة بعد انتخابات نوفمبر 2024، وفيها تأكيدات مبكرة أن هذا الملف الحساس المغلق سيتم فتحه وكشفه:
- في 5 مارس 2023، فيديو[3] من هيئة تحرير وول ستريت، يدور حول جدل أصل كوفيد-19، ويعرض على الأرجح موقفًا مؤيدًا لفرضية التسرب من مختبر صيني عبر مقابلة مع الدكتور Marty Makary، الذي يرى بحسم أن الأدلة تشير إلى أن احتمال تسرب من مختبر ووهان (في أبحاث تمولها الولايات المتحدة) بأكثر من 99٪. الميل إلى إعطاء وزن أكبر لاحتمال التسرب من مختبر كان وقتها ضد الرواية الرسمية للبيت الأبيض.
- في 11 ديسمبر 2024: مقال رأي[4] فكرته الأساسية أن العلوم الأميركية فقدت جزءًا مهمًا من ثقة الجمهور خلال سنوات الجائحة، وأن استعادة هذه الثقة تتطلب قدرًا أكبر من الشفافية والمراجعة العلنية لما فعلته الحكومة والمؤسسات العلمية أثناء كوفيد-19. يركز الكاتب على أن الإفصاح الكامل عن المعلومات الحكومية المتعلقة بالجائحة هو الخطوة الأولى لإصلاح الضرر. ويستشهد بفكرة “الضوء هو أفضل مطهّر” ليقول إن نشر البيانات والقرارات والاتصالات الرسمية سيتيح للجمهور فهم ما حدث، كما سيسمح للناس بمراجعة أخطائهم والاعتذار عنها، وهو ما قد يساعد على التئام الشرخ الذي حصل بين المؤسسة العلمية وكثير من الأميركيين.
- تقرير مطول[5] في 24 ديسمبر 2024 يشرح أن الجدل حول أصل كوفيد-19 لم يكن سطحياً كما بدا للعامة، بل كان هناك خلاف أعمق داخل مجتمع الاستخبارات الأميركي حول احتمال أن يكون الفيروس قد تسرب من مختبر في الصين. التقرير يركز على جيسون بَنّان، وهو عالم سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي، ويذكر أنه كان مستعدًا في أغسطس 2021 للتوجه إلى البيت الأبيض لإحاطة مسؤولي الإدارة حول الفيروس، لكن تلك الدعوة لم تصل في النهاية. المغزى هنا أن بعض الخبراء داخل الأجهزة الرسمية كانوا يأخذون فرضية تسرب المختبر بجدية، حتى في وقت كانت هذه الفكرة تُقدَّم علنًا على أنها نظرية مؤامرة. التقرير لا يثبت أصل الجائحة بشكل قاطع، لكنه يكشف أن النقاش داخل المؤسسات الأميركية كان أكثر تعقيدًا وتباينًا مما ظهر للناس في العلن. التقرير خلاصته بوضوح: “خلاف أصل كوفيد” لم يكن مجرد خلاف علمي، بل كان أيضًا خلافًا داخل أجهزة الدولة حول ما يجب تصديقه، ومتى، وكيف يُعرض على القيادة السياسية.
- وفي 25 يناير 2025 بعد أيام من تولي ترامب، وتعيين راتكليف مديرا لوكالة الاستخبارات (CIA)، تقرير[6] يقول إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أصبحت ترجّح الآن أن كوفيد-19 نشأ على الأرجح بسبب تسرّب من مختبر في ووهان، لكن الوكالة نفسها تؤكد أن هذا الاستنتاج ما زال بدرجة ثقة منخفضة، أي إنه ليس حكمًا نهائيًا، بل ترجيحًا استخباراتيًا. ويشير التقرير إلى أن هذه هي أبعد نقطة وصلت إليها الوكالة في تحديد منشأ الفيروس الذي تسبب في وفاة الملايين حول العالم. كما يوضح أن هذا التقدير الجديد يضع الـCIA إلى جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الطاقة الأميركية، إذ إن هذه الجهات كانت قد رأت سابقًا أن حادثة مخبرية في الصين هي المصدر الأرجح للفيروس. المغزى الأوسع في التقرير هو أن الجدل حول أصل الجائحة لم يعد محصورًا في دوائر النقاش العلمي أو السياسي العام، بل أصبح جزءًا من تقييمات رسمية داخل مؤسسات الأمن القومي الأميركية. واللافت أيضًا أن المقال يربط هذا التحول بتعيين جون راتكليف مديرًا للـ CIA، وهو من المسؤولين الذين قالوا منذ فترة طويلة إن فرضية التسرب من المختبر هي التفسير الأكثر منطقية.
هذه “التسريبات” المتقطعة على امتداد أكثر من عامين لعلها تشير إلى قرار بالكشف التدريجي، تم تتويجه في 12 و 19 يونيو 2026 ببياني تولسي غابارد الصادمين.
هل يمكن مساءلة ومحاسبة الولايات المتحدة؟
من المهم الربط بين الكوارث التي تلت تفشي وباء كورونا (كوفيد 19) وهذا الإعلان الأمريكي الصادم، وفي القلب منها المسئولية السياسية والأخلاقية للولايات المتحدة عن الوباء بكل خسائره البشرية والاقتصادية الهائلة، بناء على هذا الكشف الواضح والموثق. هذه المسئولية إذا قورنت بالتصريحات المتكررة لإدارتي ترامب الأولى وبايدن، فإنها إما تشير إلى عملية تغطية وتستر تسببت في إيذاء ملايين البشر، على الأقل في حالة إدارة بايدن، الذي من المؤكد اطلاعه على الأسباب الحقيقية لتفشي الوباء، وما إصداره لعفو رئاسي عن الدكتور فاوتشي من أي ملاحقات قضائية تتعلق بالوباء إلا دليل دامغ على هذا التواطؤ. ولنتأمل صياغة العفو الرئاسي التي تشعر بفداحة الجرم:
تم تقديم ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل أبحاث اكتساب الوظيفة الخطيرة على فيروسات كورونا الخفافيش في معهد ووهان لعلم الفيروسات، العمل الذي يُنظر إليه الآن على نطاق واسع على أنه مصدر التسريب المختبري غير المقصود الذي أشعل فتيل الوباء.
“لقد منحنا الدكتور أنتوني إس. فاوتشي
عفواً كاملاً وغير مشروط عن أي جرائم ارتكبها أو شارك فيها ضد الولايات المتحدة، خلال الفترة من 1 يناير 2014 وحتى تاريخ هذا العفو الناشئة عن أو المتعلقة بأي شكل من الأشكال بخدمته كمدير للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، أو كعضو في فريق عمل البيت الأبيض المعني بفيروس كورونا أو فريق البيت الأبيض للاستجابة لجائحة كوفيد-19″[7].
وأما في حالة إدارة ترامب الأولى، فليس من الواضح إن كان على اطلاع وقتها بهذه الملفات المخفية، ولعل صدامه مرات مع الدكتور فاوتشي، وقناعته السخيفة بأن الوباء مزيف، وما كان يسميه “الفيروس الصيني”، تشير كلها إلا عدم معرفته، أو بأن مجتمع الاستخبارات (قبل انتخابات نوفمبر 2020) لم يكن قد استقر على أحد السببين المحتملين للوباء، وما إذا كان نشأة طبيعية من الحيوانات، أم تسربا مختبريا غير مقصود.
إن مؤسسات الحوكمة الدولية حاليا تعاني من تراجع قدراتها، لكن حدثا بهذا الحجم والتأثير ينبغي أن تتبناه جهات أممية تسائل به الولايات المتحدة، وتحاسبها على دورها ومسئوليتها تجاه باقي العالم، فيما تسببت به من كارثة هي الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
من اللافت بعد أسبوع من هذا الكشف، أنه لم تصدر أي إدانات، ولا حتى تعليقات رسمية تجاه الولايات المتحدة من أي دولة على الإطلاق! من المفهوم أن تسكت دول خشية التعرض لصدام وتنمر الرئيس ترامب، لكننا هنا إزاء كشف يتعلق بكارثة بشرية أودت بحياة أكثر من سبعة ملايين شخص! هذا الصمت يشير إلى ما أصاب النظام العالمي القائم من تكلس وضعف.
من المفيد الإشارة إلى العبارة التي استخدمتها غابارد في الحكم النهائي لمجمع الاستخبارات عن كارثة كورونا بقولها بحسم في صدر بيانها: ” قبل جائحة كوفيد، قدم الدكتور فاوتشي، بصفته رئيس المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل أبحاث اكتساب الوظيفة الخطيرة على فيروسات كورونا الخفافيش في معهد ووهان لعلم الفيروسات، العمل الذي يُنظر إليه الآن على نطاق واسع على أنه مصدر التسريب المختبري غير المقصود الذي أشعل فتيل الوباء.”
هذا التحفظ مفهوم في قضية علمية، أنها لم تقل مثلا: “من المؤكد أو اليقيني”، لكنها أكدت على كل حال أن هذا هو الحكم – على نطاق واسع – لمجمع الاستخبارات الأمريكي، وكان هذا كافيا جدا لظهور موقف دولي صاخب أمام هذا الكشف، وهو الموقف الذي لم يحدث قط!
إن بعض الأصوات السياسية التي تتحدث الآن حول أبحاث “اكتساب الوظيفة” باعتبارها خلافًا بين “العلم” و”معاداة العلم”، هي أصوات تمعن في حملة التضليل للوعي العام، إذ أنه داخل المجتمع العلمي نفسه يدور نقاش جاد حول كيفية موازنة الفائدة البحثية مقابل المخاطر الوجودية المحتملة، وأن النجاح العلمي فيها قد يخلق في الوقت نفسه خطرًا بيولوجيًا كارثيا جديدًا، وبالعودة إلى بيان غابارد نجدها قد تحدثت بتحديد لا لبس فيه عن: “تمويل أبحاث على مسببات أمراض خطيرة”، وعن “ضعف أنظمة الرقابة والإشراف على بعض هذه المشاريع.”
لابد أن نذكر هنا أيضا أنه – بطبيعة الحال – ليست كل أبحاث اكتساب الوظيفة خطيرة بنفس الدرجة، بل هناك طيف واسع منها منخفضة المخاطر (مثل: تعديل بكتيريا لإنتاج دواء، أو تعديل خلايا مخبرية لدراسة بروتين معين، ..إلخ، وهذه تُجرى يوميًا في آلاف المختبرات). ثم هناك أبحاث عالية المخاطر (وهي التي تشمل مثلا: عمليات زيادة قدرة فيروس على الانتشار، أو زيادة قدرته على إصابة البشر، أو تمكينه من تجاوز المناعة أو اللقاحات .. إلخ)، لكن موضوعنا الحالي هو ولا شك يتعلق بالشق الخطير منها.
الموقف الصيني
ثارت تساؤلات كثيرة بعد الإعلان الأمريكي حول موقف الصين وكيف سمحت أصلا بأبحاث “أمريكية” عالية الخطورة على الفيروسات على أرضها داخل مختبر ووهان؟ وتساؤلات مشابهة عن طبيعة “العلاقات الدولية العلمية” في هذا المجال.
إن الجدل حول أبحاث اكتساب الوظيفة لا يتعلق بالصين وحدها، بل بفلسفة إدارة المخاطر البيولوجية في العالم كله. وفي الواقع، فإن الصين كانت تسمح بأبحاث عالية الخطورة على الفيروسات قبل وباء كوفيد 19، وكان معهد ووهان (Wuhan Institute of Virology) من أبرز المراكز العالمية المتخصصة في فيروسات الخفافيش وفيروسات كورونا قبل الجائحة بسنوات. وقد نُشرت أبحاث مشتركة بين علماء صينيين وأجانب تناولت تعديل بعض الفيروسات أو اختبار قدرتها على إصابة خلايا بشرية. وهذه ليست معلومة جديدة؛ بل كانت منشورة في الدوريات العلمية قبل كوفيد[8].
وهناك سؤال آخر أهم: هل كانت هذه الأبحاث مخالفة للمعايير الدولية؟ والمثير للاهتمام هنا أن معظم الدول العلمية الكبرى لم تحظر هذه الأبحاث حظرًا كاملًا. فالولايات المتحدة نفسها كانت من أكثر الدول تمويلًا لأبحاث الفيروسات المتقدمة، لكن بعد الجدل الذي أثارته تجارب إنفلونزا الطيور، فرضت إدارة أوباما عام 2014 تجميدًا مؤقتًا على بعض أبحاث اكتساب الوظيفة المتعلقة بفيروسات الإنفلونزا وسارس وميرس، ثم أعادت السماح بها لاحقًا ضمن نظام مراجعة أكثر تشددًا، وهذا يعني حتى في تلك الحالة الطارئة أن المبدأ لم يكن هو “المنع”، بل “الموافقة بعد تقييم المخاطر”.
وفي أوروبا التي تتمتع عادة بمعايير تنظيمية أكثر صرامة من الولايات المتحدة، وفي دول مثل بريطانيا وألمانيا، توجد مختبرات عالية الأمان، وتُجري أبحاثًا على مسببات أمراض شديدة الخطورة، لكن عادةً تكون الرقابة التنظيمية والشفافية أكبر، وتخضع المشاريع لمراجعات أخلاقية وأمنية متعددة.
أما الصين فكانت تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة قليلًا، لأنها بعد أوبئة مثل السارس عام 2003، استثمرت بكثافة في علوم الفيروسات والأمن الحيوي. وكان من وجهة نظر الصين، أنها تضم أكبر تجمعات الخفافيش الحاملة لفيروسات كورونا، وبالتالي فإن خطر ظهور أوبئة جديدة داخل الصين مرتفع نسبيًا، ومن ثم جعلت دراسة هذه الفيروسات مسألة أمن قومي.
وإذا وضعنا جانبًا الجدل السياسي الحالي، فيمكن تصور الأسباب التي جعلت الصين توافق على أبحاث دولية مشتركة بهذه الحساسية والخطورة، ربما من أهمها هوسها بالسباق العلمي الذي تسعى فيه للحاق بالولايات المتحدة وأوروبا في علوم الحياة والتكنولوجيا الحيوية، بالإضافة إلى خوفها من الأوبئة المستقبلية، وقناعة كثير من باحثيها بأن فيروس كورونا جديدًا سيظهر عاجلًا أم آجلًا، وربما رأوا أن دراسة الفيروسات الموجودة في الخفافيش قبل أن تنتقل للبشر أفضل من انتظار الكارثة.
الذكاء الاصطناعي والأسلحة البيولوجية
وأخيرا، لابد من كلمة عن الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسريع الأبحاث البيولوجية عالية المخاطر، إذ أصبحت العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والأمن الحيوي من أكثر القضايا إثارة للنقاش في الأوساط العلمية والسياسية خلال السنتين الأخيرتين، خصوصًا بعد التطور السريع في قدرات النماذج اللغوية وأنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. صحيح أن هناك إجماعا بين الخبراء على أن هذه النماذج لا تستطيع اليوم أن تصنع فيروسًا أو سلاحًا بيولوجيًا بضغطة زر كما تتخيل بعض التصورات الإعلامية والشعبوية، لكنها قد تؤدي إلى تسريع بعض مراحل البحث العلمي وتسهل الوصول إلى معارف وخبرات كانت تتطلب في السابق سنوات طويلة من الدراسة والتخصص.
ينبع القلق الأساسي من أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على أداء دور “المساعد البحثي” عالي الكفاءة. فالباحث الذي كان يحتاج إلى قراءة آلاف الصفحات من الدراسات العلمية ومراجعة كم هائل من البيانات قبل بناء فرضية أو تصميم تجربة جديدة، بات يستطيع إنجاز جزء كبير من هذه المهام في وقت قصير بمساعدة هذه النماذج الحديثة. وفي المجالات البيولوجية والطبية، يمكن لهذه الأدوات أن تساعد في تحليل التسلسلات الجينية، ومقارنة نتائج الأبحاث، واقتراح مسارات بحثية جديدة، بل والمساهمة في تصميم جزيئات أو بروتينات قد تكون مفيدة في تطوير الأدوية واللقاحات. وهذه الاستخدامات تمثل جانبًا إيجابيًا مهمًا يمكن أن يسرع الاكتشافات الطبية ويعزز قدرة البشرية على مواجهة الأمراض.
غير أن المشكلة تكمن في أن الأدوات نفسها التي تساعد الباحثين على تطوير العلاجات يمكن أن تُستخدم نظريًا في أبحاث أكثر حساسية وخطورة. فبدل أن يكون الخطر في خلق معرفة جديدة بالكامل، فإن الخوف يتمثل في خفض الحواجز التي كانت تفصل بين الباحث العادي والباحث المتخصص للغاية. فالمهام التي كانت تتطلب سابقًا فريقًا من الخبراء أو سنوات من الخبرة العملية قد تصبح متاحة لعدد أكبر من الأشخاص بفضل المساعدة التي تقدمها النماذج الذكية. ولهذا لا يركز خبراء الأمن الحيوي على سيناريو “الهاوي الذي يصنع جائحة في شقته الصغيرة”، بقدر ما يركزون على احتمال أن تزيد هذه الأدوات من قدرات مؤسسات أو مجموعات تمتلك أصلًا مختبرات وإمكانات علمية متقدمة.
لهذا السبب بدأت “بعض” الحكومات والمؤسسات البحثية الكبرى في التفكير في أطر تنظيمية جديدة. فهناك توجه متزايد نحو إخضاع النماذج المتقدمة لاختبارات سلامة قبل إطلاقها، للتأكد من أنها لا تقدم مساعدة خطيرة في المجالات الحساسة مثل البيولوجيا أو الكيمياء أو الأمن السيبراني. كما تتجه بعض الدول إلى التركيز على تنظيم البيئة المحيطة بهذه الأبحاث، من خلال تشديد الرقابة على المختبرات عالية الخطورة ومراقبة تصنيع المواد البيولوجية الحساسة، بدلًا من الاكتفاء بتنظيم برامج الذكاء الاصطناعي نفسها.
ومن منظور استراتيجي أوسع، يرى عدد متزايد من الباحثين أن القضية لا تتعلق فقط بخطر بيولوجي محدد، بل بظاهرة أعمق تتمثل في “دمقرطة القدرات العلمية المتقدمة”. فالتقنيات الجديدة تجعل المعرفة والخبرة التي كانت حكرًا على عدد محدود من المؤسسات والدول أصبحت الآن متاحة لعدد أكبر من الفاعلين. وهذا يشبه، من بعض الوجوه، ما حدث سابقًا مع الإنترنت أو التشفير أو الطائرات المسيّرة؛ حيث أدت التكنولوجيا إلى توسيع دائرة المستفيدين منها، لكنها في الوقت نفسه وسعت دائرة القادرين على إساءة استخدامها.
ولهذا أصبح الأمن الحيوي اليوم أحد الملفات الرئيسية في نقاشات حوكمة الذكاء الاصطناعي حول العالم، إلى جانب الأمن السيبراني والأسلحة الذاتية والذكاء الاصطناعي العام. والسؤال الذي يشغل الحكومات ومراكز الأبحاث لم يعد ما إذا كانت هذه التقنيات ستغير طريقة إجراء الأبحاث العلمية، فذلك يحدث بالفعل، وإنما ما إذا كانت المؤسسات التنظيمية والقانونية المحلية والدولية ستتمكن من مواكبة سرعة هذا التغير قبل أن تصبح القدرات الجديدة أكبر من الأطر التي يفترض أن تضبطها. وفي هذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي خلال العقد المقبل قد لا يكون وقف التقدم العلمي، بل بناء منظومات رقابية وحوكمية قادرة على الاستفادة من فوائده الهائلة مع الحد من مخاطره المتزايدة.
د. محمد هشام راغب
—————-
ملحق (1)
نص بيان مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية في 19 يونيو 2026
“قبل جائحة كوفيد، قدم الدكتور فاوتشي، بصفته رئيس المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل أبحاث اكتساب الوظيفة الخطيرة على فيروسات كورونا الخفافيش في معهد ووهان لعلم الفيروسات، العمل الذي يُنظر إليه الآن على نطاق واسع على أنه مصدر التسريب المختبري غير المقصود الذي أشعل فتيل الوباء.
والآن، دعمًا لتفويض الرئيس ترامب بأقصى قدر من الشفافية، أقوم اليوم، في يومي الأخير كمدير للاستخبارات الوطنية، بنشر اتصالات ووثائق لم يسبق لها مثيل تكشف بالضبط كيف عمل فاوتشي مع قيادة مهنية مسيسة في مجتمع الاستخبارات لقمع الحقيقة حول أفعاله، وأصول تسريب الفيروس من المختبر، ودوره في توجيه التمويل الأمريكي لهذا البحث الخطير الذي تسبب في ضرر لا يحصى وخسائر لا تعد ولا تحصى في الأرواح.
تكشف هذه الوثائق الآن عن دور فاوتشي المباشر في التأثير على تقييمات مجتمع الاستخبارات بشأن كوفيد-19 والتلاعب بها، وكيف كذب فاوتشي على الكونجرس في عام 2024 عندما نفى تحت القسم معرفته أو مشاركته في مناقشات مع مسؤولي الاستخبارات حول الأبحاث الفيروسية.
كما تلقينا شهادات من العديد من المبلغين عن المخالفات في مجتمع الاستخبارات الذين أبلغوا عن تعرضهم للانتقام بسبب تحديهم لتلاعب مجتمع الاستخبارات بالمعلومات الاستخباراتية المتعلقة بأصول الفيروس، مما يكشف مرة أخرى عن نمط واضح لقمع المعارضة وإسكات المنتقدين ودفن الحقيقة.
إن علاقات الدكتور فاوتشي الوثيقة مع مجتمع الاستخبارات مكنته من تولي ثلاثة أدوار رئيسية تحميه من التدقيق. أولاً، قام الدكتور فاوتشي بتمويل أبحاث خطيرة تتعلق باكتساب وظائف جديدة لفيروس كورونا، والتي ترتبط بشركات الأدوية الكبرى وسعيها للحصول على لقاحات شاملة، بقيمة تريليونات الدولارات.
ثانياً، كان الدكتور فاوتشي هو المستشار الذي يعمل من وراء الكواليس، والذي قام، إلى جانب الخبراء الذين اختارهم بنفسه، بدفع مجتمع الاستخبارات لتأييد الأصل الحيواني الطبيعي لإخفاء أبحاثه الخطيرة المتعلقة باكتساب الوظيفة والتي مولها باستخدام أموال دافعي الضرائب.
كل هذا في محاولة متعمدة للتستر على الحقيقة وتحويل اللوم والانتباه بعيدًا عن تصرفات فاوتشي نفسه . ثالثًا، أصبح الدكتور فاوتشي خبيرًا وطنيًا في شؤون الأوبئة، وقام علنًا بنشر الأكاذيب والمعلومات المضللة والرقابة باستخدام كل منصة متاحة.
والآن، وفقًا لمئات الرسائل الإلكترونية التي تمت مراجعتها، والتي تم تضمينها في هذا الإصدار، فإن مجتمع الاستخبارات كان دائمًا تقريبًا يأخذ توصيات فاوتشي في الاعتبار. لقد روّج لورقة بحثية مزيفة ساعد في نشرها باعتبارها معلومات مشروعة للنظر فيها من قبل مجتمع الاستخبارات.
أشاد كبار المحللين بالدكتور فاوتشي، ليس كصانع سياسات، بل باعتباره ما وصفوه بالمرشد غير المتحيز لخبراء فيروس كورونا الحقيقيين، مع تجاهلهم المتعمد للخبراء الذين قد يخالفون روايات فاوتشي. لكن فاوتشي لم يتوقف عند هذا الحد.
لقد كذب بشكل صارخ على الكونغرس تحت القسم خلال شهادته عام 2024 أمام اللجنة الفرعية المختارة التابعة لمجلس النواب بشأن جائحة فيروس كورونا، نافياً أنه تحدث إلى أي وكالة استخباراتية بشأن كوفيد-19. والآن، فإن المراسلات التي أنشرها اليوم تتناقض بشكل مباشر مع شهادته تحت القسم.
لقد تلقينا الآن تصريحات من العديد من المبلغين عن المخالفات تكشف أن محللي الاستخبارات الذين تجرأوا على تحدي استنتاجات الدكتور فاوتشي بشأن أصل كوفيد-19 واجهوا تهديدات بالانتقام والتهميش، وعانى الكثير منهم من انتكاسات مهنية.
فعلى سبيل المثال، تم إنهاء خدمة أحد المقاولين بعد أيام فقط من تقديمه بلاغاً إلى مكتب مدير الاستخبارات الوطنية باعتباره مُبلغاً عن المخالفات.
ومثال آخر، أولئك الذين دافعوا عن فرضية تسرب المختبر أو عبروا عن آراء مخالفة، تم تذكيرهم من قبل مديريهم بأن القيادة هي التي ستحدد أي المحللين سيتم ترقيتهم وأيهم لن يتم ترقيتهم . كانت الرسالة واضحة، إما أن تساير الوضع أو ستُعاقب.
كما سعى كبار القادة إلى تقويض المبلغين عن المخالفات من خلال إزالة السرية، وهو أمر مطلوب في عملية الإبلاغ عن المخالفات، أثناء تقديمهم لشكاواهم، والإصرار أيضًا على حضور مديريهم أو محاميهم خلال اجتماعات مكتب مدير الاستخبارات الوطنية حيث كان هؤلاء المبلغون يتقدمون بشهاداتهم.
من الواضح أن ذلك يخلق جواً من الترهيب. تسببت جائحة كوفيد-19 في معاناة وألم هائلين لملايين من مواطنينا الأمريكيين وعدد لا يحصى من الناس حول العالم. الآن، وبعد سنوات من الأكاذيب والرقابة والتستر، يستحق الشعب الأمريكي الشفافية ورؤية الحقيقة والمساءلة.
إن التكتيكات التي استخدمت لإخفاء الحقيقة هي مأخوذة مباشرة من كتاب أساليب الدولة العميقة .
قام قادة مسيسون أنانيون مثل الدكتور فاوتشي بالتستر على أخطائهم وتجاوزاتهم للسلطة، وتلاعبوا بالمعلومات الاستخباراتية، وكذبوا على الكونغرس، وقوضوا رئيسًا منتخبًا بشكل قانوني من خلال تقييد وصوله إلى الحقائق الحيوية التي يحتاجها للحفاظ على أمن البلاد. حان الوقت لتعرف الحقيقة”.
————-
ملحق (2)
الكشف عن البرنامج الأمريكي لمختبرات بيولوجية حول العالم[9]
نص بيان تولسي غابارد مدير مركز الاستخبارات الوطنية في 12 يونيو 2026
بعد أشهر من البحث في مقتنيات وملفات مجتمع الاستخبارات، أقدم اليوم أدلة جديدة على تمويل الحكومة الأمريكية طويل الأمد لأكثر من 120 مختبرًا بيولوجيًا في أكثر من 30 دولة. والآن، تشمل هذه المختبرات البيولوجية مختبرات في أماكن مثل أوكرانيا، والتي قد تكون عرضة لخطر الاختراق بسبب الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة.
في الواقع، سبق أن حذر مجتمع الاستخبارات من أن مختبرًا بيولوجيًا ممولًا من الولايات المتحدة في أوكرانيا من المحتمل أن يحتوي على مسببات أمراض خطيرة، وأنه لا يزال عرضة لتهديدات طويلة الأمد من الهجوم الروسي أو الاستيلاء أو التلف.
وحتى الآن، تم حجب الأدلة المتعلقة بالوجود الكامل لهذه المختبرات وتمويلها عنكم، أيها الشعب الأمريكي، عن علم. العديد من هذه المختبرات البيولوجية الممولة من الحكومة الأمريكية تشارك حاليًا أو شاركت سابقًا في أبحاث تستخدم مسببات الأمراض الخطرة والمعدية للغاية.
وفي بعض الحالات، تضمن ذلك أبحاثاً خطيرة تتعلق باكتساب وظائف جديدة مع قدر ضئيل جداً من الشفافية أو الرقابة. الآن، يدرك الرئيس ترامب بوضوح الخطر الجسيم الذي تشكله أبحاث اكتساب الوظيفة الخطيرة على الشعب الأمريكي. ولهذا السبب اتخذ إجراءً حاسماً قبل أكثر من عام.
في 25 مايو 2025، وقّع أمراً تنفيذياً لإنهاء التمويل الفيدرالي لأبحاث اكتساب الوظيفة في جميع أنحاء العالم. هنا في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، أصدرت توجيهات جديدة لمجتمع الاستخبارات تحث على زيادة جمع المعلومات حول هذه المختبرات والمنشآت في الخارج. ونحن نشهد بالفعل نتائج هذه الزيادة في التحصيل.
إننا نتعرف على تفاصيل جديدة، على سبيل المثال، حول التجارب السريرية الجارية في هذه المرافق والتي تثير مخاوف أخلاقية ومالية وأمنية كبيرة فيما يتعلق بمبادرات الصحة العامة المفترضة والأمن القومي الأمريكي.
والآن، على الرغم من الاحتمال الواضح للتأثير العالمي الكارثي الذي يمكن أن تحدثه الأبحاث المتعلقة بمسببات الأمراض الخطيرة في المختبرات البيولوجية.
لقد كذب السياسيون وما يسمى بالمتخصصين في مجال الصحة مثل الدكتور فاوتشي، بالإضافة إلى كيانات داخل فريق الأمن القومي لإدارة بايدن، مرارًا وتكرارًا على الشعب الأمريكي بشأن وجود مختبرات بيولوجية ممولة ومدعومة من الولايات المتحدة. لم يكتفوا بالكذب، بل هددوا أولئك الذين حاولوا كشف الحقيقة.
لذا، فإن هذا الإصدار اليوم يفتح آفاقاً جديدة حيث تم التستر عمداً على المعلومات المحيطة بوجود وتاريخ ومواقع وتمويل هذه المختبرات البيولوجية الممولة من الولايات المتحدة من قبل أشخاص ذوي نفوذ كبير زعموا زوراً أن هذه المختبرات البيولوجية غير موجودة.
والآن، اتهموا كل من يقول خلاف ذلك بأنه عميل أجنبي وخائن لأمريكا.
الآن، سأواصل أنا وأودي العمل عن كثب مع الشركاء في جميع أنحاء الحكومة الأمريكية لتحديد مكان هذه المختبرات بالضبط وما هي مسببات الأمراض التي تحتويها لإنهاء أبحاث اكتساب الوظيفة الخطيرة التي تهدد صحة ورفاهية الشعب الأمريكي والشعوب في جميع أنحاء العالم.
————-
ملحق (3)
أبحاث “اكتساب الوظيفة”
أبحاث “اكتساب الوظيفة” (Gain-of-Function Research – GOF) هي فئة من الأبحاث البيولوجية يقوم فيها العلماء بتعديل كائن دقيق (فيروس أو بكتيريا عادةً) بحيث يكتسب خصائص جديدة أو تصبح خصائصه الموجودة أقوى أو أوضح، وذلك لدراسة كيفية تطوره أو انتشاره أو التسبب بالمرض.
هدف مثل هذه الأبحاث ليس في الحقيقة “صناعة فيروس قاتل” كما يُشاع أحيانًا، بل محاولة فهم ما قد يفعله التطور الطبيعي في المستقبل قبل أن يحدث فعلاً.
على أرض الواقع، يمكن شرح هذه الأبحاث بمثال عملي مشهور:
إذا كان لدينا فيروس إنفلونزا يصيب الطيور فقط، فقد يحاول الباحثون معرفة: هل يمكن أن يكتسب طفرات تجعله ينتقل بين البشر؟ وما الطفرات التي قد تزيد سرعة انتشاره؟ وما التغيرات التي قد تسمح له بالهروب أو الإفلات من اللقاحات؟ ثم كيف يمكن أن يصبح أكثر قدرة على إصابة الرئة البشرية؟
للإجابة على هذه التساؤلات وغيرها، يقوم العلماء بإدخال طفرات محددة أو تمرير الفيروس عبر خلايا أو حيوانات تجريبية حتى تظهر تلك الخصائص. إذا نجحوا في هذه العملية، فيكون الفيروس قد “اكتسب وظيفة” جديدة لم تكن موجودة فيه سابقًا أو أصبحت أقوى من قبل.
العلماء المدافعون عن هذه الأبحاث يرونها تساعد على التنبؤ بالطفرات الخطيرة قبل ظهورها في الطبيعة.
وبالتالي تطوير لقاحات وأدوية مسبقًا، وتساهم أيضا في تحسين أنظمة المراقبة الوبائية وفهم آليات انتقال الأمراض بين الأنواع.
على سبيل المثال: إذا عرف العلماء أن خمس طفرات محددة تجعل فيروسًا حيوانيًا قادرًا على إصابة البشر، فإنهم يستطيعون مراقبة ظهور هذه الطفرات في الطبيعة وإنذار السلطات الصحية مبكرًا.
طبعا هذه فوائد يصعب إنكارها، لكنها تأتي معها ببعض المخاطر المميتة. مثلا إذا نجح الباحث في جعل فيروس أكثر عدوى أو أكثر قدرة على إصابة البشر، فإن السؤال الذي لا مفر منه سيكون: ماذا لو تسرب هذا الفيروس من المختبر بالخطأ؟!، ولهذا يصف بعض العلماء هذه الأبحاث بأنها “البحث عن حلول للمخاطر المستقبلية عبر خلق مخاطر حالية.”
هذا ليس خيالا نظريا فقط، وأشهر مثال تاريخي كان ما حدث في عام 2011 حين أثارت تجارب على فيروس إنفلونزا الطيور H5N1 ضجة عالمية. وقتها كان الفيروس يقتل نسبة مرتفعة من المصابين به لكنه لا ينتقل بسهولة بين البشر. ولكن عندما تمكن فريقان بحثيان من إجراء تعديلات جعلته ينتقل بين حيوانات التجارب عبر الهواء بصورة أكثر كفاءة. هنالك بدأ الجدل حيث رأى المؤيدون أن هذا كشف ما قد يفعله الفيروس طبيعيًا في المستقبل، بينما احتج المعارضون وقالوا إن المختبر صنع بنفسه تهديدًا وبائيًا محتملاً.
[1] https://www.youtube.com/watch?v=c7JAAF0VbQI
[2] https://www.youtube.com/watch?v=gFc3oqQIJDw
[3] https://www.wsj.com/video/series/journal-editorial-report/wsj-opinion-was-covid-19-a-chinese-lab-leak-after-all/A8C0C5BA-4BE4-4935-9EA3-1F0719E74B9D
[4] https://www.wsj.com/opinion/science-needs-to-win-back-americans-trust-covid-lockdown-2fe9a520
[5] https://www.wsj.com/politics/national-security/fbi-covid-19-pandemic-lab-leak-theory-dfbd8a51
[6] https://www.wsj.com/politics/national-security/cia-now-favors-lab-leak-theory-on-origins-of-covid-19-eff4e67c
[7] https://www.justice.gov/pardon/media/1385746/dl?inline
[8] https://www.aa.com.tr/en/americas/us-intelligence-chief-releases-declassified-covid-19-records-alleges-fauci-misled-congress/3972031
[9] Tulsi Gabbard Exposes US Global Biolab Program – YouTube – https://www.youtube.com/watch?v=gFc3oqQIJDw






