تراجع الصهيونية: أزمة الدعم الأمريكي وصورة إسرائيل في الخارج

ملخص تنفيذي
يقدم هذا التقرير تحليلاً مُعمقاً لواقع العلاقات الإسرائيلية–الأمريكية استناداً إلى ورقتين بحثيتين رئيسيتين: الأولى للكاتب “شلومو شامير” في صحيفة “معاريف” بتاريخ 27 إبريل 2026، والثانية للباحثين “تيودور ساسون” و”أوفير دايان” بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) المنشورة في دورية “مباط عال” العدد 2132 بتاريخ 27-4-2026.
يتناول التقرير عرض ما جاء فيهما من التراجع غير المسبوق في الدعم الأمريكي لإسرائيل عبر الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وتصاعد ظاهرة المعادة للصهيونية في الولايات المتحدة، وبجانب ما طُرح من استراتيجيات المواجهة المطروحة داخل الجالية اليهودية، كما يسلط التقرير الضوء على أن إسرائيل لا تدرك بشكل كافٍ حجم هذا التحول، ما قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في الدعم السياسي لها في واشنطن.
1-تحليل بعنوان: مشكلة مزدوجة: مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة تنهار من الجهتين – وهناك حل واحد:
في تحليل نُشر بصحيفة “معاريف” بتاريخ 27 إبريل 2026، يؤكد الخبير في الشئون الأمريكية “شلومو شامير” أن مناقشة ومعالجة التراجع التاريخي في تأييد إسرائيل بين الديمقراطيين الأمريكيين باتت ضرورة استراتيجية ملحة، بدلاً من الاكتفاء بالارتياح العابر للعلاقة مع دونالد ترامب، إذ إن تراجع الدعم لا يقتصر على الديمقراطيين فحسب، بل يمتد بشكل مقلق للجمهوريين أيضاً، مما يشير إلى تحول بنيوي في الموقف الأمريكي.
ويضيف شامير أن الموقف النقدي تجاه إسرائيل من كبار المسؤولين ووسائل الإعلام الأمريكية أصبح ظاهرة مؤسسية تحمل عواقب سياسية وأخلاقية وخيمة على المدى الطويل، رغم أن بعض المعلقين الإسرائيليين وخبراء العلاقات الخارجية يقللون في تقديراتهم لحجم هذا التراجع، ربما هروباً من مواجهة الواقع المرير.
وينقل عن الحاخام الراحل ألكسندر شيندلر، الزعيم التاريخي للجالية اليهودية في أمريكا، تمييزاً جوهرياً بين الحزبين لا يزال قائماً: فبينما يُعد دعم الديمقراطيين لإسرائيل أمراً طبيعياً متأصلاً في قيمهم، يبقى دعم الجمهوريين سياسياً بحتاً وقائماً على اعتبارات ظرفية ومصالح آنية، وهذا الفرق الاستراتيجي لم يتلاشَ بل تعمق في السنوات الأخيرة.
ويشير شامير إلى القلق المتزايد لدى الساسة الإسرائيليين من شخصيات ديمقراطية مثل بيرني ساندرز، اليهودي المستقل المناهض لسياسات إسرائيل، وجافين نيوسوم حاكم كاليفورنيا الطموح رئاسياً، الذي تنتقد تصريحاته إسرائيل دون أن يكون معادياً لها جوهرياً.
وفي المقابل، يبرز القلق من جمهوريين مثل ستيف بانون ونائب الرئيس جي. دي. فانس، الذي يُوصف بأنه لا يعادي إسرائيل فحسب، بل يكرهها لدرجة معاداة السامية، ونجح عملياً في إبعاد شخصيات مؤثرة مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف عن أي دور في العلاقات مع إسرائيل.
ويُحذر شامير من أن إسرائيل تعيش في غفلة عن تدهور ترامب دبلوماسياً وأخلاقياً، وعن الدور المدمر لحكومتها الحالية في تدمير مكانتها الدولية، خاصة مع بقاء نتنياهو ووزرائه المتطرفين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وياريف ليفين، الذين يشوّهون صورة إسرائيل في العواصم الغربية بما فيها واشنطن.
وينقل عن آريك يوف، رئيس الحركة الإصلاحية اليهودية، اعترافاً صريحاً بأن الدعم لإسرائيل وصل لأدنى مستوياته التاريخية، وأن نتنياهو جزء كبير من المشكلة، في ظل غياب بديل سياسي جدي داخل إسرائيل، وأن حزب الليكود مليء بشخصيات مسيحانية معادية للصهيونية الحقيقية.
2- دراسة بعنوان: العداء للسامية وللصهيونية على خلفية الحرب ضد إيران ([1]):

في دراسة مشتركة للباحثين “تيودور ساسون” و”أوفير دايان” بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ([2]) ، نُشرت في دورية “مباط عال” العدد 2132 بتاريخ 27-4-2026، تحت عنوان “العداء للسامية وللصهيونية على خلفية الحرب ضد إيران”، يُحلل الباحثان تداعيات الهجوم الذي نفذه مواطن أمريكي لبناني الأصل على كنيس في ضواحي ديترويت في منتصف مارس 2026، مستخدماً شاحنة محملة بمواد متفجرة، مما أسفر عن مقتله بعد تبادل إطلاق النار مع حارس أمن، في وقت كانت تُقام فيه نشاطات لأطفال روضة مجاورة، وقد تم إجلاؤهم عبر النوافذ في عملية إنقاذ عاجلة.
وقد أفاد التحقيق الفيدرالي بأن المهاجم تصرّف بإيحاء من حزب الله، وكان يسعى لقتل أكبر عدد ممكن من اليهود، مما يعكس تدويل الصراع الإقليمي.
ويُشير الباحثان إلى أن هذا الهجوم جاء ضمن سلسلة أحداث متصاعدة رفعت مستوى التأهب لدى يهود الشتات إلى أقصاه، شملت إحراق سيارات إسعاف في لندن، وإطلاق نار على كنس في تورونتو، ومقتل 15 شخصاً في أستراليا خلال عيد حانوكا، فضلاً عن اعتداءات في الولايات المتحدة مثل إلقاء زجاجة حارقة على مسيرة تضامنية مع الرهائن الإسرائيليين في بولدر، ومقتل دبلوماسيين إسرائيليين في المتحف اليهودي بواشنطن، وإحراق منزل الحاكم اليهودي لبنسلفانيا.
وأكد الباحثان أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية المشتركة ضد إيران تضيف بُعداً جديداً لمخاوف يهود الشتات، فرغم أنها تمثل ذروة التعاون الاستراتيجي بين البلدين، إلا أنها لا تحظى بشعبية لدى الرأي العام الأمريكي الذي يخشى تكرار حروب طويلة ومكلفة كالعراق وأفغانستان.
ويُحذر اليهود الأمريكيون من تحميل إسرائيل وأنصارها اليهود مسؤولية هذه الحرب وتداعياتها الاقتصادية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة، وقد أصبحت هذه الاتهامات عنصراً مركزياً في الخطاب السياسي الأمريكي، وحظيت بدعم ظاهري من شخصيات مثل جي. دي. فانس (الذي تراجع لاحقاً) ومسؤولين سابقين مثل جوزيف كِنت، المدير السابق لمركز مكافحة الإرهاب، الذي استقال احتجاجاً على الحرب.
ويُظهر استطلاع لمعهد الناخب اليهودي أن 55% من الناخبين اليهود يعارضون الحرب، و54% يتوقعون أن تثير مخاوف بشأن دور إسرائيل ويهود الولايات المتحدة في السياسة الخارجية، مع انقسام حزبي واضح يعكس استقطاباً داخلياً: 74% من اليهود الديمقراطيين يعارضون الحرب مقابل تأييد 83% من اليهود الجمهوريين، مما يجعل الجالية اليهودية نفسها ساحة للصراع الحزبي الأمريكي.
استطلاعات: تراجع الصهيونية يتسارع في قلب الجالية اليهودية الأمريكية
ويشير الباحثان إلى أن اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) نشرت نتائج استطلاعها السنوي حول معاداة السامية في الولايات المتحدة، معتمداً على عينتين كبيرتين وممثلتين: البالغين اليهود وعموم الجمهور الأمريكي، مما يمنح النتائج مصداقية إحصائية عالية.
وتُظهر النتائج الإحصائية دلالات خطيرة حيث أفاد 86% من اليهود و63% من الأمريكيين بأن معاداة السامية ازدادت بشكل ملحوظ منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، مما يشير إلى أن الأحداث الإقليمية تنعكس سلباً على الوضع الداخلي الأمريكي.
وصادف 71% من اليهود محتوى معادياً للسامية عبر الإنترنت أو وسائل التواصل خلال 2025، مقارنة بـ 45% من عموم الأمريكيين، مما يؤكد أن الفضاء الرقمي أصبح ساحة رئيسية لنشر الكراهية.
وتُشير البيانات إلى أن 31% من اليهود كانوا هدفاً لمعاداة السامية مرة واحدة على الأقل خلال العام الماضي، وغالباً عبر تعليقات مباشرة أو رقمية، مما يجعل التهديد شخصياً ومباشراً.
وغيّر 55% من اليهود سلوكهم خوفاً من معاداة السامية، بتجنب أماكن معينة أو الامتناع عن حمل رموز يهودية ظاهرة، وهي نسبة أعلى بكثير من استطلاعات سابقة (38% في 2022)، مما يعكس تزايد الشعور بعدم الأمان.
وفكر 17% من اليهود في مغادرة الولايات المتحدة بسبب معاداة السامية، مقارنة بـ 13% في 2024، مما يشير إلى أن التهديد لم يعد لفظياً فقط بل وجودياً.
وفي المقابل، كشف استطلاع عام الأمريكيين عن جهل واسع بمصطلح “معاداة السامية”: إذ لم يسمع به 10% من المشاركين، ولا يعرف معناه 20%، وامتنع 74% ممن تعرضوا لمعاداة السامية عن الإبلاغ عنها، مما يعكس فجوة ثقافية ومعرفية تعيق المواجهة الفعالة للظاهرة.
الجالية اليهودية تحاول إنقاذ ما تبقى من صورة الصهيونية
أثار تقرير اللجنة اليهودية الأمريكية نقاشاً داخلياً عميقاً داخل الجالية اليهودية الأمريكية حول أفضل سبل مواجهة معاداة السامية، وبرزت ثلاث مقاربات تعكس تبايناً في الرؤى الاستراتيجية:
أولاً: استراتيجية الحقوق المدنية التي تعتمدها منظمات تقليدية وكبيرة مثل رابطة مكافحة التشهير (ADL) وAJC، وتقوم على أربعة محاور رئيسية مترابطة: التثقيف العام (من خلال تطوير مناهج دراسية للمدارس والجامعات وحملات توعية واسعة)، تدريب القيادات (عبر ورش عمل لمدراء المؤسسات التعليمية والشرطة والمسؤولين المنتخبين لتعزيز الحساسية الثقافية، (المناصرة والتقاضي (بهدف تعزيز تعريف معاداة السامية الصادر عن التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست – IHRA وسن تشريعات حماية)، وجمع البيانات والتقارير الدقيقة لرصد الظاهرة.
ثانياً: استراتيجية مكافحة “العداء للصهيونية”، التي يقودها أكاديميون وناشطون ويعرّفون العداء للصهيونية كتعبير فريد ومنفصل عن كراهية اليهود، ويسعون لتحويل مركز الثقل من مكافحة معاداة السامية التقليدية إلى مكافحة العداء للصهيونية كحركة عالمية مستقلة نشأت في الاتحاد السوفياتي وتبناها لاحقاً اليسار العالمي ضمن أطر حقوق الإنسان.
وثالثاً: استراتيجية التعليم والهوية اليهودية، التي يدعو إليها كاتب “نيويورك تايمز” بريت ستيفنز، والتي ترى أن ازدهار الحياة اليهودية لا يعتمد فقط على الأمن الجسدي أو المواجهة الدفاعية، بل يتحقق عندما تصبح اليهودية “العنصر المركزي في الحياة، والمصدر الذي نستمد منه المعنى والغاية”، ويدعو ستيفنز إلى زيادة الاستثمار في المؤسسات التي تُحيي الحياة اليهودية: المدارس، المتاحف، المراكز الثقافية، دور النشر، والتعليم الديني، واصفاً الجهود التقليدية لمكافحة معاداة السامية بأنها “جهد مهدور إلى حد كبير” إذا لم يقترن ببناء هوية يهودية قوية وواثقة.
مطالبة إسرائيل بدور في إبطاء تراجع المشروع الصهيوني
واكد الباحثان في التقرير رغم طرح النقاش الداخلي للمقاربات الثلاث كأنها متعارضة ومتنافسة، فإن كل منها يعالج بُعداً من أبعاد المشكلة المعقدة، والدمج بينها قد يكون أكثر فاعلية.
وإلى جانب جهود المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، يبرز دور حاسم ومحوري لإسرائيل في هذه المعركة، ويجب أن تشمل الاستجابة الإسرائيلية الفعالة والشاملة العناصر التالية:
أولاً، بلورة استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة معاداة السامية ومعاداة الصهيونية على غرار الدول الموقعة لإعلان التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)، مع فحص دقيق لكيفية تأثير سياسات إسرائيل الداخلية والخارجية على تيارات معاداة السامية عالمياً، لأن السياسات تولد ردود الفعل.
ثانياً: تعزيز الدبلوماسية العامة الإسرائيلية لإعادة بناء صورة إسرائيل المتضررة بشدة منذ 7 أكتوبر 2023، باستخدام الحملة المشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران كسردية جديدة حول المساهمة في الأمن القومي الأمريكي والقيم الديمقراطية المشتركة، لكن بشرط أن تكون هذه السردية مصحوبة بأفعال لا بأقوال فقط.
ثالثاً: تعزيز الهوية والتعليم اليهودي كرافعة استراتيجية، بإعطاء أولوية قصوى لإعادة إحياء البرامج التعليمية المرتبطة بإسرائيل التي تراجعت مشاركتها بشكل ملحوظ خلال جائحة كورونا والحرب الحالية، لأن الجيل الشاب هو مستقبل العلاقة.
رابعاً: التعاون التربوي المؤسسي بين إسرائيل والشتات لتطوير مبادرات مشتركة تهدف إلى تعليم تاريخ وتجليات معاداة السامية ومعاداة الصهيونية في الحاضر، من أجل إنشاء قاعدة معرفية مشتركة تساهم في تحسين التنسيق والاستجابة.
خامساً: إحياء الفكرة الصهيونية كفكرة إيجابية وموحدة وجاذبة، تجمع كل الطيف السياسي اليهودي حول تأكيد حق تقرير المصير للشعب اليهودي، مع رفض حازم للأيديولوجيات المتطرفة التي تسعى لتفكيك الدولة اليهودية أو تشويه رسالتها الإنسانية.
تعقيب مركز رؤيا:
تشير المعطيات الواردة بالتقرير إلى أن مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة لم تعد تتراجع من جانب واحد، وتتصدع من الجهتين: ديمقراطياً وجمهورياً، مما يعكس تصدعاً استراتيجياً في العلاقة لم يعد قابلاً للإصلاح بخطاب دعائي.
ويُبرز هذا التقرير أن تراجع الصهيونية كمشروع سياسي وفكري لم يعد مجرد تخوف نظري، بل واقع إحصائي وسياسي ملموس، تعكسه الأرقام الصادمة: 55% من اليهود الأمريكيين يغيرون سلوكهم خوفاً، و17% يفكرون في المغادرة، و74% من اليهود الديمقراطيين يعارضون الحرب التي تشنها إسرائيل.
هذه الأرقام ليست مجرد استطلاعات، بل مؤشرات على تصدع في العقد الاجتماعي بين إسرائيل والشتات، الذي كان لسنوات حجر الزاوية في القوة الناعمة الإسرائيلية.
الأعمق من ذلك أن القيادة الإسرائيلية تتعامل مع هذا التراجع كأزمة علاقات عامة قابلة للإدارة عبر حملات دعائية، بينما هي في جوهرها أزمة شرعية نابعة من سياسات الاستيطان والعنصرية المؤسسية والاحتلال الدائم.
والملاحظ الذي تُظهره المقترحات التي يطرحها الباحثان على إسرائيل لإدراك هذا التراجع أنها ليست حلولاً قصيرة المدى، بل أفكاراً شاملة تشمل الدبلوماسية والتعليم والهوية وإعادة صياغة الصورة العامة لإسرائيل وعلاقتها بالشتات اليهودي.
ويبدو أن مراكز بحثية إسرائيل تهتم كثيراً بدراسة تغير الرأي العام، خصوصاً في الولايات المتحدة، ومحاولة التعامل معه بطريقة تخدم إعادة تقوية الدعم لإسرائيل.
في المقابل، لا يوجد اهتمام كافٍ من مراكز البحث العربية والإسلامية بهذه التحولات، ولا يتم استغلالها بشكل منظم لفهمها أو تحويلها إلى سياسات إعلامية أو فكرية فعالة.
وهذا يعني أن الفرص التي قد تنتج عن تراجع الدعم الشعبي للصهيونية في بعض الأوساط الغربية لا يتم الاستفادة منها بالشكل المطلوب، في حين أنه يمكن تعزيز ذلك عبر التركيز على الاهتمام بتتبع وتحليل تغيرات الرأي العام الغربي تجاه إسرائيل بشكل مستمر وعميق، ثم استثمار هذه النتائج في تطوير خطاب إعلامي وفكري أكثر تأثيراً ووضوحاً يخدم قضية فلسطين وسرديتها العادلة.
وعليه، فالتراجع الحالي ليس مجرد تقلب في الرأي العام، بل علامة على أن المشروع الصهيوني بصيغته الحالية لم يعد قادراً على إلهام الأجيال الجديدة، يهوداً وغير يهود.
إذ يُظهر هذا التراجع المتنامي في الصورة الذهنية للصهيونية أمام الرأي العام الغربي، وخاصة داخل بعض الدوائر المؤثرة في الولايات المتحدة تآكلًا تدريجيًا في سردية جرى بناؤها على مدى عقود طويلة عبر أدوات إعلامية وثقافية وفنية وتعليمية مكثفة، فقد استثمر المشروع الصهيوني تاريخيًا في تشكيل صورة ذهنية داعمة عبر الإعلام والسينما وغيرهما، غير أن التحولات الراهنة تكشف اهتزاز هذه السردية أمام معطيات الواقع السياسي المرتبط بالاحتلال والاستيطان والانتهاكات المتكررة.
ومن هنا فإن هذا التراجع ينبغي النظر إليه باعتباره فرصة لإعادة تفكيك هذه السردية وإبراز تناقضاتها.
كما أن أهمية هذا التراجع لا تقتصر على دعم القضية الفلسطينية وحدها، رغم مركزتيها، بل تمتد لتشمل الوعي الأشمل بمخاطر المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا له امتدادات سياسية وثقافية على الأمة كلها.
ومن ثم فإن تراجعها النسبي يمثل فرصة استراتيجية لا تقتصر على إعادة الاعتبار للحق الفلسطيني، بل يمكن توظيفها على مستوى الأمة بأكملها، عبر تفعيل أدوات جماعات الضغط، وتطوير الخطاب الإعلامي والفكري، وبناء مراكز رصد وتحليل قادرة على متابعة التحولات في الرأي العام الغربي والتأثير فيها.
إن استثمار هذه اللحظة يتطلب رؤية واعية تعتبر أن الفرص التاريخية لا تتكرر كثيرًا، وأن حسن إدارتها قد يفتح آفاقًا جديدة في ميزان التأثير لصالح قضايا الأمة العادلة.
([1])https://www.inss.org.il/he/publication/antisemitism-iran-war/
([2])تيودور ساسون: زميل باحث بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي منذ عام 2024، يركز على السياسة الأمريكية الإسرائيلية، ويهتم بشكل خاص بالجالية اليهودية في الولايات المتحدة، وهو أستاذ متفرغ بكلية ميدلبوري بفيرمونت الأمريكية.
أوفير دايان: باحثة بالمعهد ذاته، متخصصة في معاداة السامية ونزع الشرعية، وتحضر حالياً أطروحة دكتوراه من جامعة كولومبيا بنيويورك.






